المصدر اندبندنت عربية
ملخص
توني بلير عاد إلى قلب الجدل البريطاني بمقالة قاسية ضد حزب العمال وستارمر، كاشفاً أزمة أعمق داخل الحزب بين إرث “العمال الجديد” ونزعة يسارية تقليدية تخشى المغامرة السياسية. لكن عودته الفعلية تبدو مستحيلة، فالرجل الذي منح الحزب انتصاراته الكبرى لا يزال مرفوضاً داخله، وأجندته الجديدة تبدو أقرب إلى يمين محافظ منها إلى وسط عمّالي.
لا بد لي من القول إن الأيام الأخيرة شهدت قدراً مذهلاً، وإن كان خيالياً، من الأحاديث عن إعادة توني بلير إلى رئاسة الوزراء. فقد أثارت الضجة الكبيرة حول مقالته التي تجاوزت 5 آلاف كلمة، التي رسم فيها ملامح الفوضى التي تعيشها البلاد وحزب العمال، قدراً مدهشاً من الاهتمام بشخص مضى على خروجه من السلطة ما يقارب 20 عاماً
كانت المقالة مفاجئة حقاً وغير مسبوقة في حدة ازدرائه لخليفته ستارمر، ولم يسبقها في حدتها إلا حرب تيد هيث الباردة والمريرة مع مارغريت تاتشر، وهي خصومة سخرت منها الصحافة البريطانية بوصفها “حرداً سياسياً” طال أمده، لكن هيث، في الأقل، كانت لديه ضغينة حقيقية، إذ إن تاتشر أطاحته، كما كانت بينهما هوة واسعة في القضايا الجوهرية، ولا سيما أوروبا. أما بلير، فليس لديه عذر مماثل. ولعلنا نتذكر أن ستارمر كان ينظر إليه على نطاق واسع بوصفه أقرب ما وصل إليه حزب العمال إلى زعيم بليري منذ أن دفع بلير نفسه تدريجاً إلى الخروج على يد غوردون براون، كما بدا أن بلير لا يملك خلافات جدية كثيرة مع خليفته اللاحق.
وحتى الآن، لا يزال بلير يمنح ستارمر بعض الفضل، ولو بين قوسين، في إعادة بناء الحزب بعد حقبة كوربين، وإن كان ذلك فقط إلى الحد الذي جعله بديلاً “مقبولاً” و”افتراضياً” عن حزب المحافظين المحكوم عليه بالفشل وفاقد الصدقية. ويبدو أن ستارمر مهذب أكثر من أن يشير إلى أن هزيمة جون ميجور عام 1992 كانت، بالتأكيد، حتمية بالقدر نفسه. وعلى أي حال، يقال إن العلاقة بين الرجلين ليست جيدة جداً، على رغم أنهما، أو ربما لأنهما، محاميان تقدميان من شمال لندن.
لست متأكداً مما يمكن أن يسفر عنه استطلاع رأي عام “للتسلية فقط” يضع السير توني في مواجهة السير كير، لكنني أظن أن نتائجه لن تكون مصدر ارتياح للساكن الحالي المأزوم في 10 داونينغ ستريت، حتى إن كان هذا الساكن لا يزال في منصبه، خلافاً لكل التوقعات، صامداً على رغم السخرية التي وجهها إليه بوريس جونسون حين وصفه بـ”عمود بلاستيكي عديم الفائدة”. ويأتي ذلك بعد أسابيع من تعرض ستارمر لهجوم علني من نواب حزبه، ومن تعامل الأوساط الإعلامية معه كما لو أنه انتهى سياسياً.
يشير بعض زملائي، ممن يسيئون قراءة التاريخ، بابتهاج إلى أن بلير، على رغم أنه يبلغ 73 سنة، لا يزال يتمتع بالحيوية، وأن ونستون تشرشل كان في العمر نفسه تقريباً عندما قاد بريطانيا خلال أحلك ساعاتها عام 1940.
وفي استطلاع جديد أجرته مؤسسة “يوغوف” بعد مقالة بلير “اللعب بالنار”، طرح السؤال الآتي: “من تعتقد أنه سيكون رئيس وزراء أفضل اليوم: كير ستارمر أم توني بلير؟”. ومنح الاستطلاع بلير تقدماً بنقطتين على رئيس الوزراء الحالي. فلكل زمان دولة ورجال.
أو ربما لا. فالنقطة الأساسية هنا ليست طرح عودة بلير كاقتراح عملي، بل استخدامها لكشف حال حزب العمال: فبلير، أو بالأحرى أي شخص يشبهه، لا يمكن أن ينتخب اليوم زعيماً للحزب.
وكما تقول النكتة القديمة، فعل بلير كثيراً من أجل حزب العمال إلى درجة أن الحزب لا يعرف كيف يغفر له. فقد فاز بثلاثة انتخابات عامة، وغير البلاد نحو الأفضل اجتماعياً واقتصادياً، وسحق المحافظين، وحقق عقداً من النمو المستقر المتواصل، مع تضخم منخفض ووفرة في الوظائف. وكانت مرحلة “بريطانيا العصرية” أو “Cool Britannia”، بما حملته من صورة لبريطانيا شابة ومتفائلة في عهد بلير، أفضل مما يوحي به اسمها، وقد ترك بريطانيا أكثر ثراءً وحرية مما وجدها. كانت حرب العراق كارثة، لكنها ليست سوى سبب واحد من الأسباب التي تجعل ناشطي حزب العمال يكرهون الرجل.
ويبدو لي، كما يبدو لبلير نفسه، أن كثيرين داخل حزب العمال لا يحبون طريقته غير العقائدية والبراغماتية في ممارسة السياسة. فهم يفضلون الحفاظ على النقاء الأيديولوجي والخسارة، على تقديم التنازلات والفوز. وكما قال بلير نفسه في مطالعته الطويلة فإن الحكومة “تحكم من موقع يساري معتدل وتقليدي داخل حزب العمال، ولا تخرج عن الإطار الذي يرتاح إليه الحزب”. وكان كثيراً ما يردد، متنهداً بتشاؤم خلال ثمانينيات القرن الماضي المجدبة، أن “حزب العمال يحب الخاسرين”.
بعبارة أخرى، كان “حزب العمال الجديد” في جوهره حالاً استثنائية، قبل بها أعضاء الحزب بعدما تلقوا أربع ضربات انتخابية قاسية متتالية على يد المحافظين في أعوام 1979 و1983 و1987 و1992. لقد أهدرت مسيرات سياسية كاملة في صفوف المعارضة، في انتظار أن تميل الكفة السياسية من جديد لمصلحة الحزب. حزب العمال، بطبيعته، حزب عنيد وبطيء التعلم، ولا يقابل الناخبين في منتصف الطريق إلا عندما لا يبقى أمامه خيار آخر. وقد تكرر ذلك بعد الهزيمة في 2010، ثم 2015 في ظل إد ميليباند، النموذج الأوضح لليسار المعتدل، ثم 2017، وإن كانت الهزيمة أضيق في ظل قيادة اشتراكي حقيقي، ثم 2019 حين مني الحزب بهزيمة ساحقة. عندها فقط اتجه حزب العمال إلى الوسط، واضطر ستارمر إلى تقديم وعود انتهازية كي يفوز على ريبيكا لونغ-بيلي بصورة حاسمة في 2020.
لم تكن الهيمنة البليرية داخل حزب العمال، على رغم ما بدا في الظاهر، كاملة ولا دائمة. ويمكن قياس الحجم الهزيل للتيار البليري بدقة بنحو أربعة في المئة، وهي نسبة الأصوات التي حصلت عليها ليز كيندال في انتخابات قيادة الحزب عام 2015، وهي أيضاً النتيجة التي سجلها ويس ستريتينغ في آخر استطلاع لأعضاء حزب العمال. أما حلم بلير بأن يكون حزب العمال الجديد مركز ثقل، أو “الوسط الراديكالي”، في إعادة اصطفاف النظام الحزبي البريطاني، فلم يعش طويلاً بعد رحيله. وكما تذكرنا السخرية الرافضة التي قابل بها رفاقه السابقون مقالته، فإن بلير وأفكاره لا يزالان موضع استياء كما كانا دائماً.
يقسو حزبه القديم عليه بقدر ما يقسو هو عليه، ولن تحدث مصالحة بين الطرفين، لأسباب أعمق وأكثر غريزية من العراق بكثير. لم يعترف ستارمر شخصياً بمساهمة بلير في النقاش، واكتفى المتحدث باسمه بتعليق عابر مفاده أن رئيس الوزراء الحالي “يمضي في عمله لخدمة الشعب البريطاني”.
أما آندي بيرنام، الذي كان يوماً من أنصار بلير المخلصين، فقد بات يصف حكومته بأنها انحراف مؤسف في اتجاه تاتشري، داخل حقبة نيوليبرالية امتدت 40 عاماً. وأما ويس ستريتينغ، الصديق السابق لبيتر ماندلسون، الذي كثيراً ما اعتبر وريثاً محتملاً للثورة البليرية، فيبدو الآن أقرب إلى روي هاترسلي، إذ ينتقد بلير لأنه لم يذكر كلمة “عدم المساواة” ولو مرة واحدة في مقالته المطولة التي يشبهها الكاتب ساخراً برسالة بابوية. ويفعل ستريتينغ ذلك لأنه يعرف أن أصوات الجناح اليميني داخل حزب العمال لا تكفي وحدها لضمان ترشحه، وأنه يحتاج بشدة إلى استمالة بعض المعتدلين في الحزب كي يصل إلى قائمة المرشحين.
وثمة سؤال آخر يفرض نفسه: ماذا يمكن أن يفعل رئيس الوزراء توني بلير بنسخته الثانية في عالم من السياسة المتخيلة؟
سأكون قلقاً. فهو سيلغي عدداً من وعود البيان الانتخابي، في كل شيء من حقوق العمال والحد الأدنى للأجور إلى إعادة ضبط العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وتحقيق صافي الانبعاثات الصفري. وسيتعاون مع دونالد ترمب، تماماً كما تعاون سابقاً مع بيل كلينتون وجورج دبليو بوش، وسيسمح لسلاح الجو الأميركي باستخدام القواعد البريطانية لقصف إيران.
وسيمنح قطاع الأعمال حرية أكبر بكثير في مجال الذكاء الاصطناعي، وستلغى زيادات الضرائب، على أن يمول ذلك، على الأرجح، من خلال خفض مخصصات الضمان الاجتماعي. والأكثر إثارة للقلق أنه أطلق تصريحاً مخيفاً قال فيه إنه سيفعل “كل ما يلزم” لوقف عبور القوارب الصغيرة القنال الإنجليزي، وسيتعامل معها “بأي وسيلة”.
هذا يبدو قريباً من خطاب فاراج، وآمل ألا يكون بلير يقصد أن يأمر البحرية الملكية بإغراق القوارب.
إنها أجندة راديكالية بلا شك، لكنها ليست “وسطية” حقاً. في الواقع، تبدو أقرب إلى محاولة للترشح لزعامة حزب المحافظين منها إلى محاولة للعودة إلى قيادة حزب العمال.
ثبت أن بلير كان محقاً حين قال إن حزب العمال سيحكم عليه بالفشل إذا ابتعد “ميليمتراً واحداً عن حزب العمال الجديد”، لكنني لست مقتنعاً بأن برنامجه الأخير عملي أو مرغوب فيه كما يظن. فقد بلغت أوضاع البلاد اليوم حداً يبدو معه أن حتى توني نفسه لا يملك خطة واضحة.
© The Independent
