تواكب إسرائيل كلّ مهلة فاصلة عن موعد المفاوضات المباشرة اللبنانيّة – الإسرائيليّة بضغط عسكريّ كبير وَصَل في الأيّام الماضية إلى حدّ إفراغ مدينة صور بالكامل من سكّانها، بما في ذلك الحارة المسيحيّة، ومحاولة التقدّم برّيّاً، ومحاصرة الجنوب بالنيران وإنذارات الإخلاء، فيما كانت تتقدّم محاولات فكفكة بعض بنود البيان اللبنانيّ – الإسرائيليّ – الأميركيّ الذي صدر عقب الجلسة التفاوضيّة الأخيرة، “الهجين”، كما وصفه الرئيس نبيه برّي، عبر مسعى من برّي نفسه لإتاحة حصول خرق يؤدّي إلى وقف شامل لإطلاق النار.
ظلّلت هذه الفترة الفاصلة عن التفاوض السياسيّ المباشر عدّة معطيات مؤثّرة في مسار “التفتيش” عن وقف الحرب:
– بقاء معادلة “تحييد الضاحية مقابل تحييد مستوطنات الشمال”، قيد الاختبار اليوميّ، بعدما كادت العاصفة الإسرائيليّة – الإيرانيّة أن تُسقِطها بالكامل. وقد زنّرتها إسرائيل لاحقاً بتأكيد القرار الأمنيّ لاستهداف الضاحية الجنوبيّة (ولبنان) فوراً، ومن دون أخذ الموافقة السياسيّة (من واشنطن)، في حال استهداف “الحزب” للداخل الإسرائيليّ.
– وفق المعلومات، لم تفضِ حتّى الآن الاتّصالات بين الرئيس برّي و”الحزب”، بما في ذلك اللقاء الذي حصل ليل الإثنين بين الطرفين، التي أعقبت زيارة السفير الأميركيّ ميشال عيسى في اليوم نفسه للرئيس برّي، إلى نتيجة حاسمة، بمعنى تقديم مقاربة شيعيّة موحّدة لإعلان واشنطن الأخير، وردّ الرئيس عون عليها. هذا مع العلم أنّ خطوط عين التينة مفتوحة بكلّ الاتّجاهات، ولاقت استحساناً أميركيّاً وسعوديّاً ومصريّاً وقطريّاً. هنا تحديداً، تؤكّد المعلومات أنّ عدّة دول معنيّة بالتفاوض أقرّ ممثّلوها في لبنان “بحاجة اتّفاق واشنطن إلى مزيد من التوضيحات وإزالة الالتباسات فيه”.
المؤكّد، وفق المعطيات، أنّ رفض برّي و”الحزب” للسياق الذي ذكره الاتّفاق حول “المناطق التجريبيّة”، كما رفض الطرح القائم على توسيع المنطقة التجريبيّة إلى كامل جنوب الليطاني، لأنّ العطب الأساس فيها هو نفسه: إبقاء السيطرة الإسرائيليّة كاملة على كلّ مراحل تنفيذ الاتّفاق، وهو ما وصفه برّي بـ”الابتزاز الإسرائيليّ غير المقبول”.
طروحات إيجابيّة
– عكس السفير المصريّ علاء موسى أمس من عين التينة معطيَين أساسيَّين: تأكيد تلازم المسارين، بمعنى الرهان على أنّ أي نتائج إيجابيّة لمفاوضات إسلام آباد ستنعكس على لبنان، والإشارة إلى أنّ الرئيس برّي لا يبتعد عن مواقف الرئيسين عون وسلام، وأنّ هناك طروحات إيجابيّة يعمل عليها، ورغبة في حلحلة الأمور.
– قوبلت مواقف الرئيس عون الأخيرة الرافضة بشكل صارم للتدخّل الإيرانيّ في ملفّ لبنان، بمواقف مضادّة من “الحزب” دعا فيها إلى الاستفادة من “تشكّل المظلّة الاقليميّة المنبثقة من مفاوضات إسلام آباد”، و”تصحيح العلاقات مع طهران”. وهو الأمر الذي رأت فيه مصادر قريبة من قصر بعبدا “إمعاناً في الإنكار وفي جرّ الداخل اللبنانيّ إلى مزيد من الارتباط بحسابات إيران على حساب مصلحة لبنان القائمة حصراً في التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركيّة، وفي المسعى المشكور للرئيس برّي”.
– خرقت هذه المشهديّة زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل اللافتة لإسلام آباد الراعية للمفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة. لا يتوقّف الأمر عند “شكل” الزيارة لجهة المراسم الاستثنائيّة التي أُعدّت لقائد الجيش عند وصوله إلى مدينة روالبندي من خلال استعراض حرس الشرف، بل يتجاوزه إلى تأكيد جهات سياسيّة عدّة أنّ “توقيتها لا يمكن أن يُفصَل عن الدور الباكستانيّ الراهن على خطّ واشنطن – طهران، مع العلم أنّ الضوء الأخضر الداخليّ لهذه الزيارة صدر عن رئيس الجمهوريّة، كما في ظل معلومات جديّة لكن غير مؤكدة تحدّثت عن دخول سعوديّ على الخطّ في الإعداد لهذه الزيارة”.
يقول مصدر عسكريّ لـ”أساس” إنّ “باكستان من ضمن الدول التي يشملها برنامج إرسال ضبّاط لبنانيّين لإتمام دورات عسكريّة، ضمن سياق تبادل خبرات وتعزيز التعاون العسكريّ، والزيارة كانت مجدولة مسبقاً”، مع العلم أنّ الجيش الباكستانيّ أصدر بياناً أشار فيه إلى “بحث قضايا ذات اهتمام مشترك، والبيئة الأمنيّة الإقليميّة المتطوّرة، والتعاون الدفاعيّ، وآفاق تعزيز العلاقات العسكريّة الثنائيّة”.
فيما لم يتمّ التأكّد من حصول زيارات سابقة لقائد جيش لبنانيّ لباكستان، كان لافتاً تأكيد زوّار بعبدا نقلاً عن الرئيس عون أنّه “حين كان قائداً للجيش وُجّهت إليه دعوة لزيارة باكستان، لكنّه لم يتمكّن من تلبيتها لتجنّب حصول فراغ آنذاك في القيادة العسكريّة بسبب عدم وجود رئيس أركان معيّن آنذاك يحلّ مكانه”.
-كانت لافتةً استعادة رئيس الجمهوريّة لمقاربة للسلاح كان اعتمدها في بداية عهده ووضع فيها السلاح بدايةً ضمن سياق “إلزاميّة الحوار مع الحزب”، حين تحدّث قبل أيّام عن ضرورة اعتماد “مقاربة سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة واجتماعيّة لمعالجة ملفّ سلاح “الحزب”، بما يحفظ الاستقرار ويعزّز سلطة الدولة”.
أوراق التّفاوض
في السياق نفسه، يُعدّ الوفد اللبنانيّ أوراقه من أجل جولة التفاوض الخامسة في واشنطن في 22 الجاري، التي تضاف إلى جولة عسكريّة يتيمة في 29 أيّار بين وفدَي البلدين اللبنانيّ والإسرائيليّ لم تسفر حتّى الآن عن تحديد موعد آخر.
تؤكّد المعلومات أنّ حادثة الاستهداف الإسرائيليّ المباشر لآليّة عسكريّة يوم السبت الماضي التي أدّت إلى استشهاد ضابطين وعسكريّ على طريق كفرتبنيت-الخردلي، ستكون بنداً أوّل على جدول الأعمال يوازي طلب وقف إطلاق النار أهميّة، خصوصاً أنّ هذه الممارسات الإسرائيليّة تنذر، وفق معنيّين، بمقاربة سلبيّة جدّاً لمشروع “المناطق التجريبيّة” المعنيّ بها الجيش اللبنانيّ بشكل مباشر.
تفيد المعلومات أنّ لبنان لم يحصل من الجانب الإسرائيليّ على أجوبة في شأن الاستهداف الذي قال الجيش الإسرائيليّ إنّه “قيد التحقيق”، فيما نَسفت القيادة العسكريّة التبرير الإسرائيليّ للجريمة.
أكثر من ذلك، تقول مصادر عسكريّة لـ”أساس” إنّ “المسار الذي سلكته الآليّة العسكريّة هو مسار روتينيّ يوميّ يسلكه عناصر الجيش، الذي لا يزال يتحصّن في نقطتين عسكريّتين أساسيّتين جنوب الليطاني في مرجعيون وكفردونين، اللتين تضافان طبعاً إلى مدينة صور، مقرّ قيادة قطاع جنوب الليطاني، فيما هناك مسلك آخر من جهة مرجعيون – كوكبا – مرج الزهور – البقاع الغربيّ”.
تقول المصادر إن “هامش الخطأ هو صفر في هذه الحالة لأنّ الآليّة عسكريّة، والطريق ليست منطقة قتال أو مقفلة، وفق وصف الجيش الإسرائيليّ، وهناك رفض تامّ للطلب الإسرائيليّ لحصول تنسيق مسبق. فهذا الأمر لم يحصل، ولن يحصل، والدوريّة العسكريّة لا تحتاج إلى إذن إسرائيليّ للمرور”.
