حتى صباح الـ25 من مايو الجاري، لم تكن قصة الاتفاق مع إيران قصة انهيار كامل، كما أنها لم تكن أيضا قصة اختراق مكتمل.
في آخر تصريحاته على “تروث سوشال”، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب السقف إلى مستوى لم يكن أحد يتوقعه، إذ طالب بأن يُفضي أي اتفاق مع طهران إلى انضمام السعودية وقطر وتركيا وباكستان إلى اتفاقيات أبراهام، بل ألمح إلى إمكانية انضمام إيران نفسها إليها. وشدد قائلا: “إما صفقة عظيمة للجميع، وإما لا صفقة على الإطلاق، والعودة إلى الجبهات.
في غضون الثماني وأربعين ساعة التي سبقتها، قال ترامب إن الاتفاق مع إيران “جرى التفاوض عليه إلى حد بعيد”، ثم عاد ليقول إنه أوصى ممثليه “بعدم التسرع”، فيما أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو من نيودلهي أن ثمة “شيئا صلبا على الطاولة”، وأن المفاوضات “لا تزال قيد العمل” في الجانب الآخر، نفت طهران أي التزام بتسليم ما لدينها من اليورانيوم عالي التخصيب، وأكدت أن مضيق هرمز سيبقى تحت إدارتها.
على صعيد الموقف الأميركي، برزت مسافة واضحة بين لغة ترمب ولغة وزير خارجيته. فقد أكد روبيو أن بلاده ستُتيح للدبلوماسية “كل فرصة للنجاح قبل استكشاف البدائل”، مشيرا إلى أن ترامب “لن يبرم اتفاقا سيئا، وإما أن يكون جيدا وإما سنتعامل مع الأمر بطريقة أخرى”.
بيد أن ترامب ذهب أبعد من ذلك بكثير، إذ وصف اتفاقيات أبراهام الموسّعة بأنها ستكون “أهم صفقة وقّعتها هذه الدول على الإطلاق”، وطالب بأن يكون الانضمام إليها شرطا لازما لإتمام أي تسوية مع إيران.
وفي الداخل الأميركي، حذّر السيناتور تيد كروز من أن أي اتفاق يبقي لإيران قدرات نووية أو سيطرة على المضيق سيكون “خطأ كارثيا”، مما يُضيق هامش المناورة أمام أي تسوية وسطى.
على الجانب الإيراني، قالت وكالة فارس شبه الرسمية إن أحدث النصوص المتبادلة تُبقي المضيق تحت الإدارة الإيرانية، ووصفت إعلان ترامب الأول بأنه “ناقص وغير متسق مع الواقع”، فيما نقلت وكالة إيسنا عن دبلوماسي رفيع لم يُكشف عن اسمه أن طهران “لم تقطع أي التزام” بشأن اليورانيوم عالي التخصيب.
وطالب مسؤولون إيرانيون بإنهاء الحرب على كافة الجبهات بما فيها لبنان، وتحرير الأصول المجمّدة، وسحب القوات الأميركية من المنطقة.
تتمحور العوائق الكبرى حول ملفات لم تُحسم، فمسألة التخصيب لا تزال أكبرها، إذ اقترح المفاوضون الأميركيون وقفا نوويا مدته 20 عاما، فردّت إيران بخمس سنوات، وهو ما رفضته واشنطن.
ويتصل بذلك خلاف جوهري حول التسلسل، فطهران تريد إنهاء الحرب وفتح المضيق أولا والتفاوض النووي لاحقا، وهو ما يُفقد واشنطن ورقتها الضاغطة الرئيسية. وتُضاف إلى ذلك مخاوف إيران من تكرار سيناريو الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018 دون ضمانات ملزمة.
أما إسرائيل، فيرى مسؤولوها أن الاتفاق الراهن يمنح إيران اعترافا ضمنيا بأن المضيق سلاح استراتيجي لا يُعوَّض بتنازلات نووية مؤجلة.
ما تكشفه المعطيات حتى هذه الساعة هو أن الهوة بين الطرفين لم تضيق بمقدار ما اتسع الطموح الأميركي، فترامب لم يعد يتفاوض على وقف نار وملف نووي فحسب، بل بات يضع أمام المنطقة بأسرها رؤية إعادة هيكلة شاملة لم تطلبها أحد. وفي مفاوضات بهذا الثقل، كثيرا ما يتبين أن رفع السقف كثيرا يُشبه في نتيجته إغلاق الباب.