ملخص
توعد ترمب بإرسال حاملة طائرات أميركية إلى الشواطئ الكوبية بعد الانتهاء من حرب إيران تزامناً مع حزمة عقوبات فرضها، تستهدف مصارف أجنبية تتعامل مع هافانا وأفراداً وكيانات في قطاعات عدة منها الطاقة والتعدين.
قلوب الروس مع كوبا لكن سيوفهم في خاصرة أوكرانيا. فتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب للجزيرة التي ما زالوا يطلقون عليها اسم “جزيرة الحرية” تحرجهم وتقلقهم، غير أن عيونهم بصيرة وأياديهم قصيرة عن نجدتها والدفاع عنها في وجه أي غزو أميركي، حتى ولو كان غزواً استخباراتياً لتغيير النظام، ووضع اليد على أول وربما آخر القلاع الشيوعية في قارة أميركا الشمالي
بحسب صحيفة “نيويورك تايمز”، يسعى البيت الأبيض إلى إطاحة الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، أملاً في تطبيق “إصلاحات” اقتصادية هيكلية تنزع الصبغة الاشتراكية عن اقتصاد دولة لا تبعد سوى 90 ميلاً من شواطئ أعتى وأعرق وأكبر اقتصاد رأسمالي في العالم، لأن هذا سيمكن دونالد ترمب من إعلان انتصاره على زعيم يساري آخر، بعدما تمكن في ليلٍ من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع هذا العام، بسبب معارضته سياسة الولايات المتحدة، وربما يعوضه عن فشله في إطاحة النظام الإيراني على رغم قتله مرشده ومعظم قادته.
تهديدات ترمب
لا يتوانى الرئيس الأميركي عن إطلاق التهديد والوعيد والتغريد ضد كوبا، حتى أثناء انشغاله بحرب مع بلد يبعد من حدوده آلاف الأميال. وصرح ترمب علناً بأن الولايات المتحدة قد تنفذ “سيطرة ودية” على كوبا. وقال إنه قد “يتشرف بالسيطرة على هذه الجزيرة بصورة أو بأخرى”. وأضاف “أعتقد أنني أستطيع أن أفعل بها ما أشاء. إنها دولة ضعيفة للغاية في الوقت الراهن”.
وتوعد بإرسال حاملة طائرات أميركية إلى الشواطئ الكوبية بعد الانتهاء من حرب إيران تزامناً مع حزمة عقوبات فرضها، تستهدف مصارف أجنبية تتعامل مع هافانا وأفراداً وكيانات في قطاعات عدة منها الطاقة والتعدين، بحسب ما أعلن البيت الأبيض.
وقال ترمب “كوبا لديها مشكلات. في طريق العودة من إيران، ستكون لدينا واحدة من أكبر حاملات الطائرات، ربما (يو أس أس أبراهام لينكولن) الأكبر في العالم- وسنأتي بها، لترسو على بعد نحو 100 ياردة من الشاطئ، وسيقولون: شكراً جزيلاً. نستسلم لكم”.
وجاءت تهديدات ترمب تزامناً مع توقيعه أمراً تنفيذياً يقضي بتوسيع نطاق العقوبات الأميركية على الحكومة الكوبية ويضيق الخناق على الشعب الكوبي بأكمله، في إطار سعيه لممارسة مزيد من الضغوط على هافانا.
وتعاني الجزيرة التي يبلغ تعداد سكانها 9.6 مليون نسمة أزمة اقتصادية عميقة، تفاقمت بفعل تشديد العقوبات الأميركية خلال ولاية ترمب الأولى (2017-2021)، إلى جانب اختلالات هيكلية في اقتصادها المركزي، مما أدى إلى شبه شلل في النشاط منذ أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي.
الموقف الرسمي للكرملين
تعد روسيا تهديدات ترمب والقيود الجديدة المفروضة على كوبا غير مقبولة. وصرح الرئيس فلاديمير بوتين بذلك خلال اجتماع مع وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز باريلا خلال الـ18 من فبراير (شباط) الماضي، قائلاً “نحن نمر بمرحلة استثنائية الآن، مع فرض عقوبات جديدة. أنتم تعلمون موقفنا من هذا الأمر. لن نقبل بمثل هذا الأمر”. وأضاف أن موقف وزارة الخارجية الروسية “واضح وجلي لا لبس فيه”.
وأشار الرئيس الروسي إلى أن موسكو وهافانا تربطهما علاقة خاصة راسخة تاريخياً. وأضاف “كثيراً ما وقفنا إلى جانب كوبا في نضالها من أجل الاستقلال، ومن أجل حقها في رسم مسارها التنموي الخاص، ودعمنا الشعب الكوبي. ونحن ندرك مدى صعوبة ما عاناه الكوبيون طوال عقود الاستقلال هذه، وهم يناضلون من أجل حقهم في العيش وفقاً لقوانينهم الخاصة والدفاع عن مصالحهم الوطنية”.
وبدوره، صرح وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز باريلا بأن العلاقات بين هافانا وموسكو قد تعززت بمرور الوقت والدعم المتبادل، لا سيما خلال الأوقات الصعبة، مؤكداً أن الشعب الكوبي يقدر عالياً تضامن روسيا. وأوضح أن العلاقات الثنائية لا تزال أولوية بالنسبة إلى كوبا، وأن المشاريع المشتركة قيد التطوير لمصلحة الشعبين، معرباً عن امتنانه للقيادة الروسية لدعمها وسط الحصار المتزايد والصعوبات المتعلقة بالطاقة التي تواجهها البلاد.
وبعد اجتماع بين وزيري خارجية روسيا وكوبا سيرغي لافروف وبرونو رودريغيز باريلا، في موسكو خلال فبراير الماضي، جرى التأكيد أن فرض تدابير تقييدية ضد هافانا، بما في ذلك في قطاع الطاقة، أمر غير مقبول. وقال وزير الخارجية الروسي إن بلاده ستواصل دعم كوبا في حماية أمنها، مؤكداً “التضامن” مع هافانا، وأن الشعب الكوبي وحده هو من يملك الحق في تقرير مصيره.
وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن موسكو تدين بشدة “الإجراءات التقييدية غير الشرعية التي تتخذها واشنطن ضد هافانا، والضغوط الاقتصادية والعسكرية على الدولة الكوبية ومواطنيها”. وشددت الوزارة على عدم قبول فرض إجراءات تقييدية ضد كوبا في قطاع الطاقة.
وفيما يصف الكرملين الوضع في كوبا علناً بأنه حرج، صرح المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، بأن “الإجراءات الخانقة” التي تتخذها الولايات المتحدة تخلق صعوبات بالغة لكوبا.
وأعربت روسيا عن قلقها إزاء التصعيد المحيط بكوبا، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، “إن لغة الابتزاز ضد هذا البلد غير مقبولة”. وأكدت أن موسكو تراقب الوضع من كثب وتلتزم باحترام سيادة كوبا. وأن أي صورة من صور الضغط لا يؤدي إلا إلى تفاقم التوترات الإقليمية.
وعدت رئيسة مجلس الاتحاد الروسي، فالنتينا ماتفيينكو، خلال اجتماعها مع الممثل الخاص للرئيس ووزير الخارجية، برونو رودريغيز باريلا، أن حصار الطاقة المفروض على كوبا بمثابة إبادة جماعية ضد الشعب الكوبي.
مدى دفاع روسيا عن كوبا!
التصريحات الرسمية التي يطلقها الكرملين ودوائره الدبلوماسية ويدين فيها التهديدات الأميركية والعقوبات الخانقة ضد كوبا، تشبه إلى حد كبير تلك التي أطلقها بوتين ووزرائه وإعلامه عند شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهم المتوالية ضد إيران، خلال يونيو (حزيران) 2025 ثم الـ28 من فبراير من هذا العام، لكن هذه التصريحات بقيت كلاماً معسولاً ولم تردع الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إسرائيل.
فروسيا التي لم تدافع عن صديقتها وجارتها إيران، لن تدافع عن حليفتها التاريخية كوبا أيضاً، لأنها اليوم مقيدة تماماً بروح أنكوراج والأمل الساذج في التوصل إلى اتفاق مع الأميركيين، بما في ذلك في شأن أوكرانيا. ولن تعرض هذا الأمل الوهمي للخطر. فإذا شن الأميركيون عملية عسكرية ضد كوبا، فسيكون موقف روسيا مماثلاً تماماً لموقفها في حال فنزويلا، أي موقف المراقب الخارجي.
وبالطبع، ستدين روسيا تصرفات الأميركيين من بعيد. وستصدر وزارة الخارجية عدة بيانات شجب وتنديد، تغطي طيفاً واسعاً من المشاعر، من الإدانة إلى الاحتجاج الحازم، لكن روسيا لن تقوم بأي عمل عسكري لدعم كوبا، ويؤكد عالم السياسة أندري مانويلو الأستاذ في جامعة موسكو الحكومية، ورئيس قسم المعلومات والحرب الهجينة في أكاديمية العلوم التربوية “ألتر”.
ويضيف “من دون مساعدة حلفائها، ومن دون دعم عسكري من روسيا، لن تنجو كوبا. تمتلك كوبا جيشاً كبيراً نسبياً بالنسبة لدولة جزرية صغيرة جداً، لكن هذا الجيش يفتقر تماماً إلى الخبرة القتالية. صحيح أنه يتمتع بروح وطنية عالية، لكنه يفتقر إلى الفعالية القتالية. وإذا ما واجه الجيش الكوبي وحدات أميركية نخبوية ذات خبرة في النزاعات المسلحة الحقيقية، فمن غير المرجح أن يبدي مقاومة تُذكر”.
الضغط الحزبي على الكرملين!
في محاولة لدفع الكرملين لاتخاذ موقف أكثر حزماً في الدفاع عن كوبا، أعلن زعيم الحزب الشيوعي الروسي، غينادي زوغانوف، أن موسكو لا يمكنها أن تسمح للولايات المتحدة “بخنق” قادة أفراد ودول بأكملها، كما يحدث في كوبا وفنزويلا.
واعتبر زوغانوف في مقابلة مع صحيفة “فيستي” أن الحصار المفروض على كوبا منذ 65 عاماً “عار على الحضارة الأميركية”، مشيراً إلى أن روسيا ستواصل دعمها لرفع الحصار عن الجزيرة، باعتبار كوبا مثالاً أخلاقياً وسياسياً للبشرية جمعاء. وأوضح أن روسيا قد تتفاوض مع الولايات المتحدة في شأن هذه المسألة.
وقال “إن مجرد محاولة الولايات المتحدة، أكبر دولة في العالم، على مدى 65 عاماً، خنق ليس فقط قادة بعينهم، بل الجميع، بعدما نفذت أكثر من 100 هجوم إرهابي، قررت الآن خنق أمة بأكملها، 10 ملايين نسمة، لهو أمر مشين حقاً. لا يمكن لدولة أن تطلق على نفسها اسم دولة متحضرة أو ديمقراطية وهي تسيطر على شعب بأكمله. هذا أمر غير مقبول. يجب على أي شخص نزيه، وأي حكومة، أن تعلن رفضها لهذا الأمر. نحن نقدم قراراً في هذا الشأن كل عام. إذا كان بإمكانهم فعل ذلك بكوبا، وإذا كان بإمكانهم اختطاف رئيس فنزويلا، فبإمكانهم التعامل مع الآخرين أيضاً بقانون شريعة الغاب. لا يوجد سوى حل واحد لهذه المشكلة، وهو التضامن الكامل بين أولئك الذين لديهم الإرادة للمقاومة”. ووفقاً له، لا داعي للخوف من “الشجار” مع الأميركيين، لأنهم لا يعترفون إلا بالأقوياء وذوي الإرادة القوية.
من جهة أخرى، أكد مصدر في مجلس الأمن القومي الروسي في حديث إلى “اندبندنت عربية” “لدينا، ضمن مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، كل الفرص لنقول للأميركيين إن عليهم السعي إلى حل سلمي. ما معنى الخلاف مع الولايات المتحدة؟ لا يمكننا خيانة حلفائنا وأصدقائنا. إذا توصلنا إلى اتفاق مع جهة ما، فلا يمكننا أن نخذل أي جهة أخرى. ألا تشارك الولايات المتحدة في العقوبات المفروضة علينا، أو في الحرب في أوكرانيا؟ إنها تشارك في كل شيء. نحن مع السلام، ولكن يجب أن نتذكر أن أميركا لا تعترف إلا بمن هم أذكياء وأقوياء وحازمون”.
وصرح مراسل شبكة “سي أن أن” باتريك أوبمان لوكالة بلومبيرغ، بأن مديري المباني الحكومية في كوبا يزورون السكان ويجيبون عن استفساراتهم حول الإجراءات الواجب اتخاذها في حال وقوع غزو.
وتحدث البروفيسور أندريه مانويلو من جامعة موسكو الحكومية حول السيناريوهات التي ستحاول واشنطن تطبيقها في كوبا، ولماذا هناك حاجة ماسة إلى تدخل دولي الآن؟ وقال “لم تعد هذه ملصقات تدعو إلى اليقظة، بل أصبحت هناك أسلحة في أيدي أشخاص مصنفين كقوات احتياطة ثورية، إذ تعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري قبالة سواحل الجزيرة، وتفرض قيوداً جديدة، وتعلن كوبا تهديداً للأمن. في الوقت نفسه، تتظاهر واشنطن بأنها تدافع عن الديمقراطية”. ووفقاً للعقيدة الكوبية، هذه “حرب الشعب بأكمله”.
وذكر مانويلو “احتشد آلاف الكوبيين في ساحة مناهضة الإمبريالية في هافانا، احتجاجاً على الحكومة الأميركية، رافعين شعارات مثل ’اتهام راؤول كاسترو عمل جبان‘”. وتعتزم واشنطن محاكمة زعيم الثورة الكوبية بتهمة إسقاط طائرتين تابعتين لمنظمة “إخوان الإنقاذ” عام 1996. لكن أمراً واحداً واضحاً للحشود، “المساس براؤول كاسترو يعني المساس بكوبا بأكملها، ولن تخضع الجزيرة”.
انتقادات لموسكو
ياروسلاف إغناتوفسكي، عضو مجلس إدارة الرابطة الروسية للصناعيين ورجال الأعمال ورئيس مركز بوليتجن التحليلي، تحدث عن تشديد الحصار الأميركي على كوبا، وانتقد ضعف رد الكرملين على ذلك.
وقال “في نصف الكرة الغربي، فنائها الخلفي، تظهر الولايات المتحدة قدرتها على الدفاع بحزم عن مصالحها من خلال زيادة الضغط على الأنظمة غير المرغوب فيها. وباستخدام قوتها الاقتصادية، تقطع واشنطن خطوط الإمداد الحيوية إلى كوبا، مما يدفعها إلى حافة كارثة إنسانية. في الوقت نفسه، يحصل حلفاء الولايات المتحدة الرئيسون في المنطقة (على عكس كوبا) على فرص الوصول إلى الأسواق والاستثمارات والتكنولوجيا – وهذه هي بالضبط آلية عمل القوة الناعمة، التي تجبر الدول الأخرى على الاختيار بين البقاء والأيديولوجيا”.
وأضاف “في ظل هذه الخلفية، يبدو التضامن الكامل الذي أعلنته موسكو مع كوبا باهتاً واستعدادها لتقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والمادي ضعيفاً. ناقلة نفط واحدة أرسلتها موسكو إلى كوبا لا تذكر. كثيراً ما دعمت روسيا كوبا لفظياً لأعوام، ودانت الحصار الأميركي بانتظام في الأمم المتحدة، لكن موسكو تفتقر إلى أي نفوذ حقيقي على واشنطن أو آليات فعالة لاستبدال النفوذ الأميركي في منطقة البحر الكاريبي. وحتى لو حدث ذلك، فإن واشنطن تستخدم نهجاً متشدداً لتطهير المنافسين في المناطق التي تعدها تابعة لها، تماماً كما تفعل حالياً مع النفوذ الصيني في أميركا اللاتينية”.
انقلاب أم غزو عسكري؟
استبعد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، المتحدر من أصول كوبية، التوصل إلى تسوية سلمية مع هافانا. ووفقاً لوسائل الإعلام الأميركية، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى “السيناريو الفنزويلي” وتعتقل الرئيس السابق راؤول كاسترو، الذي سبق أن وجهت إليه اتهامات. وذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” أن البيت الأبيض يسعى إلى إزاحة الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل من السلطة في “تغيير رمزي للنظام”. وقبل فترة وجيزة، زار مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف كوبا، والتقى بزعماء محليين وقدم الضابط المسؤول عن عملية اختطاف نيكولاس مادورو، والتي أسفرت عن مقتل 32 جندياً كوبيا كانوا يتولون حراسة مادورو.
بحسب مصادر بوليتيكو، تتضمن الخطة الأميركية ضد كوبا نشر جواسيس وقوات استخباراتية أخرى، إضافة إلى تعزيز وجود وكالة الاستخبارات المركزية في الجزيرة. وتوضح أن جواسيس وكالة الاستخبارات المركزية ينقسمون عادة إلى فئتين “عملاء”، يجري تجنيدهم من السكان المحليين، و”ضباط”، يتولون عملية التجنيد.
تكر المقالة أن مثل هذه الإجراءات قد تشير إلى وجود خطة ما في واشنطن. ويعتقد الصحافيون أن هذه الخطة قد تكون إما عملية عسكرية أو محاولة لتأليب السكان المحليين ضد السلطات الكوبية.
وقال أحد المصادر لـ”بوليتيكو” إن الأميركيين قد ينتقلون إلى الجزيرة حتى قبل انتهاء الصراع مع إيران، لأن قضية كوبا تمثل أولوية قصوى لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يعد تغيير النظام في كوبا مهمة عمره كله.
وهنا يؤكد المحلل الروسي أندريه مانويلو أن “السلطات الكوبية تسلح المواطنين تحسباً لتصعيد محتمل في العلاقات مع الولايات المتحدة. وبدأت هافانا توزيع الأسلحة مع تكثيف إجراءات الدفاع المدني. وفعلت البلاد آليات الاستجابة للطوارئ، ووصل مستوى جاهزيتها لمواجهة أي نزاع إلى أعلى مستوياته. لكن لإيقاف الغزو الأميركي المحتمل، لا يكفي مجرد توزيع الأسلحة على السكان، على أمل أن تطلق هذه الأسلحة النار على جنود المارينز الأميركيين أثناء إنزالهم”.
وأضاف “نحتاج إلى البدء بتشكيل ألوية دولية الآن، على غرار النموذج المستخدم في إسبانيا خلال الحرب الأهلية. هذا لإظهار وجود قوى مستعدة للوقوف إلى جانب الكوبيين دفاعاً عن سيادة كوبا واستقلالها وعن جزيرة الحرية. وهذا ليس بالأمر الهين. علينا في الأقل أن نبدأ بهذا. لكن يبدو أن لا أحد في القيادة الكوبية أو في الدول المتعاطفة معها مستعد لتبني هذه الفكرة وتطويرها”.
عجز روسيا
تثار حالياً في موسكو وغيرها من العواصم أصوات تشير إلى أن روسيا تعاني أزمة سياسية دولية خطرة، وأن عليها بدلاً من ذلك التركيز على الحرب في أوكرانيا ومعالجة قضاياها المحلية الراهنة. ويقولون إن روسيا غير قادرة على أن تكون ضامنة للنزاعات الدولية الكبرى في الخارج، مثل كوبا وسوريا وإيران، أو غيرها من القضايا السياسية الدولية كالمسألة الكورية أو الوضع الراهن في أوروبا الشرقية.
في الواقع، تجد روسيا نفسها في وضع عسكري وسياسي دولي صعب. وتشير تقارير وسائل الإعلام الغربية، ربما ليس من دون سبب، إلى أن الدبلوماسيين الروس يتناقلون سراً بين شركائهم على المستوى الشعبي أن موسكو تفتقر إلى القدرة على الحفاظ على الوضع الاقتصادي في كوبا، بما في ذلك تنفيذ الاتفاق الرباعي في شأن إمدادات المحروقات إلى كوبا، والتي تعد حجر الزاوية في النمو الاقتصادي المحدود الذي تشهده الدولة الكاريبية.
لكن فهم النخب السياسية الروسية من مختلف الاتجاهات للوضع هو كالتالي، “إذا فقدت دولة ما حلفاءها على الساحة الدولية، وعجزت عن الدفاع عن مصالحها الوطنية وفقاً لمعايير ومكانة القوى العظمى، فإن مكانتها تتراجع سريعاً. ولا يمكن لروسيا التخلي عن التزامها العالمي بضمان مكانة وسيادة كوبا كدولة مستقلة، ولا التخلي عن جميع التزاماتها وإنجازاتها السابقة في كوبا، حتى لو طالبها بذلك شركاؤها في مفاوضات التسوية الأوكرانية، وعلى رأسهم ترمب الذي يشهر براثنه بوجه كوبا ومواطنيها”.
وتعد كوبا أكثر أهمية لروسيا من فنزويلا. فهي دولة أسهمت بصورة كبيرة في التطورات السياسية الدولية خلال القرنين الـ20 والـ21، وتشكل ركيزة أساس للقدرات الاستراتيجية الروسية وسيادة الدولة.
ولعل الوضع الاقتصادي المتردي في كوبا، والمشكلات المزمنة في شبكة الطاقة والكهرباء، والانخفاض الحاد في عائدات النقد الأجنبي من السياحة، ومشكلات إمدادات الطاقة العالقة، وغيرها من القضايا الاجتماعية والاقتصادية لن يحل بمجرد استجابة روسيا لتأدية دورها كضامن نهائي للجزيرة، لأن موسكو نفسها تعاني ركوداً اقتصادياً وكلفاً باهظة للحرب في أوكرانيا.
فحتى لو أعادت موسكو توجيه السياح إلى كوبا فإن هذا لا يكفي لسد العجز في موازنة البلاد، ولا يمكنهم جلب العملات الأجنبية لمعالجة قضايا التجارة الخارجية. علاوة على ذلك، يظهر مثال فنزويلا أن الوضع في المجال الاجتماعي والاقتصادي لم يتحسن على الإطلاق بعد وضع الولايات المتحدة يدها على نفط فنزويلا ومقدراتها عقب غزوها يوم الثالث من يناير الماضي.
ويعتمد استمرار الاتفاق الرباعي في شأن إمدادات الطاقة إلى كوبا على روسيا. فإذا لم تتمكن من توفير الكمية المطلوبة من المواد الهيدروكربونية بانتظام عبر ناقلات النفط، فبإمكان أي دولة أخرى من الدول المجاورة المنتجة للنفط في المنطقة القيام بذلك، كالمكسيك مثلاً. وحتى وقت قريب، كانت فنزويلا تزود كوبا بهذه الإمدادات بانتظام. ومن الضروري استعادة سريان الاتفاق الرباعي في شأن إمدادات المواد الهيدروكربونية إلى الجزيرة.
وإذا سقطت الحكومة الكوبية، سيتحول الوضع الاقتصادي هناك إلى كارثة إنسانية. سيبقى الاقتصاد معتمداً على إمدادات المحروقات، ولن يكون حل هذه المشكلة إلا من خلال جارتها الشمالية. سيطالب البيت الأبيض بضمانات الولاء، والتي تختزل إلى الصيغة سيئة السمعة لمبدأ مونرو، الذي يعد في الواقع خضوعاً لإملاءات الولايات المتحدة.
وهذا ما بدا واضحاً في إعلان ترمب عن الحاجة إلى “صفقة” مع كوبا، وأوكل مهمة إبرامها إلى الكوبي الأصل ماركو روبيو، رئيس الدبلوماسية الأميركية، الذي يتمثل هدفه في الحياة في إطاحة الحكومة الشيوعية.
بالنسبة إلى روسيا، لا توجد طريقة أخرى للحفاظ على صورتها على الساحة الدولية سوى الحفاظ على صديقها الكوبي وفرصها الاستراتيجية في القارة، لأن سقوط هافانا سيكون بداية نهاية النفوذ الروسي في القارة الأميركية.
