اكرم حسين…. كاتب.
ليس من الإنصاف، ولا من الموضوعية، أن ننظر إلى الأحزاب الكردية في سوريا وكأنها لم تؤدِّ أي دور في تاريخ القضية الكردية. فقد أدت هذه الأحزاب، على امتداد عقود طويلة، وظيفة سياسية ووطنية مهمة تمثلت في الحفاظ على الشعور القومي الكردي، وصون الهوية الكردية ، في مرحلة كان الحديث عن الكرد وحقوقهم ولغتهم وهويتهم يعرّض صاحبه للملاحقة والاعتقال ، وفي ظل سياسات الدولة السورية خلال عهدي حافظ الأسد وبشار الأسد، واجه الكرد سلسلة من الإجراءات الاستثنائية التي مسّت وجودهم وحقوقهم، بدءاً من إحصاء عام 1962 ، مروراً بمشروع الحزام العربي وسياسات التعريب وتغيير أسماء القرى والبلدات والمُدن الكردية، وصولاً إلى المرسوم 49 الذي قيّد عمليات الاستملاك في المناطق الحدودية، وغيرها من الإجراءات التي ساهمت في تهميش الكرد وإبعادهم عن المشاركة المتكافئة في مؤسسات الدولة ، ولم يقتصر التهميش على المجال السياسي، بل امتدّ إلى الإدارة ومؤسسات الدولة المختلفة، بحيث بقي الكردي، رغم كفاءته وتفانيه في خدمة بلده، أمام حواجز سياسية وقانونية وإدارية حالت دون وصوله إلى مواقع كان يفترض أن تكون مفتوحة أمام جميع السوريين على قدم المساواة.
في تلك المرحلة كان وجود الأحزاب الكردية، بكل ما رافقه من نواقص وانقسامات، مرتبطاً بضرورة الحفاظ على القضية الكردية في مواجهة نفيها و تهميشها ، ولهذا لا يمكن إسقاط الحكم على تلك المرحلة بمعايير المرحلة الراهنة. فقد كان الحزب الكردي في جانب أساسي منه مساحة لحماية الهوية السياسية والثقافية، ومنبراً للتعبير عن مطالب محرّمة، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية في مواجهة سياسات الإنكار والإقصاء.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم : هل ما زالت الأحزاب الكردية القائمة قادرة على أداء الوظيفة نفسها في سوريا الجديدة؟ وهل استمرارها بالصيغ التنظيمية والسياسية ذاتها يخدم القضية الكردية، أم أن بعضها قد تحوّل، من دون أن يدرك، إلى عائق أمام تطورها؟
هذا السؤال ليس ترفاً نظرياً ، ولا محاولة للنيل من تاريخ هذه الأحزاب، وإنما ضرورة سياسية تفرضها التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام السابق وبدء المرحلة الانتقالية.
لقد تغيرت البيئة التي نشأت فيها الأحزاب الكردية وتطورت. لم يعد الكرد يعيشون في سوريا التي تعدّ هويتهم القومية مشكلة سياسية وأمنية. بعد أن صدر في كانون الثاني 2026 المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي نص صراحة على أن المواطنين السوريين الكرد «جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري»، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. كما اعترف المرسوم بالكردية لغة وطنية، وألغى القوانين والتدابير الاستثنائية الناتجة عن إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، ونصّ على منح الجنسية للمواطنين من أصول كردية ، بمن فيهم مكتومي القيد، مع المساواة في الحقوق والواجبات.
والأهم أن هذه النصوص لم تبقَ ، مجرد عبارات سياسية؛ فقد بدأت إجراءات تنفيذية مرتبطة بالجنسية، ثم أُعلنت في حزيران 2026 مرحلة ثانية من تطبيق المرسوم، كما عدّلت وزارة التربية في آب التعليمات المتعلقة بتدريس اللغة الكردية، لتتيح دراستها كلغة وطنية في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الاغلبية الكردية ، وفي جميع المراحل الدراسية ضمن المناهج المعتمدة.
هذه التحوّلات لا تعني أن القضية الكردية حُلّت، ولا أن جميع الحقوق أصبحت مكتملة، ولا أن المرسوم يغني عن تثبيت الحقوق دستورياً . لكنها تشير إلى شيء بالغ الأهمية: لقد تغيّرت طبيعة المعركة السياسية.
لم تُعد القضية الأساسية هي إثبات أن الكرد موجودين، أو إقناع الدولة بأن لهم هوية ولغة وثقافة، وإنما أصبحت في تحويل الاعتراف إلى مؤسسات وقوانين وممارسة فعلية، وضمان أن تكون الحقوق جزءاً ثابتاً من النظام السياسي والدستوري السوري الجديد ، وهنا تحديداً تظهر أزمة الأحزاب الكردية.
فبعد أكثر من عام على سقوط الاسد وبدء المرحلة الانتقالية، أصبح من الصعب تبرير استمرار العمل الحزبي الكردي بالأساليب القديمة نفسها، وكأن شيئاً لم يتغير. فقد كشفت المرحلة الجديدة، بوضوح، أن عدداً من هذه الأحزاب يعاني أزمة بنيوية حقيقية: هياكل تنظيمية مغلقة، قيادات تتكرر، مؤتمرات لا تنتج تحولاً حقيقياً، خطاب سياسي لا يزال أسير مفردات مرحلة سابقة، ضعف في التواصل مع المجتمع، غياب واضح للشباب والنساء والكفاءات، وعجز عن الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة وصناعة المشاريع.
فالحزب الذي لا يستطيع أن يُجدّد نفسه، او يُعيد صياغة برنامجه، ولا يُقدّم حلولاً لمشكلات الناس اليومية، ولا يمتلك مشروعاً واضحاً لسوريا الجديدة، يُصبح مع مرور الوقت مؤسسة تدافع عن استمرارها أكثر مما تدافع عن القضية التي تأسست من أجلها.
والسؤال الأكثر جرأة هنا : هل تحتاج القضية الكردية اليوم إلى هذا العدد من الأحزاب؟ أم تحتاج إلى أحزاب أقل عدداً وأكثر قدرة؟
لقد كان تعدّد الأحزاب في مرحلة ما انعكاساً لتعدّد الآراء والتيارات والاجتهادات السياسية، لكن استمرار الانقسام التنظيمي إلى هذا الحد لم يعد بالضرورة دليلاً على التعددية والعافية . بل على العجز عن بناء إطار سياسي حديث قادر على استيعاب الاختلاف داخله.
ولذلك فإن أفضل خدمة يمكن أن تقدمها بعض الأحزاب الكردية لنفسها وللقضية التي تدّعي تمثيلها هي أن تمتلك شجاعة المراجعة ، لا بمعنى جلد الذات أو إنكار التاريخ، وإنما الاعتراف بنهاية مرحلة ، فأدوات الأمس لا تصلح بالضرورة لإدارة مرحلة اليوم. الحزب الذي لا يستطيع إصلاح نفسه، ينبغي أن يمتلك شجاعة حلّ نفسه ، والحزب الذي لم يعد قادراً على أداء دوره، ينبغي أن يمتلك شجاعة الاندماج أو الاتحاد مع غيره.
قد يبدو هذا الكلام قاسياً، لكنه في الحقيقة أكثر احتراماً لتاريخ هذه الأحزاب من استمرارها كتنظيمات شكلية تعيش على رصيد الماضي وهامش الواقع .
المرحلة الجديدة تحتاج إلى أحزاب كردية سورية حديثة، تعلم أن الدفاع عن الحقوق الكردية لا يتناقض مع الانتماء السوري، وأن بناء سوريا ديمقراطية متعددة ومتساوية هو الإطار الطبيعي لحماية الحقوق الكردية. بحيث تنتقل من المطالب العامة إلى مشاريع القوانين والسياسات ، ومن البيانات إلى العمل الميداني.
والأهم أن تتوقف عن التعامل مع المجتمع الكردي باعتباره جمهوراً (قطيعياً) أو كتلة جاهزة للتعبئة في المناسبات. المواطن الكردي اليوم يريد مدرسة جيدة، وفرصة عمل، وكهرباء وماء وطرقاً، وإدارة نزيهة، وقضاءً عادلاً، ومؤسسات محلية فعالة، وفي الوقت نفسه أن يعيش خصوصيته الثقافية من دون خوف أو تمييز . أي إن الحزب الكردي العصري يجب أن يكون قادراً على الجمع بين الدفاع عن الحقوق القومية وبين تقديم حلول لمشكلات المواطن اليومية ، وبالتالي ، إذا كانت الأحزاب الكردية تريد فعلاً أن تكون جزءاً من المشهد السوري الجديد، فإن أمامها مجموعة من الخطوات الضرورية :
أولاً، إعادة تأسيس خطابها السياسي على أساس سوريا الجديدة، بحيث تربط القضية الكردية بالديمقراطية والمواطنة المتساوية واللامركزية وسيادة القانون، وتطرح الحقوق الكردية باعتبارها جزءاً من بناء دولة سورية متعددة ومتساوية.
ثانياً، لا يمكن لحزب يريد المشاركة في بناء دولة حديثة أن يكون هو نفسه أسير بنية مغلقة.
ثالثاً، لا يمكن بناء حياة سياسية جديدة بعقلية أن يبقى الأشخاص أنفسهم في المواقع نفسها لعقود.
رابعاً، فتح الباب أمام الاندماجات السياسية والوحدات التنظيمية ، ويمكن لأحزاب تتقارب في البرامج والرؤية أن تتوحد في حزب قوي واحد .
خامساً، الانتقال من حزب النخبة إلى حزب المجتمع. يجب أن تكون للأحزاب مكاتب حقيقية في المدن والبلدات، وأن تنظم لقاءات دورية مع المواطنين، وأن تستمع إلى مشكلاتهم، وأن تقدم دراسات وحلولاً في التعليم والزراعة والاقتصاد والصحة والإدارة المحلية والتنمية.
سادساً، إنشاء مراكز متخصصة لصناعة السياسات العامة. بحيث يمتلك الحزب خبراء في الدستور والإدارة المحلية والاقتصاد والطاقة والتعليم والقانون والعلاقات الدولية، وأن يكون قادراً على تقديم مشاريع قوانين وسياسات قابلة للتطبيق.
سابعاً، على الأحزاب الكردية أن تكون حاضرة في العاصمة، وأن تدخل في حوار مباشر مع مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمع المدني، وأن تقدم تصوراً كردياً واضحاً لسوريا الجديدة، ضمن مشروع وطني سوري ديمقراطي.
ثامناً، عدم اختزال القضية الكردية في اللغة وحدها. رغم اهميتها ، لكن المشروع القومي الكردي يحتاج أيضاً إلى معالجة ملفات التنمية، والملكية، والعدالة، والتمثيل السياسي، والإدارة المحلية، وفرص العمل، والتعليم العالي، والزراعة، والموارد، وعودة المهجرين، ومعالجة آثار السياسات السابقة.
تاسعاً، بناء جيل سياسي جديد. عبر مدارس سياسية، وبرامج تدريب، وإشراك حقيقي للشباب والنساء والكفاءات والمستقلين.
وعاشراً، وربما الأهم، إجراء مراجعة علنية لتجربة العقود الماضية: ماذا أصابت الأحزاب؟ أين أخطأت؟ لماذا فشلت في تحقيق أهدافها؟ لماذا بقيت منقسمة؟ ولماذا لم تتمكن من استثمار الفرصة التاريخية ؟ فالحزب الذي لا يراجع تجربته محكوم عليه بالعقم وتكرار الاخطاء.
لقد انتقل الكرد السوريون إلى مرحلة جديدة فالتطورات التي رافقت إعادة دمج المؤسسات والقوى الكردية في مؤسسات الدولة فتحت نقاشاً جدياً حول المشاركة السياسية والعسكرية والمدنية للكرد داخل الدولة السورية ، وهذا التحول لا يلغي دور الأحزاب، بل يفرض عليها دوراً مختلفاً.
لا ينبغي أن تحتفي الأحزاب الكردية بصدور المرسومو١٣ فقط بل عليها أن تثبت لماذا يجب أن تبقى، وماذا تستطيع أن تقدم، وما المشروع الذي تحمله للمستقبل.
والسؤال الذي يحرق اللسان : أي أحزاب كردية نريد؟
نريد أحزاباً لا تعيش على مظلومية الماضي وحدها، وإنما تعمل على منع تكرارها عبر بناء مؤسسات قوية. نريد أحزاباً لا تتحدث باسم الشعب فقط، بل تستمع إليه. نريد أحزاباً لا تطالب بالديمقراطية في الدولة وتمارس المركزية داخل تنظيماتها. نريد أحزاباً لا تجعل الحفاظ على المواقع القيادية هدفاً، بل تجعل بناء المستقبل ، ونريد أحزاباً تعرف أن أفضل دفاع عن الهوية الكردية هو أن تصبح الهوية جزءاً طبيعياً من سوريا الديمقراطية الحديثة، لا قضية معزولة عن بقية السوريين.
اليوم، وقد أصبحت أبواب الدولة السورية أكثر انفتاحاً أمام المشاركة الكردية، وأصبح الكرد حاضرين في مؤسسات الدولة وفي مواقع سياسية وعسكرية وإدارية، فإن المطلوب من الأحزاب أن لا تقف على أبواب الماضي وتكرر شعاراته، بل أن تدخل إلى سوريا الجديدة بمشروع سياسي
وإذا عجز حزب عن القيام بهذه المهمة، فإن أمامه خياراً أكثر شرفاً من الجمود: أن يُجدّد نفسه، أو يندمج مع غيره، أو يُعيد تأسيس نفسه من جديد، أو يفسح المجال لجيل جديد.
فالقضية الكردية أكبر من أي حزب، والهوية الكردية أقدم من كل التنظيمات، ومستقبل الكرد في سوريا لا ينبغي أن يبقى رهينة لبنية حزبية عجزت عن مواكبة الزمن.
ربما تكون هي اللحظة التاريخية التي ينبغي فيها الأحزاب الكردية أن تسأل نفسها للمرة الأولى وبصدق: **هل ما زلنا نخدم القضية الكردية، أم أن القضية الكردية أصبحت بحاجة إلى أحزاب جديدة تخدمها؟*