
بلال خبيز
لا تعتمد إدارة الحرب المعاصرة دائماً على حسم الجغرافيا بالدبابات أو إسقاط العواصم بالضربات الخاطفة. ثمة هندسة أشد عمقاً وتأثيراً تستهدف إدارة الزمن النفسي والحيوي للخصوم. لكن هذه الهندسة، التي راهنت عليها إيران عقوداً، لم تعد ورقة رابحة أمام الواقع الجديد: فالموازين الإقليمية التي كانت تقوم على مهندس واحد للقلق، مثلته إيران طوال هذه العقود، أصبحت اليوم أشبه بمسرح مفتوح لهراوات طليقة، بعدما بدأ المهندس نفسه ينهار تحت وطأة حربه الطويلة.
هذه المقالة محاولة لفهم التحول من “استراتيجية القلق المستدام” إلى “حروب الفراغ المكشوف”، في منطقة قررت القوى العظمى فيها أن تصنع تاريخها بالمشرط والدم والجنازير، حتى لو قررت التنازل عنه في ما بعد لارتفاع كلفته إذا ما قورنت بأرباحه.
استراتيجية “القلق المستدام” وتصدير البؤس
إن الأطروحة الاستراتيجية التي قادت السلوك الإيراني في المنطقة انطلقت من تحويل الحرب من “حدث درامي حاسم” له بداية ونهاية، إلى “حالة مناخية دائمة” ومستمرة. هذا الخيار يستند إلى فارق فسيولوجي وبنيوي في القدرة على التعامل مع الألم. فإيران تنطلق من موقع كائن اعتاد لعقود على التعايش مع الحصار، والعقوبات، والتضخم، والتهديد المعلق. لقد طوّرت أجساد مواطنيها ومؤسساتها ما يشبه المناعة ضد القلق الممتد. وفي المقابل، فإن مجتمعات الرفاه والنمو الاقتصادي الحداثي أُسِّست بالكامل على ثقة المستثمر، وانسيابية رأس المال، ورهافة العيش، وعلى دقة الفصل بين النهار والليل.
وحين يُفرض على هذه المجتمعات العيش في زمن هجين قسراً -زمن التأهب الدائم، والترقب المعلق، واشتعال الجبهات الموقوفة- فإن الهدف لا يكون تحقيق انتصار عسكري خاطف، بل تدمير نمط الحياة لدى الآخر. إن هذا التصدير الممنهج لبيئة الحصار والتوتر يهدف إلى كسر عقل النهار لدى المجتمعات المستهدفة. فلا استثمار يكتمل لأن الحاضر أضحى مجرد نسخة تجريبية مؤجلة، ولا استرخاء يتحقق في الليل، لتتحول هذه المجتمعات تدريجياً إلى بيئات طاردة للكفاءات ورأس المال. ذلك أن الإنسان الحداثي قد يحتمل قسوة أسبوعين من الحرب الشاملة، لكنه يعجز عن احتمال عشر سنوات من القلق المعلق.
تسليف العجز وشرعنة القسوة الداخلية
على الصعيد الداخلي، لا تتوقف نجاعة هذه الحرب المستدامة عند حدود استنزاف الخصم الخارجي، بل تتحول إلى حيلة أمنية وبيروقراطية فائقة الفعالية لإعادة صياغة الداخل. إنها تقنية لتسليف العجز: إذ تمنح الحرب المفتوحة النظام السياسي الإيراني شماعة تبريرية جاهزة ومجانية. فلا يعود الشح في الخدمات، ولا الانهيار المالي، ولا سوء الإدارة نتيجة سياسات خرقاء، بل يصبح ضريبة مقدسة لملحمة الصمود. هذه الآلية ليست حكراً على إيران، بل هي نموذج إقليمي للدول التي تعيش حالة حصار دائم، حيث يُسحب ملف الأزمة الاقتصادية والاجتماعية كلياً من صندوق المحاسبة السياسية والانتخابية، ليدخل مساحة الواجب القدري.
الشارع نفسه، المنهك تحت وطأة هذا المناخ، ينقل مجرى تفكيره من السخط السياسي النشط، الذي يطالب بالتنمية والجودة إلى القبول القدري، الذي يرجو الحد الأدنى من بقاء الجسد حياً. وهكذا تتم شرعنة القسوة: فالصوت المعارض في زمن الطوارئ المستمرة لا يُعامل كرأي آخر في مجال عام تداولي، بل يُدمج فوراً في خانة الطابور الخامس أو الخرق الأمني في جدار الثكنة. وبهذا، تحوّل السلطة قمعها من فعل بطش عار يثير الحرج السياسي، إلى إجراء وقائي بديهي لتحصين الجبهة الداخلية. وبهذا تكتمل عسكرة الحياة اليومية، ويؤجَّل السؤال عن الحرية والمحاسبة إلى أبد غير مسمى، بحجة أن “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.
المهندس الأميركي وأوروبا الجديدة
غير أن المسلك الإيراني يتناسى احتمالاً شديد الحضور. إذ أن المهندس الأميركي في الإدارة الحالية، كان يخطط على الأرجح لبناء أوروبا جديدة في الشرق الأوسط، بعدما أصبحت علاقته بأوروبا بالغة التعقيد، وحافلة بالأخذ والرد. والأرجح أن تعقيد الوصول إلى نتائج حاسمة في هذه الحرب، كما تطمح إيران وتحاول، ستدفع الأميركي مجدداً إلى التفكير مرة أخرى في الانسحاب وترك الغابة لسكانها. وهذا ما شهدناه في لبنان ما بعد 2006، وما شهدناه في سوريا حين قررت إدارة أوباما إدارة الظهر لما يجري، لتقع سوريا فريسة للقوى الإقليمية والدولية الأخرى، من دون أن يكون ثمة رادع من أي نوع.
إن ما يُقرأ في المنطقة على أنه احتمال استقالة أميركية، أو فراغ دولي، ليس في جوهره انسحاباً كاملاً. بل هو إعادة تموضع ناتجة عن إدراك استراتيجي معقد. فإدارة ترامب استوعبت أن أوروبا لم تعد حليفاً مطواعاً، بل شريكاً يحتاج إلى إعادة تأسيس للعلاقة، وهذا يعني بالنسبة لهذه الإدارة مشروعاً هائلاً هو أشبه ببناء “أوروبا جديدة” من الصفر. هذه المهمة شاقة، وقد تكون أعقد من شن الحروب على من يعارض الهيمنة الأميركية. لأن التعقيدات السياسية والاقتصادية داخل أوروبا باتت تتطلب تفاهماً من نوع مختلف. لكن هذه الصعوبة لا تمنع من إعادة الاعتبار لهذا المشروع بوصفه أضمن أمناً وأكثر جدوى من المشروع المغامر المتمثل بمحاولة ترتيب الشرق الأوسط على النحو الذي تطمح له هذه الإدارة. والحق إن أصوات الداعين إلى إصلاح العلاقة مع أوروبا في المتن السياسي والإستراتيجي الأميركي، لم تخفت يوماً، حتى في ذروة وعود ترامب بنجاح خططه. والحال فإن إطالة زمن الحرب قد يدفع واشنطن إلى تقديم أولوية الإصلاح الأطلسي على أي مشروع إقليمي في الهوامش.
أنقرة وتل أبيب
هذا الأمر قد يرجح احتمال عودة واشنطن إلى سياسة الإهمال التي تجيدها حيال المنطقة. لكن هذه العودة، أو الانسحاب الأميركي، والذي يدعوه البعض هزيمة أميركية وانتصاراً إيرانياً يخفي وقائع حالكة. فحين نراقب كل ما حل بإيران، التي راهنت على إدارة القلق، ندرك أنها ستخرج من اشتباكاتها الأخيرة منهكة إلى درجة تجعلها أقرب إلى نموذج أفغانستان ما بعد الغزو الأميركي، منها إلى القوة الإقليمية الصلبة. فالحرب التي شُنت عليها طوال الأشهر الماضية، والمستمرة حتى اليوم، لن تتركها كما كانت. بل ستُخرجها أضعف بكثير مما يتخيله المراقبون، وقد تحولها إلى مجرد ظلّ لدولة، أو إلى مساحة من الفوضى المغلقة على نفسها. هذا الانهيار الصامت يحوّل المعادلة كلياً. فلن يبقى الصراع مثلثاً (إيران-تركيا-إسرائيل)، بل سيصبح ثنائياً مكشوفاً، بين مشروعين إقليميين يمتلكان أدوات النفوذ الفعلية وأسباب القوة التي تمكنهما من المناورة: أنقرة وتل أبيب.
هكذا يحل الفراغ المكشوف بكل تجلياته: غياب ناتج عن عجز مهندس القلق الإيراني وعجزه، وراع دولي يتخلى عن مشروعه الطموح لارتفاع كلفته. ولا يبقى في الأفق سوى هراوات تتصارع على جثة ما يحتضر في الإقليم.