يثير اقتراب قمر اصطناعي روسي من قمر راداري أميركي – فنلندي يدعم الجيش الأوكراني مخاوف من تحول الفضاء إلى ساحة مواجهة عسكرية جديدة. ومع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، يبرز احتمال استخدام أسلحة نووية في المدار كخيار قد يشل شبكات واسعة من الأقمار الاصطناعية، ويهدد القدرات الاستخباراتية والعسكرية، ويقلب معادلات الردع بين القوى الكبرى.
يبدو الأمر أشبه بأحد مشاهد الخيال العلمي. فقمر اصطناعي روسي مجهول يقترب من قمر راداري أميركي – فنلندي يدعم الجيش الأوكراني، ما يثير مخاوف من أن تكون موسكو على وشك شن هجوم في المدار، وإطلاق حقبة جديدة من الحرب الفضائية الحركية.
وهذا، على ما يبدو، ما يحدث بالفعل على ارتفاع آلاف الأميال فوق رؤوسنا خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي. فحتى ظهر الجمعة الماضي، كان القمر الاصطناعي الروسي “كوسموس 2612” على بعد نحو ثلاثة أميال من القمر “آيس إي-أكس 36” (ICEYE-X36)، وفقاً لشركة “ليو لابس” (LeoLabs). وقبل ذلك بيوم، كانت المسافة بينهما تتجاوز 200 ميل. ووصف مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن ويرصد حركة الأقمار الاصطناعية، التهديد بأنه حقيقي للغاية.
ولا ينبغي أن يفاجئ ذلك من تابعوا الحروب خلال الأعوام القليلة الماضية، فقد أصبحت القدرات الفضائية جزءاً أساساً من الصراعات الحديثة. فالفضاء يؤدي دوراً محورياً في العمليات العسكرية، بوصفه مصدراً للمعلومات الاستخباراتية، ووسيلة لتعزيز دقة الملاحة وتحديد المواقع، وركيزة للاتصالات التكتيكية.
واتخذت دول عدة خطوات للحد من حرية عمل خصومها في الفضاء. ففي عام 2007، اختبرت الصين أول سلاح لها مضاد للأقمار الاصطناعية، يطلق من الأرض لاعتراض الأقمار مباشرة. ومنذ ذلك الحين، أظهرت بكين قدرتها على المناورة في المدار المتزامن مع الأرض، ففي عام 2022، سحب القمر الاصطناعي الصيني “شيجيان-21” (Shijian-21) قمراً معطلاً إلى مدار مخصص للتخلص من الأقمار القديمة. أما روسيا، فاختبرت مراراً صاروخها الاعتراضي “نودول” (PL-19 Nudol) في مهام مضادة للأقمار الاصطناعية، وصولاً إلى اختبار تدميري عام 2021.
وليس جديداً الاعتقاد بأن حرباً بين القوى الكبرى قد تؤدي سريعاً إلى تدهور القدرات الفضائية. ففي أثناء الحرب الباردة، أجرى السوفيات تدريبات على الإطلاق الطارئ لأقمار اصطناعية بديلة إلى المدار الأرضي المنخفض، لكن الجديد هو انتقال العمليات المضادة للفضاء من نشاط مفيد على المستوى العملياتي إلى مهمة إستراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها، ترتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار الردع.
ويتجلى ذلك بوضوح في الحالة الروسية. فالمخططون العسكريون الروس يرون أن قدرات الردع لديهم تواجه تهديداً متزايداً يستهدف تحييد قواتهم النووية. ومن وجهة نظرهم، يمكن للأسلحة الأميركية التقليدية الدقيقة، إلى جانب تحسن الدفاعات الصاروخية واتساع شبكة المستشعرات الفضائية، أن تدمر جزءاً من الترسانة الروسية من دون تجاوز العتبة النووية (أي اللجوء لأسلحة الدمار الشامل)، ما يترك موسكو أمام خيارات محدودة وغير مواتية.
ولا تقتصر التحضيرات الروسية على زيادة عدد أسلحتها. فإضافة منصات إطلاق متحركة على الطرق لا تؤدي إلا إلى توفير مزيد من الأهداف التي تستطيع الأقمار الاصطناعية رصدها، إضافة إلى أن الخصم يستطيع زيادة قدراته على شن ضربات تقليدية بكلفة أقل مما تحتاج إليه روسيا لإضافة منصات إطلاق نووية. وبدلاً من ذلك، يجادل مسؤولون روس بصورة متزايدة بأن بقاء قواتهم يعتمد على حرمان الولايات المتحدة من العيون الفضائية التي تحتاج إليها لرصد القوات الروسية واستهدافها. وهكذا، أصبحت القدرات المضادة للفضاء جزءاً أساساً من التخطيط النووي الروسي، إلى جانب القدرة على إطلاق الصواريخ الموجودة في الصوامع الأرضية بسرعة، لا مجرد عنصر مساعد لها.
ولدى موسكو أدوات عدة يمكن الاختيار من بينها، ولكل منها أوجه قصورها. وهذا يترك أمامها خيار القوة الغاشمة: استخدام أسلحة نووية في الفضاء.
وقد وضع محللون روس نماذج لسيناريوهات تتضمن تفجيرات متزامنة على ارتفاعات شاهقة، يمكن أن تمتد آثارها الإشعاعية آلاف الكيلومترات. وتشير تقديرات غربية إلى أن الأضرار ستكون جسيمة. ووجدت دراسة أجرتها مجموعة “راند” البحثية أن تفجير رأس نووي بقوة 110 كيلوطن على ارتفاع 400 كيلومتر قد يعرض نحو خمس الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض للخطر على الفور، فيما قد تؤدي الإشعاعات التي يحتجزها المجال المغناطيسي للأرض إلى تعطيل عدد أكبر من الأقمار خلال الأشهر التالية. وفي فبراير (شباط) عام 2024، حذر مسؤولون أميركيون علناً من أن روسيا تطور قدرة نووية مضادة للأقمار الاصطناعية. وبعد شهرين، استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد قرار يعيد تأكيد حظر الأسلحة النووية في الفضاء.
ومن منظور موسكو، يبدو المنطق مقلقاً لكنه متماسك. فالتفجير النووي في الفضاء قد يعمي شبكة واسعة من الأقمار الاصطناعية بطريقة لا تستطيع أي أعداد من أسلحة الليزر أو الصواريخ الاعتراضية تحقيقها. وقد لا يؤدي التفجير إلى مقتل أشخاص مباشرة، لكنه قد يشكل درجة وسيطة على سلم التصعيد، رداً على هجوم تقليدي واسع يتخذ أبعاداً إستراتيجية، وأنه يعتمد على تكنولوجيا تمتلكها روسيا بالفعل، بدلاً من أن يتطلب قدرات صناعية لا تملكها.
لكن آثار التفجير لن تكون انتقائية، إذ ستلحق أضراراً بالأقمار الاصطناعية الروسية والصينية والغربية على السواء، وستعرض المركبات المأهولة للخطر. وسيشكل ذلك انتهاكاً لمعاهدة الفضاء الخارجي. ومع ذلك، قد ترى القيادة الروسية أن هذه الكلف تستحق التحمل إذا اعتقدت أن قواتها النووية تتعرض لتهديد متزايد خلال حملة عسكرية تقليدية.
ويمكن لموسكو أيضاً أن تحاول تخفيف الكلفة الدبلوماسية في نظر قطاعات واسعة من العالم، عبر تبرير خياراتها بالقدرات الأميركية التقليدية في الفضاء. ويقدم الموقف الروسي في مجلس الأمن عام 2024 مثالاً على هذا النهج: فقد سعت موسكو إلى تعديل مشروع قرار أميركي ياباني يعيد تأكيد حظر أسلحة الدمار الشامل في المدار، بحيث يشمل الحظر جميع الأسلحة في الفضاء. وعندما لم يقبل التعديل، استخدمت روسيا حق النقض ضد النص الأصلي.
وفي المقابل أقرت الولايات المتحدة بأنها نشرت أول أسلحتها في المدار، إضافة إلى أن أي درع صاروخية مستقبلية لحماية الأراضي الأميركية ستتضمن طبقة مهمة قائمة على القدرات الفضائية. ولا يتمثل السؤال في ما إذا كانت الصواريخ الاعتراضية الحركية قادرة على تدمير الترسانة الكبيرة لخصم ما بالكامل، بل في قدرتها على الحد من فاعلية أكثر عناصر تلك الترسانة جاهزية للإطلاق، مثل الصواريخ الموجودة في الصوامع الأرضية.
وقد يصبح ذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة ضرورة لا خياراً، إذ يتوقع البنتاغون أن تتمكن الصين من امتلاك نحو 1500 رأس نووي بحلول عام 2035، ما سيضع واشنطن، للمرة الأولى، في مواجهة قوتين نوويتين ندّتين يفوق مجموع ترسانتيهما ترسانتها. وطورت الصين أيضاً أسلحة تقليدية عالية الدقة، من بينها صاروخ “دي إف-27” (DF-27)، الذي يقدر مداه بما بين 5000 و8000 كيلومتر، مما يعني أن الولايات المتحدة تواجه بدورها تهديداً بضربات تقليدية سريعة.
وتعتمد واشنطن إستراتيجية الحد من الأضرار، أي امتلاك القدرة، في حال وقوع تبادل مرجح للضربات، على تدمير قدر كاف من قدرات الخصم لتقليص حجم الضرر الذي يمكن أن يلحقه بالولايات المتحدة. وللحفاظ على صدقية هذه الإستراتيجية، يرجح أن تحتاج واشنطن إلى سد الفجوة بين المتطلبات والقدرات عبر أنظمة تقليدية تعتمد على الفضاء أو تتمركز فيه. وسيكون ذلك عاملاً رئيساً في صدقية التزام الولايات المتحدة بالردع الموسع مستقبلاً.
وفي المحصلة، تدفع الديناميات الثلاثية في النظام النووي الناشئ كل طرف إلى توجيه أنظاره نحو الفضاء، وإلى تطوير قدراته الصناعية اللازمة لذلك أيضاً.
د. سيدهارث كوشال هو باحث بارز في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، وهو أقدم مركز أبحاث متخصص في الدفاع والأمن.
