ملخص
يرى بيل براودر أن بوتين يواجه أخطر لحظات حكمه منذ ربع قرن، مع تراجع شعبيته وانتقال تداعيات الحرب إلى الداخل الروسي. ويعتقد أن الكرملين بات أكثر قلقاً وهشاشة، محذراً من دفع أوكرانيا إلى تسوية سلام تمنح موسكو فرصة لالتقاط أنفاسها.
بوصفي العدو الخارجي الأول لفلاديمير بوتين، أمضيت 26 عاماً أراقب الرجل من كثب، وخلال هذه السنوات خرجت بخلاصة واحدة تتقدم على كل ما عداها: كلما واجه بوتين أزمة داخلية، أشعل حرباً خارجية. كانت هذه الوصفة تنجح في كل مرة، لكنها لا تجدي نفعاً اليوم، وبوتين الخائف أخطر بكثير من بوتين الواثق.
يكفي النظر إلى استطلاعات الرأي، لندرك أن نسبة التأييد لبوتين تراجعت بمقدار 12.2 نقطة مئوية بين أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي وأواخر أبريل (نيسان) الماضي، لتصل إلى 65.6 في المئة، وهو أدنى مستوى تم تسجيله منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، وفقاً لـ”مركز عموم روسيا لدراسة الرأي العام” الحكومي (اختصاراً “فتسيوم” VTsIOM). وكان التراجع حاداً إلى درجة دفعت الجهة المفضلة لدى الكرملين لإجراء الاستطلاعات إلى الإعلان عن تعديل منهجيتها في الـ15 من مايو (أيار) الماضي. وبطبيعة الحال، ارتفعت الأرقام قليلاً بعد ذلك. لكن الرسالة كانت واضحة: الحيلة التي طالما اعتمد عليها بوتين لم تعد تحقق مفعولها المعتاد.
أما مركز “ليفادا” Levada، وهو الجهة المستقلة الوحيدة لقياس الرأي العام في روسيا، فيتابع شعبية بوتين منذ ظهوره على الساحة السياسية. صحيح أنني لا أعول كثيراً على صدقية إجابات المواطنين في دولة بوليسية، لكن مسار الأرقام يروي قصة يصعب تجاهلها. ففي عام 1999، عندما تولى بوتين رئاسة الوزراء، كان اسمه مجهولاً تقريباً، وكانت شعبيته تقترب من الصفر، ثم أطلق حرباً واسعة في الشيشان عقب سلسلة تفجيرات استهدفت مباني سكنية وحمل الشيشانيين مسؤوليتها، فقفزت شعبيته إلى أكثر من 50 في المئة، ومهد ذلك الطريق أمام انتخابه رئيساً لروسيا.
ومنذ ذلك الحين، واصل بوتين الاعتماد على الأسلوب نفسه. فعندما تراجعت شعبيته خلال الأزمة المالية عام 2008، اجتاح جورجيا فارتفعت معدلات تأييده. وعندما هبطت مجدداً عام 2014، ضم شبه جزيرة القرم وتدخل في شرق أوكرانيا. ثم، مع تراجع الزخم السياسي الذي أعقب جائحة كورونا، أطلق غزوه الشامل لأوكرانيا. بالنسبة إلي، لا مجال للشك في ذلك: يتعامل بوتين مع الحرب بوصفها أداة سياسية تبقي أنظار مواطنيه بعيدة من إخفاقاته الداخلية.
لكن نجاح هذه الحيلة كان يتطلب دائماً شرطاً أساسياً: أن تبقى الحرب بعيدة. كان لا بد ألا تمس المواطن الروسي العادي بصورة مباشرة. وقد اجتازت حروبه الثلاث الأولى هذا الاختبار بسهولة. أما الحرب الرابعة فكانت مقامرة أكبر بكثير، وكان بوتين يدرك ذلك، لذا بذل جهوداً استثنائية لإبقائها بعيدة من الحياة اليومية للروس.
حتى إنه رفض وصفها بالحرب، وأصر على تسميتها “عملية عسكرية خاصة”، إلى حد أن أي روسي يصفها بالحرب كان يواجه خطر السجن لمدة تصل إلى ثماني سنوات. وحرص على ألا يكون المقاتلون في الجبهة من الفئات التي تهمه سياسياً. فمنح السجناء العفو مقابل القتال، وأسند أعنف المعارك إلى مرتزقة مثل مجموعة “فاغنر”، ودفع مئات الآلاف من الرجال الفقراء من أكثر المناطق الروسية فقراً للذهاب إلى الجبهة والموت هناك. بل استقدم أيضاً جنوداً من كوريا الشمالية ومرتزقة من أفريقيا. وكان الهدف واحداً في كل الأحوال: ألا يشعر المواطن الروسي العادي بأي ثمن أو تضحية تفرضها الحرب.
لماذا يشغل هذا الأمر بوتين إلى هذا الحد؟ لأن المواطنين الروس، في رأيي، هم من أكثر الشعوب انكفاء على مصالحها الذاتية الخاصة. ولا أقول ذلك على سبيل الإهانة، بل لوصف ما صنعه النظام بهم عبر عقود طويلة. فخلال الحقبة الشيوعية، ثم خلال العقود التي تلتها، كان كل من يهتم بالشأن العام أو يفكر في المصلحة الجماعية أو ينظر إلى ما هو أبعد من حدود حياته الشخصية يدفع الثمن. في عهد الاتحاد السوفياتي كان مصيره معسكرات الاعتقال، أما في عهد بوتين فيواجه السجن والتهميش. وعندما ينشأ مجتمع كامل على مدى جيلين على الاهتمام بنفسه فحسب، يصبح حكمه سهلاً إلى أن تمس الأحداث مصالح أفراده المباشرة.
اليوم، وبعد أربعة أعوام من اندلاع الحرب، بدأت الجدران التي شيدها بوتين لعزل المجتمع الروسي عن تبعاتها تتهاوى الواحد تلو الآخر.
أما الكلفة فقد بلغت مستويات هائلة، إذ تقدر أجهزة الاستخبارات الغربية ومراكز الأبحاث عدد الخسائر الروسية من القتلى والجرحى، بما يراوح ما بين 1.2 و1.5 مليون شخص. وتتمكن أوكرانيا من إيقاع خسائر في صفوف القوات الروسية بوتيرة أسرع من قدرة موسكو على تعويضها. وفي الوقت نفسه، يواجه الكرملين صعوبة متزايدة في توفير الأموال اللازمة لدفع رواتب المرتزقة والجنود المتعاقدين الذين يعتمد عليهم.
لكن الأهم من كل ذلك أن أوكرانيا نجحت في نقل الحرب إلى الداخل الروسي. فالمسيرات الأوكرانية باتت تستهدف مصافي النفط الروسية ومحطات التصدير والقواعد العسكرية، بل وأهدافاً داخل موسكو نفسها. وطورت كييف طائرات مسيرة قادرة على الوصول إلى عمق يتجاوز 600 ميل (نحو 1000 كلم) داخل الأراضي الروسية، وهو أمر لم يكن ممكناً تصوره عام 2022. وهكذا تتفكك تدريجاً شبكة العزل التي أمضى بوتين أربع سنوات في بنائها، طبقة بعد أخرى.
كان الارتباك الذي يعيشه بوتين واضحاً خلال عرض “يوم النصر” هذا العام. فقد بلغ قلق الكرملين من احتمال استهداف الساحة الحمراء بمسيرات أوكرانية حداً استدعى التوصل إلى وقف لإطلاق النار مسبقاً. والرجل الذي يقدم نفسه وريثاً لانتصار الاتحاد السوفياتي على هتلر لم يكن قادراً حتى على ضمان أمن العرض العسكري الذي يقيمه بنفسه.
مظاهر القلق تحيط به من كل جانب، فبوتين يقضي جانباً كبيراً من وقته داخل الملاجئ خشية التعرض لعملية اغتيال بطائرة مسيرة أوكرانية. وفرض قيوداً على الإنترنت المحمول في موسكو وسانت بطرسبورغ، واتخذ إجراءات ضد تطبيق “تيليغرام”، المنصة التي يعتمد عليها الروس للتواصل فيما بينهم، خوفاً من أن يتحول إلى شرارة لانتفاضة داخلية. غير أن المشكلة التي يواجهها تكمن في أن كل خطوة من هذه الخطوات تجعل الحرب أقرب إلى الداخل الروسي. ففي مجتمع صاغه على نحو يدفع أفراده إلى التركيز على مصالحهم الخاصة، يصبح الجميع معنيين بالأمر فور شعورهم بأن تلك المصالح باتت مهددة.
لست بصدد التنبؤ بسقوط بوتين عبر انتفاضة شعبية، فذلك استنتاج سابق لأوانه، لكن من المبكر أيضاً تجاهل حقيقة أخرى: الرجل يشعر بخوف حقيقي، ولم يعد يدير الأحداث التي أمضى 25 عاماً في صياغتها.
ولهذا تحديداً أرى أن الوقت الحالي هو الأسوأ للضغط على أوكرانيا من أجل القبول باتفاق سلام. فما دام بوتين بات محاصراً في الزاوية، ينبغي أن يبقى الضغط موجهاً إلى روسيا لا إلى كييف. والمطلوب هو مساعدة أوكرانيا على زيادة عزلته وتعميق شعوره بالحصار والضغط، لا منحه فرصة للنجاة في اللحظة التي بدأت أقدم حيله السياسية تفقد فاعليتها أخيراً.
© The Independent
