حين بدأت بوعي الأدب كشغفٍ وكتجربةٍ وتوثيق، والأهم حين بدأت بوعيه كدهشة، وكان ذلك في المرحلة الإعدادية، كان اسم القاص السوري جميل حتمل من أول الأسماء التي دلّتني على نفسي. فمجموعاته القصصية التي كانت تأخذ حيزًا في الرف الثاني من مكتبة والدي، عرفت طريقها إلى قلبي مبكرًا جدًا، مستدلّةً عليّ من رائحة تعطّشي في زمن كان المدّ الاشتراكي يغزو عقولنا، وكانت فلسطين، وستبقى، جرحنا المفتوح الذي لا يندمل. حينها كنا نراهن على العدالة، مثلما نراهن على الأدب، في حماية أحلامنا من الموت عطشًا، وعند تلك المراهنات، رصفت لي قصص جميل حتمل طريقًا فرعيًا له رائحة الأرض والحياة والأهازيج في منطقة الجنوب السوري، وتحديدًا في مدينة درعا المجاورة لمدينتي السويداء. ولربما كان كل هذا التشابه الحي في كل المقومات الثقافية للمدينتين هو ما شدّني من قلبي لقراءة جميل حتمل، كأنه رسم لي خطًا يبدأ من فناء القلب الخلفي إلى عالمٍ يقتات على الظلم مثلما يقتات على صراخ الملايين بتعرية هذا الظلم ومواجهته.
وحين زاد بي العمر قليلًا، صرت أبحث أكثر عن هذا الكاتب، لأعرف فيما بعد أنه شارك بإصدار ما عُرف بـ”الكراس” الأدبي الذي تزامن مع أحداث تل الزعتر، والذي أعلن موقفه برفض المذبحة التي تعرّض لها الفلسطينيون فيه بسبب الغدر والخيانة. وعلى الرغم من أن الفريق المؤسس لـ”الكراس” الأدبي تكوّن من أجمل الأسماء الأدبية السورية (جميل حتمل، وائل سواح، حسان عزّت، فرج بيرقدار، رياض الصالح الحسين، خالد درويش، موفق سليمان، فادية لاذقاني، وبشير البكر، بالإضافة إلى كل من ممدوح عدوان وعلي الجندي)، إلا أن تلك التجربة لم تستمر، ولاحقهم الأمن السوري جميعًا، واعتُقل حينها كل من رياض الصالح الحسين وخالد درويش من حلب. لكن جميل كان عليه أن يترك البلاد ويمضي، وبعد بحثي عنه عرفت أنه ابن الرسام ألفريد حتمل، وكم لفت نظري في ذلك اسم ألفريد.
| من أعمال جمال حتمل |
وحين حملتني دمشق لدراسة الجامعة فيها، رأيت إعلانًا عن معرض يعرض لوحاته، فقادني قلبي وذهبت، ووجدت نفسي معلّقةً في تفاصيل قريتي المشابهة لقريته في درعا، وأحسست أنه يرسمُني. ليصعقني في عام 1994 نبأ رحيل جميل حتمل في فرنسا بسبب جلطة حنين وقهر في القلب، واحتشاء في أوردة الأمل. حينها أدركتُ تمامًا أنني ابنة البلاد التي لا تحمل عشاقها، بل تنفيهم وتقتلهم مع سبق الإصرار والترصّد.
نعم، لم تخب نبوءتي، وعادت البلاد ذاتها ونفتني مثلما نفت جميل حتمل. وهنا في المنفى كان هناك تأسيس لما سُمّي بـ”ضمير سورية”، وهو تجمع حاول حينها حماية ثورة السوريين ضد الأسد، وجمع أصواتها المنفية ذات الخط الواحد على قلبٍ واحد. وهنا في باريس، عرّفني صديقنا الفنان زياد حرب على جمال حتمل. قال لي إنه فنان سوري مقيم في باريس، ولم يكمل التعريف حتى سألت ذلك الرجل الجميل والمشع: هل أنت أخو جميل وابن ألفريد حتمل؟ فأجابني: نعم، نعم، أنا حامل هذين الاسمين كوشم. حينها عرفت أن الدنيا فعلًا صغيرة، وامتد الحديث معه ومع زوجته ماجدة المليئة بالفرح والجمال. بُحت له بما تركه فيّ جميل منذ بدايات الوعي، بكينا عليه معًا، ثم اكتشفت أن جمال حمل في أصابعه موهبة والده وطوّرها، فرسم سورية بكل ما فيها؛ رسم الوجع السوري، والحلم السوري، والبيئة السورية المتعددة والمتنوعة، مراهنًا على اللون فقط لأجل قتل الأسود الذي غزا الرايات والأدمغة.
وكم فرحت حين عرفت أن لوحاته زارت صالات المعارض في فرنسا، وأنه أيضًا حمل في روحه شغف أخيه جميل وإرثه المعرفي والأدبي، إذ أسّس جمال حتمل مع عدد من الكتّاب السوريين في باريس موقع “عبدو البغل”، الذي يُعدّ اليوم أضخم مكتبة رقمية تضم آلاف الكتب والروايات والدراسات والمراجع النادرة، وتحفظ بشكل أكاديمي الذاكرة الثقافية العربية، وخاصة السورية والفلسطينية، وتقدمها للباحثين والقراء في مختلف أنحاء العالم. طال الحديث، واستنتجت منه أيضًا تفاصيل كثيرة عن أخيه جميل الذي غادر الدنيا، لكنه بقي يشع في عيون جمال حتمل البراقة العميقة والجميلة أيضًا، مثلما بقي يسكن صوته المميز والهادئ والحنون، وأيضًا عن والده الذي لا يزال يطل من ريشة جمال كحلمٍ عصيّ على الفناء.
منذ ذلك اليوم وأنا أتبع جمال حتمل ومعارضه، واللقاء الذي أقامته معه قناة فرانس 24 ضمن برنامج “ثقافة”، والذي تحدث فيه عن تجربته الفنية بمناسبة أحد معارضه. حينها وصفت القناة أعماله بأنها لوحات “تعبّر عن الواقع المرّ والمعاش حاليًا في سورية”، وأنه “فنان سخّر الفن للتعبير عن المأساة الإنسانية”، مضيئةً على تجربته الفنية والحضور السوري الطاغي فيها.
وفي مفاجأة صاعقة بالنسبة لي، ومنذ أكثر من أسبوع، كتبت ماجدة، زوجة جمال حتمل، على صفحتها أن وضع جمال الصحي سيئ للغاية، وأنه أُصيب بجلطة قلبية. حينها عرفت أن كتلة كبيرة من القهر والخذلان قد سدّت شرايين قلب جمال حتمل، فاختنق قلبه حزنًا على كل أحلامنا، على كل شهيد رحل وسيرحل في تلك البلاد التي لا تعرف الحب، حزنًا على كل روح حلّقت إلى السماء في زنازين التعذيب وزنازين الرايات السود، وعلى كل أم صاحت ولا تزال تصيح. عندها انقبض قلبي وجلست مطولًا أعيد النظر في عيني جمال البراقتين في الصور، ولصوته في اللقاء، وأعرف أن قلبه لن يحتمل.
نعم، صدقت نبوءتي، ويا ليتها لم تصدق. في يوم 14 تموز/ يوليو، في ذكرى مجزرة السويداء الأولى، رحل جمال حتمل، ورحلت معه أحلامنا التي شنقتها البلاد من حبل سرتها الطويل. وهناك، في السماء التي رُصفت بأرواح من نحب، قد يلتقي جمال بالرسام والفنان وفيق شيا الذي قتلوه في السويداء، وقد يلتقي بجميل وألفريد. قد يحدثهم عن مكتبة “عبدو البغل”، وعن لوحاته التي لم تنسَ أي تفصيل سوري، ولربما يحدثهما عني وعن قلبي الذي، برحيله هذا، عاد وانكسر.