ثمّة عبارات لافتة تدعو إلى التوقّف عندها في الخطاب الأخير الذي ألقاه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في افتتاح دورة مجلس الشورى القطريّ. فهو وجّه كلامه إلى أعضاء مجلس الشورى وإلى القطريّين، عن “واجبنا أن نتطلّع دائماً إلى الأفضل، ولكنّ علينا أن نكون أيضاً جاهزين لأسوأ الاحتمالات، وأن يتحمّل الجميع مسؤوليّاته، مؤسّسات ومواطنين”.
عندما يتحدّث رئيس دولة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة الستّ عن ضرورة أن “نكون جاهزين لأسوأ الاحتمالات”، دليل على واقعيّة، يحلّ فيها التكامل العربيّ – العربيّ مكان التنافس، في منطقة تصرّ فيها “الجمهوريّة الإسلاميّة” على الذهاب بعيداً في التصعيد مستخدمة كلّ ما بقي لديها من أوراق إقليميّة. تزيد في خطورة الوضع السياسة التي تتبعها إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب التي اتّخذت، أقلّه إلى الآن، موقفاً يتّسم بالتذبذب في ضوء الهجوم الحوثيّ في اليمن، وهو هجوم إيرانيّ من ألفه إلى يائه لا يصوّب على السعوديّة وحدها.
قطر تسمّي المعتدي
يستهدف الهجوم الحوثيّ في اليمن التحكّم بمضيق باب المندب بما يُظهر إيران كقوّة قادرة على السيطرة على مضيقين مهمّين بالنسبة إلى خطوط التجارة العالميّة، أي المندب وهرمز. من الواضح أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” لم تتعلّم شيئاً من تجارب الماضي القريب ومن فشلها في خوض كلّ معاركها الإقليميّة عبر أدواتها وأذرعها في المنطقة. تصرّ إيران على أنّ لديها ما يكفي من الأوراق بما يسمح لها بالتصعيد، وهذا ما فهمته قطر جيّداً، في ما يبدو.
كذلك، من الواضح أنّ خطاب أمير قطر ينمّ عن نضج سياسيّ بدأ بتسمية الأشياء بأسمائها من جهة، والتحدّث بلغة الأرقام من جهة أخرى. إنّه يقول صراحة إنّ قطر تعرّضت لاعتداءات “إيرانيّة”. لا تجهيل للفاعل. كذلك، يتحدّث عن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد القطريّ. يقول في هذا المجال: “من الطبيعيّ أن تنعكس الأزمة سلباً على الماليّة العامّة، فانخفض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأوّل من العام بنسبة 42%، فيما انخفضت المصروفات العامّة بنسبة 14%، وذلك من دون المساس بالخدمات الأساسيّة أو الأولويّات التنمويّة. وهذا ليس أمراً مفروغاً منه، ويفترض أن يلقى التقدير اللازم. فلم تصَب الدولة بالهلع وظلّت تنظر إلى المستقبل بثقة في الاقتصاد الوطنيّ. لقد قرّرنا عدم تقليص الخدمات الأساسيّة، وفضّلنا عدم تغيير الأولويّات التنمويّة، حرصاً على ألّا يتباطأ الزخم الاقتصاديّ الذي تعيشه قطر”.
قطر تراهن على الدّبلوماسيّة والاستقرار الإقليميّ
ليس سهلاً أن تنخفض الإيرادات في أيّ بلد من بلدان العالم بنسبة 42 في المئة، بما يشير إلى مدى تضرّر قطر من الحرب الدائرة في المنطقة. لكنّ ذلك لا يمنع قطر من التحرّك والرهان على يوم تكون فيه عودة إلى المنطق. معنى ذلك، عودة إيران إلى التصرّف كدولة طبيعيّة، خصوصاً مع جيرانها المباشرين في الخليج. من هذا المنطلق يمكن فهم إصرار أمير قطر على القول: “لقد حملت قطر في هذه الأزمة ثلاث مسؤوليّات في آن واحد: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالميّ، وإبقاء أبواب الدبلوماسيّة مفتوحة. تألّفت استراتيجيتنا لحمل هذه المسؤوليّات من أربعة عناصر أساسيّة: أوّلاً، الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب. ثانياً، الحفاظ على الخدمات وسلاسل التزويد ودورة الحياة الاقتصاديّة. ثالثاً، الإسهام في الجهود التي تبذل لوقف إطلاق النار وفتح الممرّات المائيّة. رابعاً، الحثّ على التفاوض، والبحث عن فرص العودة إلى المفاوضات للتوصّل إلى حلول سلميّة للصراع”.
تعرف قطر قبل غيرها أنّ عامل الوقت مهمّ وأنّ الوقت لا يخدم أيّ دولة من دول المنطقة. يشمل ذلك إيران التي ترفض الحلول السلميّة والمبادرات التي تأتي من دولة مثل قطر لا مصلحة لديها في أيّ تصعيد من أيّ نوع. على العكس من ذلك، تعمل من أجل تسويات وحلول في كلّ الاتّجاهات. تعمل في هذا الاتّجاه بعدما اختبرت، على سبيل المثال وليس الحصر، ماذا يعني دعم “الحزب” في لبنان وماذا يعني دعم “حماس” في غزّة حيث أدّى “طوفان الأقصى” إلى كارثة سيعاني منها الفلسطينيّون طوال سنوات.
كان خطاب أمير قطر خطاباً عقلانيّاً. تلته الزيارة التي قام بها لبيروت رئيس الوزراء القطريّ الشيخ محمّد بن عبد الرحمن آل ثاني. جاء رئيس الوزراء القطريّ إلى لبنان هذه المرّة من أجل الاستثمار في ترسيخ الاستقرار في بلد بات مصيره على كفّ عفريت. ليس الاستثمار في حقل إعادة الكهرباء إلى لبنان مجرّد حدث عابر بمقدار ما أنّه عامل يجعل البلد الذي يقاتل على جبهتَي إيران وإسرائيل قادراً على الصمود.
التّكامل الخليجيّ يُحاصر الرّهانات الإيرانيّة
بات هناك وعي قطريّ لأهمّيّة المقاربة المختلفة لمشاكل المنطقة وأزماتها. تقوم المقاربة على التعاون والتكامل بين دول الخليج بدل التنافس فيما بينها، بما يشمل لبنان. عبّر عن المقاربة مقطع في خطاب الشيخ تميم شدّد فيه على “ضرورة استمرار التعاون والتنسيق بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة، فأمن دول المجلس وحماية سيادتها واستقرارها أمر لا يمكن التجاوز عنه ولا التهاون فيه، ويفرض علينا ذلك مضاعفة الجهد لتأمين الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وحماية منشآت الطاقة والمياه والبنية التحتيّة المدنيّة، وسنواصل العمل مع أشقّائنا وشركائنا الدوليّين والإقليميّين من أجل الحفاظ على منطقتنا مستقرّةً وآمنة”.
تغيّرت المنطقة وتغيّرت المعطيات فيها. من الثابت، في ضوء الخطاب الأخير للشيخ تميم، وجود استيعاب قطريّ لمعنى أحداث ما بعد “طوفان الأقصى” وما يترتّب على ذلك، في كلّ مجال من المجالات بعيداً عن أيّ نوع من العِقد التي تحكّمت في الماضي بالعلاقات الخليجيّة – الخليجيّة، وهي عِقد راهنت عليها إيران في كلّ وقت واستفادت منها إلى حدّ كبير.
