طوال أعوام أبدى المسؤولون الأميركيون قلقهم تجاه المشاريع الصينية الكبرى في أميركا اللاتينية. إذ قامت مثلاً إدارات أميركية متعاقبة بدق ناقوس الخطر في تناول ميناء تشانكاي في البيرو، الذي تسيطر عليه وتديره شركة شحن صينية عملاقة، وأيضاً إزاء سد “كوكا كودو سنكلير”، في الإكوادور. ورداً على تلك المشاريع أصدرت واشنطن إدانات دبلوماسية بحق مسؤولين في أميركا اللاتينية، وألغت تأشيراتهم الأميركية، حتى إنها هددت باستخدام القوة ضد حكومات هذه المنطقة.
من اليسير معرفة سبب القلق الأميركي الكبير تجاه مشاريع البنى التحتية الأساس التي تتولاها وتشغلها الصين في أميركا اللاتينية. فتلك المشاريع، بنظر عدد من المسؤولين الأميركيين، تشكل طريقة معتمدة من قبل بكين في سبيل بسط نفوذها أكثر فأكثر على حكومات أميركا اللاتينية – وتلك مخاوف أعربت عنها واشنطن منذ عام 2017، حين حذرت استراتيجية الأمن القومي الصادرة خلال ولاية ترمب الرئاسية الأولى، من سعي الصين إلى “استقطاب المنطقة إلى مدارها عبر الاستثمارات والقروض التي تقودها وتوفرها الدولة الصينية”.
إلا أن واشنطن تشعر بالتوتر على نحو خاص اليوم إزاء التحدي الجديد الذي باتت تواجهه في هذا الإطار. إذ إن بكين لم تعد تراهن على مشاريع ضخمة قيمتها مليارات الدولارات بغية تحسين مكانتها في نصف الكرة الغربي هذا. بل هي تعمل على دمج نفسها في تلك المنطقة من خلال تعزيز أنشطة أصغر حجماً وأكثر هدوءاً، تقوم بها غالباً على مستوى البلديات أو المقاطعات المحلية. وتعمل الشركات الصينية في هذا السياق على تطوير مشاريع الليثيوم في عدد من المقاطعات الأرجنتينية. وتسهم الجهات الصينية في إدارة كل معمل موزع للطاقة في العاصمة البيروفية، ليما. كما تقوم الشركات الصينية بتوفير المعدات واللوازم لقوى الشرطة في كثير من المدن والبلديات بجميع أنحاء المنطقة، فضلاً عن تأمينها تركيب أنظمة كاميرات المراقبة.
تلك الأنشطة إن أخذت بالمفرق قد تبدو سطحية. إلا أن مجموعها يسهم في جعل الدول المتلقية معتمدة على الصين في أمور كثيرة. إذ إن إمدادات بكين الأمنية، مثلاً، تعني أن عدداً من المدن والمقاطعات والأقاليم في أميركا اللاتينية باتت الآن تعتمد وبصورة فعالة على الصين للقيام بمهام إنفاذ القانون والاستجابة لحالات الطوارئ، وأيضاً لإرساء البنى التحتية للكهرباء، على ما تبين حالة مدينة ليما في البيرو. وتلك تبعية لم يقصدها عدد من القادة السياسيين في المنطقة وربما لم يتوقعوها. كما أنهم قد لا يكونون على دراية بالأخطار المحتملة المرتبطة بهذا النمط والمستوى من التبعية، وهم بالتالي غير مستعدين ربما للتعامل مع تداعياتها المحتملة.
والمساعي الصينية تلك لا تقتصر فقط على أميركا اللاتينية. فالصين تبذل أيضاً جهوداً مماثلة في أنحاء أخرى من العالم النامي. إذ إن هذه الجهود في نهاية المطاف تبقى أقل كلفة بكثير من المبادرات التي كانت تعتمدها بكين في السابق، كما أنها مشاريع غير بارزة غامضة يصعب تحديدها. لذا يمكن القول بكلام آخر، إن بكين تقوم بابتكار نمط من السياسات الدولية يؤثر الاستيلاء الهادئ والمحلي في البلدان المختلفة، على المشاريع الكبرى والبراقة.
صغيرة لكن جذابة
لقد قامت بكين خلال معظم العقد الأول من القرن الـ20، بضخ مليارات الدولارات في مشاريع بنى تحتية أساس بأميركا اللاتينية، كالموانئ والسدود الضخمة، وحتى خط سكة حديد عابر للقارات هدف إلى ربط ساحل البيرو على المحيط الهادئ بساحل البرازيل على الأطلسي (خط السكة هذا لم يبصر النور، لكن صيغ منه ما زالت قيد المناقشة). وقد جاءت تلك الاستثمارات كجزء من “مبادرة الحزام والطريق” الصينية الشهيرة، والتي أنفقت بكين في سياقها مبالغ هائلة على مشاريع عملاقة في مختلف أنحاء الجنوب العالمي. وقد أملت الصين من ذلك أن تتمكن من تأمين إمدادات السلع الأساس، وفتح الأسواق أمام الشركات الصينية، ومن ثم تحويل ثقلها الاقتصادي إلى تحالف دبلوماسي – وذاك يتضمن إقناع الدول التي ما زالت تعترف بتايوان، بتحويل موقفها إلى اعتراف بحق البر الصيني في ضم شبه الجزيرة إلى السيادة الصينية.
لكن الصين وبدئاً من مطلع عشرينيات القرن الـ21، غيرت مسارها، خصوصاً في منطقة نصف الكرة الغربي. فهي استنتجت أن كلف المشاريع الكبرى تلك عالية جداً فيما الاقتصاد المحلي الصيني يعيش تحت الضغوط، كما أنها مشاريع تثير مقداراً كبيراً من ردود الفعل الجيوسياسية. وقد اختارت بدل ذلك التركيز على ما تطلق عليه تسمية المساعي “الصغيرة والجذابة”. وتلك استثمارات لا تتميز بحضور مادي استعراضي فخم، وتستهدف في العادة أنظمة وطنية ودون وطنية (أو محلية فرعية) أصغر حجماً. وبكين من جهتها تطبق هذه التسمية تطبيقاً ضيقاً: إذ إن “الورقة البيضاء” التي أصدرتها للعام 2025 بخصوص أميركا اللاتينية (الورقة البيضاء هي تقرير رسمي دوري للسياسات الحكومية الصينية) يحصر المصطلح بمشاريع مكافحة الفقر الصغيرة. إلا أن تسمية “الصغيرة والجذابة” تشكل مؤشراً مفيداً لهذا النمط الأحدث للسياسات الصينية الخارجية – والذي يمثل نمطاً من الاستثمارات المتصاعدة، من الأسفل إلى الأعلى، والتي تؤدي إلى تأسيس الاعتماد المتبادل وزرع النفوذ.
ولفهم مدى أهمية هذا النموذج أو النمط، ما علينا سوى تتبع المال – أو في الأقل دفعات المال التي يمكن تحديدها. فقروض “مبادرة الحزام والطريق” التقليدية لأميركا اللاتينية كانت تراجعت من قرابة 25 مليار دولار في العام 2010 إلى متوسط قدره 1.3 مليار دولار في العام. لكن إن حكمنا من خلال التقديرات التي تتتبع الصفقات، من شركة إلى أخرى، سنجد أن الشركات الصينية ما زالت تستثمر 8.5 مليار دولار في أميركا اللاتينية في عام 2024، بتراجع عُشر واحد فقط عن العام السابق – ويرجح أن يكون هذا الرقم أقل من الرقم الحقيقي. ووجه الاختلاف هو أن هذه الأموال الآن تتدفق من خلال معاملات تجارية وليس عبر قروض سيادية من بكين. وكثير من الأموال المذكورة يتمظهر بقيام شركات صينية في شراء أصول موجودة، كأصول موزعي الطاقة والمناجم، بدلاً من أن تقوم الحكومة الصينية بالإنفاق على بناء مشاريع ضخمة جديدة. وفي أحيان أخرى تصرف تلك الأموال على معدات وأجهزة جديدة، لكن من نمط أصغر بكثير مما كان شائعاً في العادة، كمعدات وتجهيزات الشرطة مثلاً. ولأن تلك الصفقات مخصصة لأغراض لا تشملها الدراسات الإحصائية لحركة الاستثمار – إذ إن مبيعات التجهيزات، وبرامج التدريب، والتبرعات، وعقود الصيانة، تقع في خانة عمليات الشراء، لا الاستثمارات – فهي تحظى باهتمام أقل. وتكون في بعض الأحيان محاطة ببنود سرية، ولا تظهر في الغالب إلا بعد أن يعثر صحافي محلي على عقد من عقودها المبرمة. وقد قدمت الشركات الصينية في هذا الإطار آلاف الحافلات الكهربائية لمدن في أميركا الجنوبية. وما زالت الحكومة الصينية منخرطة في هذه البيئة، وذاك يتجسد أحياناً من خلال التوجيهات التشغيلية من الأعلى إلى الأسفل. لكن دورها يمكن أن يكون أكثر مواربة. إذ إن بكين في الغالب داخل الصين تقدم الدعم للشركات الصينية، التي تباشر بعد ذلك في بيع بضائعها لحكومات أميركا اللاتينية بأسعار منخفضة. ومع تراكم مبيعات وعقود كهذه، تدرك الصين أن الصفقات المتراكمة تشكل أصولاً استراتيجية. وتقوم بكين في نهاية المطاف بدمج المشاريع التجارية المختلفة داخل بلد من البلدان باتفاقات تعاون رسمية مع حكومة ذاك البلد. مثلاً، في مقاطعة خوخوي Jujuy الأرجنتينية الغنية بالليثيوم، تطور التبادل البحثي بين وكالات جيولوجية في الصين والأرجنتين إلى شراكة حكومية صريحة بين البلدين تركز على عمليات مسح المسطحات والحقول الملحية في تلك المقاطعة الأرجنتينية. وهكذا قامت شركة صينية في نهاية المطاف بالاستحواذ على غالبية الحصص في مشروع أرجنتيني محلي لليثيوم.
وقد شقت الصين سبيلها في مختلف أنماط الأنظمة المحلية بغية بناء نفوذها. فالشركات الصينية، مثلاً، قدمت آلاف الحافلات الكهربائية لمدن مختلفة بجميع أنحاء أميركا الجنوبية – مما شكل إضافة ضرورية في حياة إحدى أكثر المناطق كثافة حضرية في العالم. كما تقوم القطارات صينية الصنع بنقل الركاب في الخطوط الرئيسة الثلاثة كافة للقطار الكهربائي في بوينوس آيريس. ولعل الأمر الأكثر أهمية في هذا الجانب يتمثل بانخراط الصين في تقديم مساعدات أمنية داخلية بهذه المنطقة. فالأمن والسلامة يشكلان مسألة سياسية أساس في أميركا اللاتينية، إذ يبلغ معدل جرائم القتل نحو 20 جريمة لكل 100 ألف نسمة – أي أعلى بثلاث مرات من المعدل العالمي. وتحظى مسائل مثل أعمال العنف المرتكبة من قبل كارتيلات المخدرات والعصابات، وعمليات سرقة بضائع الشحن، وهجمات الفدية (للمطالبة بالفدية)، بأهمية كبيرة بالنسبة إلى معظم المواطنين اللاتينيين، لذلك يكرر السياسيون مراراً الوعود باتخاذ مزيد من الإجراءات لمكافحة تلك المظاهر. وفي هذا الإطار قدمت الصين نفسها كمصدر إمداد لمعدات الشرطة بأسعار ميسرة.
والدول المتلقية في هذا الإطار غالباً ما تبدأ بالحصول على إمدادات بدائية – معدات مكافحة شغب ومركبات مدرعة جرى التبرع بها للقوات المسلحة البوليفية، ودراجات نارية للشرطة في منطقة الكاريبي – وكل صفقة منها تلبي حاجات المسؤولين الذين لديهم نقص في المعدات المذكورة، ويتعرضون للضغوط كي يظهرو في مظهر الساعي لكبح الجرائم. وتمضي العلاقة مع بكين قدماً في النهاية إلى أمور وعناصر أكثر حساسية وتطوراً. مثلاً، في أبريل (نيسان) 2025، سافر حاكم ريو دي جانيرو إلى الصين ووقع صفقات مع شركتي تكنولوجيا المراقبة الصينيتين، “هيكفيجين” و”داهوا” للحصول على أكثر من 27 ألف كاميرا مخصصة للتثبيت على الأجسام والمركبات. وفي مدينة سيوداد خواريز المكسيكية، الواقعة على الجانب الآخر من الحدود بمحاذاة مدينة إل باسو الأميركية، اشترى المسؤولون المحليون ألف كاميرا للتعرف على الوجوه من ذات الشركتين المذكورتين (المدرجتين آنذاك على القائمة السوداء للجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية). ومع عام 2018، جاءت نسبة 62 في المئة من واردات معدات المراقبة الأرجنتينية، من الصين، وذلك مقابل خمسة في المئة فقط من الولايات المتحدة. واليوم تستخدم 35 مدينة في الأقل من مدن أميركا اللاتينية أنظمة مراقبة صينية.
والتعاون يتسارع بمجرد إبرام تلك الصفقات. وهو تعاون يصل في بعض الأحيان إلى أعلى المستويات الحكومية. فكروا، مثلاً، بتطوير نظام “ECU-911” – نظام الاستجابة لحالات الطوارئ الوطنية في الإكوادور. فقد بدأ هذا المشروع في عام 2011، عندما تعاقدت حكومة الإكوادور مع شركة الإلكترونيات الدفاعية الصينية “CEIEC”، المملوكة للدولة، لإنشاء شبكة مراقبة تعمل بكاميرات “هواوي” (Huawei). وجاء قرض بقيمة 240 مليون دولار من بنك التنمية الصيني، ليمول هذا النظام، والقرض لم يؤمن بضمانات سيادية، بل بعقد لبيع النفط يلزم “بيتروإكوادور”، شركة النفط الوطنية الإكوادورية، بشحن 72 ألف برميل نفط يومياً إلى شركة “بيتروتشاينا” طوال عمر تشغيل نظام المراقبة الإكوادوري. ومع الوقت، اجتذب هذا المشروع في النهاية اهتماماً صينياً رفيع المستوى. فقام الزعيم الصيني شي جينبينغ في عام 2016، بزيارة الإكوادور حيث افتتح شخصياً مختبراً أمنياً مشتركاً في مقر الـ”ECU-911″ الرئيس. وأتبعت بكين ذلك في التبرع بـ10 آلاف بندقية من طراز AK-47 (كلاشنيكوف) للقوات المسلحة الإكوادورية. وبحلول مطلع العام 2018، كانت التقنية الصينية للتعرف على الوجوه قد باتت مستخدمة في مواقع الـ”ECU-911″. وفي عام 2024، تم وصل الكاميرات البلدية المستقلة والكاميرات الخاصة في الإكوادور بهذه الشبكة. وما بدأ كعقد واحد غدا العمود الفقري لجهاز الأمن الداخلي في الإكوادور.
وأخيراً، تقوم الصين أيضاً بتدريب مسؤولي سلطات إنفاذ القانون في أميركا اللاتينية. وقد قامت وفود من الأرجنتين والبرازيل وكوبا وبنما بالدراسة جميعاً في “جامعة شرطة التحقيقات الجنائية” الصينية في شنيانغ. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، وقع وزير الأمن العام الصيني اتفاق تدريب مع رئيس جهاز مكافحة المخدرات والجرائم الإلكترونية والإرهاب في شرطة نيكاراغوا، كما سبق للصين أن منحت نيكاراغوا تجهيزات للسيطرة على الشغب. في هذا الإطار، ما زالت الولايات المتحدة تدرب عدداً أكبر من عناصر الشرطة في أميركا اللاتينية، مقارنة ببكين. لكن على نقيض دورات التدريب الأميركية، فإن الدورات التي تؤمنها الصين تأتي حافلة بمجال استخدام الكاميرات والمنصات والتبادلات القضائية، مما يجعل بقية البنية الهندسية لتلك النظم، بنية محفوظة وثابتة.
والأمر الأكثر أهمية في هذا السياق بالنسبة إلى الصين يتمثل بالاهتمام الدولي الضئيل نسبياً تجاه تلك المبادرات. إذ في النهاية معظم المشاريع المذكورة تبدأ صغيرة – كعقود تأمين معدات بلدية، أو مذكرات تعاون مع مقاطعات محلية، أو اتفاقات صيانة. وهي بالتالي، غير مكلفة نسبياً لدولة بحجم الصين. فعقد الكاميرات، مثلاً، يكلف جزءاً بسيطاً مما يكلفه مشروع سد أو مرفأ، ناهيك بضآلة الاهتمام به. ونتيجة لذلك فإن السياسيين القوميين في البلدان المعنية قد لا يدركون أن مدنهم تقوم وعلى نحو مطرد بتسليم مزيد من مشاريع خدماتها ومرافقها للشركات الصينية. حتى إن المسؤولين الأميركيين قد لا يدركون ذلك أيضاً. وهكذا تتمكن بكين من القيام باستثمارات متلاحقة في دولة من الدول دون أن يتم ملاحظة ذلك تقريباً، إلى أن تغدو فجأة، في نهاية المطاف، الجهة التي شيدت مقداراً كبيراً من البنية الأمنية الأساس لتلك الدولة.
استدامة عن سابق تصور وتصميم
وبمجرد وضع الأنظمة المتشابكة الصينية في موضع التشغيل، يصبح من الصعب إزالتها. وهذا أمر مقصود ومتعمد. فبكين طوال فترة تعاملها مع الديمقراطيات المتقلبة بأميركا اللاتينية، تعلمت أنها في حاجة إلى استراتيجية كهذه، استراتيجية قابلة لأن تدوم لفترات تتجاوز الدورات والتقلبات السياسية. إذ حين تكون البنية التحتية لعمليات إنفاذ القانون في مدينة من المدن، مصنوعة في الصين بصورة أساس، وعندما يكون عناصر شرطة هذه المدينة ومدعيها العامين قد درسوا في شنيانغ، وتكون محاكم البلد المعني قد وقعت أطر تعاون مع بكين – على ما فعلت فنزويلا في عام 2023 – فإن العلاقة تكتسب ذاكرة مؤسسية وروابط شخصية. ومن خلال إبرام صفقات مع مسؤولين محليين ومناطقيين في دول خارجية، مثلاً، تعمل الصين على بناء علاقات سياسية دائمة يمكنها وبسرعة أن تكتسب قيمة أكبر إن فاز أولئك المسؤولون المحليون بمناصب رسمية أرفع.
كذلك فإن الابتعاد أو الانفصال عن الأنظمة الصينية يترتب عليه مصاعب مالية بالنسبة إلى المستفيدين منها. إذ ربما تتمكن بلدية ما من بلديات مدن أميركا اللاتينية ممن وقعت عقوداً متعددة مع الصين، وتريد التنويع، من أن تجد مقاولين غير صينيين يتقاضون أسعاراً مقبولة لتلبية حاجات محددة، كتأمين وسائل مكافحة الشغب مثلاً، بيد أن الابتعاد أو الانفصال عن أنظمة متكاملة يبقى أمراً صعباً. كما أنه من الصعب أيضاً العثور على موردين بديلين يوفرون وسائل وعناصر أكثر تطوراً. فالصين، مثلاً، تصنع أنظمة المراقبة الأكثر رخصاً واستخداماً في العالم. وفي البلدان التي تبيع فيها الصين منتجاتها، غالباً ما تتسبب الشركات الصينية، وبفضل الدعم الحكومي الصيني السخي لها، بإفلاس المنافسين المحليين وتوقفهم عن العمل. كما أن الكاميرات الصينية، بدورها، وفي غالب الأحيان، يستحيل أن تؤدي خدمتها من دون مساعدة صينية مستمرة، لأن معظم تصميمات الكاميرات التي تنتجها الصين هي ملكية حصرية لها. واستبدالها مكلف للغاية وبالغ الصعوبة. وهذا يعني أنه عندما تصاب تلك الكاميرات بأعطال يتعين على المدن التي تستخدمها أن تطلب المساعدة من الشركات الصينية المنتجة وصاحبة الامتياز. وهناك في هذا السياق سبب لعدم تمكن دراسة أجريت في عام 2020 من تحديد حكومة واحدة تبنت أجهزة المراقبة ومنصات الشرطة وحفظ الأمن الصينية، ثم قامت بالتخلص منها والاستغناء عنها تماماً. إذ إن الحكومات في الإطار المذكور كانت أكثر ميلاً إلى تقييد ميزات محددة في تلك الأنظمة، بدل التخلص منها كلياً.
ونتيجة ذلك باتت بلدان عديدة في أميركا اللاتينية شديدة الضعف والهشاشة أمام عمليات الإكراه الاقتصادي (الصينية). وإن يتخذ بلد منها موقفاً مخالفاً لمصالح بكين، فإن الصين تستطيع تشديد الخناق عليه من خلال وقف إمدادات قطع الغيار وتحديثات البرامج، والتمنع عن إرسال الخبراء الفنيين، وتحويل الشراكة التجارية إلى أداة لممارسة النفوذ. وحتى من دون عمليات الإكراه فقد أدى الاعتماد على الصين إلى إحباط عدد من السياسيين في أميركا اللاتينية. الإكوادور تشكل مثالاً على ذلك. إذ إن مشروع نظام “ECU-911” لم يحقق أي نجاح في خفض معدلات الجريمة بمستوى كبير، لا بل في الواقع ارتفعت معدلات جرائم القتل في الإكوادور من نحو 1000 جريمة في عام 2016 إلى أكثر من 4800 جريمة في عام 2022. كما أثبت هذا النظام أنه نظام ضعيف. ففي عام 2022، نحو 1100 كاميرا من كاميراته الـ6500، كانت خارج الخدمة وغير متصلة بالإنترنت. النظام المذكور بالكاد يؤدي اليوم وظيفته، كما يزداد استياء المسؤولين الإكوادوريين منه. لكن البلاد ليس أمامها خيار آخر، واستبدال هذا النظام المعتمد بنظام جديد مختلف سيكون مكلفاً جداً ومربكاً. وبالنتيجة يعيش نظام “ECU-911” حالة تهاوٍ، مما يجعل البلاد معتمدة على بكين لتلقي المساعدة في إدارة عمليات الاستجابة المتعثرة لحالات الطوارئ. وقد حدثت الورطة نفسها أيضاً في المنطقة بمجال الاتصالات. إذ إن ثلاث شبكات من شبكات الـG4 الأربع الكبرى للاتصالات في البرازيل، بنيت وما زالت تشغل من قبل شركة “هواوي”، مما جعل أمر منع هذه الشركة الصينية من بناء شبكات الجيل الخامس (G5) أمراً مستحيلاً على الرئيس البرازيلي الأسبق جايير بولسونارو، على رغم بذله قصارى جهده في هذا الاتجاه.
لكن العلاقة والتجارة هذه بالنسبة إلى مسؤولين آخرين تبقى مستحقة، نظراً إلى عدم وجود بدائل راهنة. وفي الواقع، يبذل عدد من قادة المنطقة سعياً دؤوباً للحصول على أنظمة صينية توفر حلولاً عملية لتحديات الأمن والحوكمة في بلدانهم. فهذه الأنظمة تقدم للسياسيين في الإقليم الأميركي اللاتيني حلولاً في منتهى السرعة، مما يطغى على الميل الأكثر حذراً في الاستجابات وردود الفعل. حتى إن بعض الدول في أميركا اللاتينية يقدم للصين تنازلات سياسية استباقية دون مواربة، وذلك على أمل الحصول بسرعة على السلع والمنتجات الصينية. ففي مارس (آذار) 2023، على سبيل المثل، قطعت هندوراس علاقتها الرسمية مع تايوان وأسست علاقات مع بكين. وبعد ثلاثة أشهر قامت هندوراس بتوقيع 17 اتفاق تعاون مع الصين، من بينها اتفاق لأعمال المدن الذكية، وأعلنت دعمها لـ”مبادرة الأمن العالمي” الصينية (التي تشكل إطار عمل مصمم للمساهمة في الطعن بالنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة). وفي غضون عام حاز نظام 911 في الهندوراس عقداً غير تنافسي لنظام صيني للإدارة بكاميرات الفيديو، وقام هذا البلد بتركيب 3500 كاميرا من صنع شركة “هواوي” الصينية.
وتمثلت النتيجة بسؤال يتعلق بالسيادة بات شيوعه مقلقاً في المنطقة: ماذا سيحدث عندما تقوم حكومات محلية ووطنية بالعمل ضد مواطنيها لمصلحة لاعبين خارجيين دوليين؟ الجواب في الغالب هو أن الغلبة للمصالح الأجنبية [الصينية]. إذ عندما حاصر السكان المحليون حقول المسطحات لأالمستنقعات] الملحية في الأرجنتين بسبب التأثير البيئي لمشاريع الليثيوم المدعومة صينياً (وبسبب عدم الأخذ برأي السكان قبل دخول اتفاق الليثيوم حيز التنفيذ)، سارع حاكم خوخوي إلى إجراء إصلاح دستوري لحظر إغلاق الطرق. وقامت الشرطة أيضاً في ذلك الإقليم، وفق منظمات حقوق الإنسان، بالاعتداء على المتظاهرين واحتجازهم بطرق غير قانونية.
من الأسفل إلى الأعلى
لقد خلقت جهود بكين المبذولة في أميركا اللاتينية أخطاراً لم يحسن أحد في حسبانها على نحو سليم. إذ من خلال بناء نظم حوكمة اعتماداً على أنظمة صينية، تقوم المنطقة بمبادلة يسر آني في الحصول على التجهيزات، بالتبعية – التي يأتي معها النفوذ الصيني وهيمنته على قرارات بلدان المنطقة.
أما بالنسبة إلى الصين، فالنتائج واضحة. فبكين اكتسبت نفوذاً جديداً في أميركا اللاتينية. وبات لديها الآن في هذه المنطقة علاقات قائمة مع حكومات البلدان، والمدن، والبلديات، والمقاطعات، وهذا يتضمن 180 اتفاق توأمة بين المدن مع 17 بلداً أميركياً لاتينياً. وليس في استراتيجية الصين أي إشارة إلى حالة فشل واحدة. فهي تتجاوز القطاعات البارزة المسلط عليها الضوء، كالموانئ، والتي تكون في العادة عرضة للتداول والمراجعة، وتقوم بدل ذلك بإدماج نفسها في مسائل الحاجات اليومية لرؤساء البلديات وحكام المقاطعات والوكالات المناطقية والوزارات والدوائر غير الأساس في الحكومات المركزية.
لذا ليس مستغرباً أن تقوم الصين بتطبيق هذا النموذج نفسه في مناطق أخرى من العالم. ففي مدينة لاهور الباكستانية، قامت “هيئة أمن المدن في البنجاب” بتأسيس مراكز قيادة بنتها شركة “هواوي” وحصلت على 10 آلاف كاميرا للمراقبة إثر عقد قيمته 84.7 مليون دولار. كذلك في كينيا يعتمد نظام المراقبة المحلي على التكنولوجيا الصينية. كما وقعت وزارة الأمن العام الصينية اتفاقات في مجالات الشرطة والأمن مع نحو 74 بلداً – هذه الاتفاقات تبلغ في الإجمال 200 اتفاق. وقامت الصين، وفق بيانات يمكن مراجعتها، بتدريب أكثر من 12 ألف شرطي أجنبي منذ عام 2000. وحتى في الولايات المتحدة وجدت الصين سبلاً للدخول في مستويات وطنية فرعية – وتحديداً من طريق بيع رافعات للمرافئ لسلطات ومشغلين محليين، وذلك على مدى أعوام قبل أن تتدخل الحكومة الفيدرالية وتضع حداً للأمر.
في السياسات الدولية الصينية، العقيدة لا تسبق الفعل دائماً. فهذه السياسات قادرة على اللحاق بخيارات البلاد وإضفاء شرعية على ما بدأ كتجارب، إذ بوسعها رفع مستويات تلك التجارب وتوسعة نطاقها. أول ورقتين صينيتين للسياسات في أميركا اللاتينية، في عامي 2008 و2016، تناولتا الأمن الإقليمي باعتباره شأناً هامشياً إلى جانب الصفقات التجارية وموضوع تايوان. لكن ورقة سياساتها الأحدث في هذا الإطار، والتي نشرت في ديسمبر (كانون الأول) 2025، جعلت التعاون الأمني عنصراً أساساً. وهي فعلت ذلك بناءً على النجاح القائم سلفاً الذي حققته العقود والبرامج الصينية التي تركز على مسائل الشرطة والأمن في أميركا اللاتينية.
ولأن العقيدة الصينية صادقت على الممارسة، غدت الولايات المتحدة متأخرة عن اللحاق بالركب في هذا الجانب. فالأخيرة حتى هذا اليوم تبقى مركزة على العمل ضد النهج الصيني الآخر القائم على بناء أصول كبيرة وبارزة – مرافئ، شبكات “جي5 G5، وبنى تحتية لعلوم واستكشاف الفضاء – بدلاً من التركيز أيضاً على الصفقات الصينية مع مكاتب المشتريات البلدية وأكاديميات الشرطة في البلدان المختلفة. وإن كانت الولايات المتحدة جادة في مهام الحد من النفوذ الصيني في نصف الكرة الأرضية الذي يعد جواراً قريباً لأميركا، فإنها تحتاج إلى التغيير. إذ عليها أن تجد طريقة لتزويد اللاعبين هناك، الذين هم جيرانها، بحلول دائمة وفعالة لمشكلاتهم. وإلا ستبقى الصين الشريك المفضل لبلدان عديدة في أميركا اللاتينية.
مترجم عن فورين أفيرز، 3 أغسطس (آب)، 2026
