هل بات وقف الحرب في إيران، أو استمرارها، يتوقّف على فتح مضيق هرمز وضمان انسياب السفن عبره أم إقفاله سيبقى أحد فصول الحرب الاقتصاديّة؟
صار إقفال المضيق يرمز إلى خسائر الاقتصاد العالميّ بسبب قصف وسائل إمداد الطاقة ومواقع تخزينها وإنتاجها في دول الخليج. بقدر ما حوّلت إيران الكلفة العالميّة للحرب وسيلة ضغط على دونالد ترامب، وضعت الدول الخليجيّة والإسلاميّة أمام تحدّي حفظ أمنها الاستراتيجيّ، بوسائلها العسكريّة، لتشترك في رسم توازنات الإقليم.
بات واضحاً أنّ مجريات الحملة العسكريّة الأميركيّة الإسرائيليّة ضدّ إيران جعلتها ذات أهداف متحرّكة ومتغيّرة. من هدف استسلام النظام، إلى هدف تغييره من الداخل، إلى تقويض قدراته العسكريّة والنوويّة، وصولاً إلى الحدّ من انفلاشه الإقليميّ، بات الغموض يلفّ التوقيت الذي سينهي الحرب.
مفهوم النّظام للانتحار
على الرغم من الخسائر الهائلة التي تعرّضت لها إيران، بعد 3 أسابيع على اندلاع الحرب، يزداد كلّ يوم احتمال نجاح حكّامها في إطالتها. أخطأت حسابات تل أبيب وواشنطن في تقدير قدرتها على توسيعها وإدامتها بفضل امتلاكها كميّة من الصواريخ النوعيّة سبّبت أضراراً فادحة للدول المحيطة. حقّقت خسائر غير مسبوقة لإسرائيل، على الرغم من عدم جواز المقارنة بين ما تعرّضت له الجغرافيا والقيادة والقدرات الإيرانيّة من خسائر هائلة، وبين ما تتعرّض له الدولة العبريّة، جرّاء تلقّيها الصواريخ والمسيّرات من الأراضي الإيرانيّة، ومن الأراضي اللبنانيّة باسم “الحزب”.
بتوسيعها الحرب وإطالتها تتصرّف القيادات الإيرانيّة المتجدّدة على أنّ فرصها للبقاء قد تزداد، غير آبهة بالكلفة العالية عليها وعلى بلادها، فيما القبول بالشروط الأميركيّة سيؤدّي إلى تآكل هذا الاحتمال. ما يعتبره خصوم نظام الملالي والحكم العسكريّ انتحاراً بسبب خيار المواجهة العسكريّة مع دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، يراه قادة النظام فرصة للنجاة. يعتبرون التسليم بشروط المجتمع الدوليّ وأميركا في الملفّ النوويّ وبرنامج الصواريخ البالستيّة والدور الإقليمي هو الانتحار بعينه.
لا يأبه هذا المنحى في التفكير للقدرة الأميركيّة الإسرائيليّة المخيفة على مواصلة اغتيال رجالات رأس الهرم. تشمل هذه القناعة المتشدّدين المشحونين بالعقيدة الدينيّة أو القوميّة، وبعض الإصلاحيّين الموجودين في قلب السلطة، خلافاً للإصلاحيّين الآخرين، المعتدلين، خارج السلطة ممّن يتعرّضون للملاحقة.
الاستنفار الإسلاميّ الخليجيّ
لكنّ المنحى التصاعديّ لتوسيع الحرب، وتحميل إيران الاقتصاد العالميّ كلفتها، يقابله تحميل ترامب لحلفائه وزر إنهائها، عن طريق فرضه اشتراكهم في مواجهة أوراق طهران. حسب مصادر عربيّة لـ”أساس”، طرح في الكواليس الدور الذي يجب أن تلعبه دول الخليج العربيّ في حماية الملاحة بمضيق هرمز.
يرى مراقبون أنّه من دون انخراط خليجيّ عسكريّ في حماية الملاحة في مضيق هرمز، تثبت حضور هذه الدول، إضافة إلى الجانب الاقتصاديّ، سيتمّ إبعادها عن الحلول اللاحقة وعن التوازنات التي ستنتجها. هذا علاوة على أنّ “حرس الثورة” يعِد بمفاجآت مقابل تلك التي يعِد بها الأميركيّون والإسرائيليّون. تؤكّد قيادته أنّ إنتاج الصواريخ مستمرّ في ظلّ الحرب.
في هذا السياق يتوقّع مقرّبون من محور الممانعة لـ”أساس” أنّ من الأوراق التي يؤجّل “الحرس” استخدامها دخول الحوثيّين ميدان المعركة، خلافاً لتكهّنات بأنّه أعفاهم من المهمّة مخافة تدمير ما بقي من قوّتهم، ونظراً إلى انخراطهم في مفاوضات من أجل تسوية يمنيّة.
أدّى الاندفاع الإيرانيّ لتوزيع كلفة الحرب على دول الجوار إلى فرض خسائر عليها. وعلى الرغم من أنّ بعضها طرح علناً مخاوفه من الانعكاسات السلبيّة للحرب، وفي طليعة هذا البعض تركيا والمملكة السعوديّة ومصر، فإنّ استهداف اقتصاداتها النفطيّة والاستثماريّة غير النفطية له مفاعيل تتجاوز تدفيعها ثمن تحالفها مع أميركا. بات الأمر يتعلّق بوزن هذه الدول في المعادلة الإقليميّة الدوليّة وفي الاقتصاد العالميّ في مرحلة ما بعد الحرب.
نحو مشاركة خليجيّة بفتح هرمز؟
في 18 آذار انعقد اجتماع وزراء خارجيّة دول مجلس التعاون الخليجيّ الستّ مع ستّ دول أخرى هي: تركيا، أذربيجان، الأردن، لبنان (تعرّضت لأمنها إيران)، باكستان وسوريا، في الرياض في ظلّ القصف الإيرانيّ بالمسيّرات والصواريخ لعاصمة المملكة والمنطقة الشرقيّة. أكّد البيان “حقّ الدول في الدفاع عن نفسها وفقاً للمادّة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة”.
قرّر الاثنا عشر وزيراً “مواصلة التشاور والتنسيق المكثّف، لمتابعة التطوّرات وتقويم المستجدّات واتّخاذ ما تقتضيه الحاجة من تدابير وإجراءات مشروعة لحماية أمنها واستقرارها وسيادتها، ووقف الاعتداءات الإيرانيّة الآثمة على أراضيها”.
لم يكن ينقص القلق الخليجيّ الإسلاميّ من مواصلة طهران قصفها منشآت نفطيّة ومواقع مدنيّة، إلّا أن يتزامن انعقاد الاجتماع مع حدثين:
- إعلان الكويت كشف خليّة لـ”الحزب” على صلة بطهران، ثمّ إعلان دولة الإمارات كشف خليّة مشابهة. كانت الخليّتان تخطّطان لأعمال إرهابيّة في الدولتين.
- صدور تقرير عن “لجنة الأمم المتّحدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغربي آسيا” (إسكوا) حذّر من أنّ خسائر المنطقة العربيّة، في حال تواصل النزاع مدّة شهر آخر، قد تصل إلى حوالي 150 مليار دولار أو ما يعادل 3.7% من الناتج المحلّيّ الإجماليّ الإقليميّ. بلغت التقديرات الأوّليّة وفق الدراسة عن الخسائر الإقليميّة في أوّل أسبوعين من الحرب، حوالي 63 مليار دولار. أعدّت الدراسة قبل أسبوع من تصعيد استهداف معامل وخزّانات الطاقة. فكيف تكون الحال بعد شهرين أو ثلاثة؟
لم تترك طهران لدول الإقليم مجال أن تبقى محيّدة، وهو ما سيعزّز عزلتها. أصرّ مجتبى خامنئي في بيانه الأوّل في 12 آذار على “أنّنا مجبرون على الاستمرار باستهداف القواعد الأميركيّة في دول الجوار… ويجب الاستمرار في إغلاق مضيق هرمز كأداة للضغط”. علي لاريجاني خيّر الدول الإسلاميّة قبل يومين من اغتياله بين الوقوف مع أميركا وإسرائيل، وبين الوقوف “مع إيران المسلمة وقوى المقاومة”.
قال وزير الخارجيّة السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان آل سعود إثر الاجتماع الوزاريّ: “إذا اعتقدت إيران أنّ دول الخليج غير قادرة على الردّ فحساباتها خطأ وخطرة”.
اساس ميديا
