أثارت زيارة المبعوث الخاصّ للرئيس الأميركيّ، توم بارّاك، لبغداد الأسبوع الماضي، تساؤلات عديدة بشأن موقف واشنطن من التطوّرات السياسيّة التي تشهدها الساحة العراقيّة، في مرحلة ما بعد انسحاب القوّات الأميركيّة والدوليّة في 30 أيلول الماضي، ولا سيما التسويات التي رافقت استكمال التشكيلة الحكوميّة.
اتّسمت زيارة بارّاك الأخيرة بحسب مصادر مقرّبة من القوى السياسيّة العراقيّة، بطابع سياسيّ وقضائيّ، إذ استهدفت مباحثاته مع رئيس الحكومة علي فالح الزيديّ ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان وضع خريطة طريق للتعامل مع المستجدّات التي أفرزها مسار تشكيل الحكومة، ولا سيما استحواذ الفصائل والقوى المنتمية إلى المكوّنات الشيعيّة والسنّيّة والكرديّة والمسيحيّة على الحقائب والمناصب الحكوميّة.
تشير هذه المعطيات إلى أنّ المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال ملفّ الفصائل وأذرعها العسكريّة من المسار السياسيّ إلى المسار القضائيّ، بعد انقضاء مهلة التسعين يوماً المخصّصة لاختبار النيّات، وصولاً إلى 30 حزيران 2027، الموعد النهائيّ المحدّد لإغلاق ملفّ السلاح المنفلت وترسيخ حصريّة قرارَي الحرب والسلم بيد الدولة.
دور القضاء العراقيّ في رسم التّسويات المقبلة
لا يأتي الرهان على الدور القضائيّ في المرحلة المقبلة من فراغ، إذ يتبوّأ فائق زيدان موقعاً محوريّاً في تركيب المشهد العراقيّ الجديد وترتيب موازين القوى داخله، خصوصاً بعدما تحوّل، في سياق التطوّرات التي رافقت تشكيل الحكومة وملفّ حصريّة السلاح، إلى أحد المفاتيح الأساسيّة لفهم التوجّهات والتسويات التي يجري ترتيبها بين واشنطن وطهران.
تنبع أهميّة موقع زيدان من امتلاكه ورقة أساسيّة تتمثّل في التزام قوى “الإطار التنسيقيّ” الشيعيّ و”ائتلاف إدارة الدولة” بقرار حصريّة السلاح. ويتيح ذلك، وفق التصوّر المطروح، التعامل مع الجهات التي ترفض القرار باعتبارها قوى خارجة عن القانون، وإخضاعها لأحكام التشريعات المتعلّقة بالجماعات الإرهابيّة، بما يفتح المجال أمام الدولة لاستخدام مختلف الوسائل والأجهزة الأمنيّة لمواجهتها والتعامل معها.
يعني ذلك أنّ الدور الذي يؤدّيه زيدان يتجاوز حدود موقعه القضائيّ إلى مساحة أوسع من التأثير السياسيّ وتدوير الزوايا بين الأطراف المتنافسة، وصولاً إلى أداء دور محوريّ في دعم توجّهات رئيس الحكومة ومساعدته على إيجاد مخارج للأزمة العراقيّة. كما يرتبط هذا المسار بمحاولة إنهاء حالة الاستعصاء السياسيّ التي يمرّ بها العراق، وتحويلها إلى عمليّة تفاوض وتبادل للضغوط تسعى خلالها الأطراف المختلفة إلى التكيّف، ولو مرحليّاً، مع متطلّبات المرحلة الجديدة.
تسوية مؤجّلة بين الانسحاب الأميركيّ وحصريّة السّلاح
أمام هذه المعطيات، وجد الزيديّ نفسه أمام تحدّي البحث عن مخارج جديدة توفّق بين الشروط الأميركيّة ومستقبل الصفقات والاتّفاقيّات الاقتصاديّة الموقّعة، من جهة، والضغوط الإيرانيّة ومطالب الفصائل المسلّحة، من جهة أخرى. وانتهت التسوية إلى تراجع واشنطن عن بعض شروطها أو تعليق العمل بها، وغضّ الطرف عن مشاركة بعض الفصائل في الحكومة، على الرغم من تصنيفها ضمن الجهات التي تشكّل خطراً كبيراً وتهديداً أمنيّاً جدّيّاً للقوّات الأميركيّة ومصالح واشنطن في العراق والمنطقة.
لم تقتصر الحسابات الإيرانيّة على تأجيل تنفيذ قرار حصريّة السلاح، بل امتدّت إلى جعل أيّ تنازل قد تقدم عليه الفصائل الحليفة مكلفاً من الناحية السياسيّة، ولا سيما في ما يتعلّق بكسر الموقف الأميركيّ الرافض لمشاركتها في الحكومة. وسعت طهران إلى منع الربط المباشر بين الانسحاب الأميركيّ من العراق وتفكيك الأجنحة العسكريّة للفصائل المسلّحة.
يمكن القول إنّ طهران استطاعت، نسبيّاً، استعادة جانب من التوازن لنفوذها في العراق، ودفع واشنطن وبغداد نحو قبول تسوية تؤجّل تنفيذ حصريّة السلاح بالتزامن مع الانسحاب الأميركيّ. كما سعت إلى إعادة جدولة هذا الاستحقاق بما يتوافق مع حساباتها، في ظلّ رفضها المضيّ في هذا المسار قبل اتّضاح الرؤية بشأن مصير المواجهة مع واشنطن.
طهران تعيد ترتيب أوراقها
في موازاة هذه التسويات، برزت مساعٍ إيرانيّة لإعادة تنظيم العلاقة مع الفصائل المسلّحة العراقيّة، والتعامل مع الالتزامات المتعلّقة بحصريّة السلاح وفق جدول زمنيّ يراعي مصالح طهران وحلفائها. مقابل إعلان إيران استعدادها للمساعدة في تنفيذ قرار الحكومة المتعلّق بحصريّة السلاح، وفق ما أشار إليه رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، برزت جهودها لإقناع الفصائل التي لا تزال خارج التسويات التي عقدها الزيديّ مع بعض الأطراف، ومن بينها حركة “النجباء” وجماعة “أنصار الله الأوفياء”، بالتعاون مع هذا المسار ضمن الجدول الزمنيّ المتّفق عليه.
بارّاك وشروط واشنطن في المرحلة السّابقة
لفهم خلفيّات التطوّرات الحاليّة، لا بدّ من العودة إلى الدور الذي أدّاه توم بارّاك عقب الانتخابات البرلمانيّة العراقيّة في تشرين الثاني 2025، التي عزّزت حضور الفصائل المسلّحة والقوى الموالية لإيران داخل المكوّن الشيعيّ. فقد نقل بارّاك إلى القيادات العراقيّة شروط واشنطن بشأن تشكيل الحكومة، وفي مقدَّمها رفض مشاركة الفصائل المسلّحة في السلطة أو هيمنتها على القرار الحكوميّ، والتأكيد أنّ الفوز بالأغلبيّة البرلمانيّة لا يعني بالضرورة امتلاك نفوذ مماثل داخل الحكومة.
تجسّد هذا الموقف في الفيتو الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب عبر منصّته “تروث سوشيل” على عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء، وفي الرسائل التي نقلها بارّاك إلى القوى السياسيّة العراقيّة، وصولاً إلى التسوية بين المالكي ومحمّد شيّاع السوداني، التي انتهت بتسمية عليّ الزيديّ مرشّحاً توافقيّاً بين أقطاب “الإطار التنسيقيّ”.
ربطت واشنطن تعاونها مع الحكومة الجديدة بالتزامها إنهاء مظاهر السلاح المنفلت، وحصر قرارَي الحرب والسلم بيد الدولة، ومنع مشاركة الفصائل المسلّحة الموالية لإيران في التشكيلة الحكوميّة. وسعت الإدارة الأميركيّة إلى فرض هذه الشروط مستفيدةً من حالة الضعف والارتباك التي أصابت طهران وحلفاءها العراقيّين عقب الضربات العسكريّة التي تعرّضت لها إيران في 28 شباط 2026، وما أحدثته من اختلال في موازين القوى والنفوذ.
طهران تعطّل المسار الأميركيّ
في المقابل، تحرّكت طهران وبعض القوى العراقيّة المتوافقة معها لتعطيل الجهود الأميركيّة، مستفيدة من حالة الارتباك والخوف التي انتابت الجماعات الموالية لها، والغموض الذي أحاط بمصيرها في حال نجحت واشنطن في تمرير التسوية وفق الشروط التي وضعتها أمام أيّ مرشّح لرئاسة الوزراء. ومن خلال توظيف مخاوف حلفائها، تمكّنت إيران من إعاقة مسار تشكيل الحكومة الجديدة في مرحلة ما بعد الجولة الثانية من الحرب، التي اندلعت في شباط 2026.
أتاح هذا التعطيل، إلى جانب عدم حسم المواجهة وتحوّلها إلى حرب استنزاف بين واشنطن وطهران، للجانب الإيرانيّ وحلفائه العراقيّين فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوراقهم استعداداً للتعامل مع التحدّيات المستجدّة. وفي مقدَّم هذه التحدّيات، الالتزامات التي قدّمها رئيس الوزراء عليّ الزيديّ بشأن انسحاب القوّات الأميركيّة وقوّات التحالف الدوليّ من العراق، بالتزامن مع العمل على فرض حصريّة السلاح وتفكيك الميليشيات التي تعمل خارج مؤسّسات الدولة.
في ظلّ استمرار التجاذب بين طهران وواشنطن، يبقى مستقبل حصريّة السلاح ودور الفصائل المسلّحة وطبيعة العلاقة بين الدولة والقوى النافذة مرهونةً بقدرة بغداد على إدارة هذه التوازنات، وتحويل التسويات السياسيّة إلى التزامات قابلة للتنفيذ، من دون أن يبقى القرار العراقيّ أسير الصراع الإقليميّ بين الطرفين.
