بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية… موقع درج
يبدو أن الاتّفاق ما يزال مرهوناً بهجوم عسكري من تل أبيب وضغط داخلي في طهران وواشنطن، وبذلك يبدو أنه أقلّ من اتّفاق وأكثر من تسوية بقليل، وأغلب الظنّ أنه تشكّل بفعل ضغوط سوق الطاقة، والإرهاق العسكري، وحسابات ترامب الانتخابية وخلافات مواقع القوّة في النظام الإيراني.
يشكّل اتّفاق وقف إطلاق النار الذي توصّلت إليه أميركا وإيران لإنهاء الحرب برعاية باكستانية، حدثاً سياسياً مهمّاً في المنطقة نشأ على أنقاض حرب مدمّرة امتدّت لأشهر.
وقد لعبت باكستان دور الوسيط الرئيسي في هذه العمليّة، إضافة إلى دول عربية خليجية فاوضت حتى آخر نفس لتيسير الأمور المتعسّرة، كما دخلت سويسرا على خطّ التفاوض مجدّداً بين أميركا وإيران، بصفتها الطرف الذي سيرعى التوقيع الرسمي على الاتّفاق يوم الجمعة المقبل.
طوال فترة المفاوضات التي تعثّرت مراراً وتكراراً، كان مضيق هرمز من أكثر بنودها حساسية، ففي حين شدّدت الولايات المتّحدة على ضرورة فتحه من دون شروط ورفع إيران القيود المفروضة على الملاحة، كانت طهران متشبّثة باحتكار حركة المضيق وبحقّها في تحصيل رسوم عبور السفن.
أما العقبة الأكثر إشكالية في المفاوضات فكانت جبهة لبنان، ففي حين كان الطرف الإيراني يزعم أن لبنان مشمول بالاتّفاق، كان رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يتصرّف بناء على أن هذه الجبهة شأن إسرائيلي، ويستمرّ جيشه في قضم المزيد من الأراضي اللبنانية.
لذلك، في الوقت الذي كان فيه ترامب يضع اللمسات الأخيرة على الاتّفاق، استهدفت إسرائيل ضاحية جنوبية بيروت بسلسلة من الغارات أسفرت عن قتلى وجرحى بينهم مدنيون، ممّا أثار استياء ترامب، وقال إنه ما كان ينبغي أن يحدث، ووصف نتانياهو بأن “رجل صعب جداً، ويفتقر إلى حسن التقدير”، فيما اعتبرت طهران الهجوم دليلاً على افتقار واشنطن إلى المصداقية في التزاماتها، وشكّكت في قدرتها على تقديم الضمانات اللازمة لتنفيذ الاتّفاق.
إعلامياً، سارع ترامب إلى الإعلان عن الاتّفاق وكتب على حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي: “تمّ إبرام الاتّفاق مع إيران. تهانينا للجميع!”، لكن في المقابل لم يصدر عن طهران أيّ تصريح أو شرح لما حدث، وادّعت وسائل إعلام محلّية أن نصّ اتّفاق إسلام آباد لا يزال قيد المراجعة على المستويات السياسية والقانونية والفنّية والعسكرية داخل إيران، وأن إعلان ترامب لا يعني بالضرورة الموافقة على جميع التفاصيل، وفي وقت لاحق بثّ التلفزيون الإيراني الرسمي نصّ الاتّفاق مترجماً إلى الفارسية، لكن حتى الآن لم يصدر أيّ تعليق أو تصريح رسمي من قِبل أيّ مسؤول إيراني يلاقي تصريحات ترامب.
كانت طهران ومدن إيرانية أخرى شهدت قبل أيّام من إعلان الاتّفاق، تظاهرات لجماعات متشدّدة تعارضه، وهتف المحتجّون ضد وزير الخارجية عبّاس عراقجي ورئيس البرلمان محمّد باقر قاليباف والتفاوض مع الأميركي بشكل عامّ، ووصفوا الاتّفاق بأنه “خيانة” و”تراجع عن ثوابت المرشد”، ممّا يشي أن تأخّر إعلان طهران عن الاتّفاق سببه حسابات وخلافات داخلية على مستوى القيادة، بين فريقين لطالما كانا يملكان وجهتي نظر متناقضتين إزاء مسألة التفاوض: فريق ينزع نحو الحلول الدبلوماسية وفريق يؤمن بالقوّة فقط.
في الولايات المتّحدة، برز أيضاً فريقان ووجهتا نظر في التعاطي مع الملفّ الإيراني بشكل عامّ ومع اتّفاق إسلام آباد بشكل خاصّ، وهما الفريق المفاوض المندفع خلف ترامب، وفريق داعمي إسرائيل الأشدّاء المرتابين من أن تستفيد طهران من الاتّفاق الحالي، باستعادة بعض أصولها المجمّدة واستئناف صادراتها النفطية، فينتعش نظامها مجدّداً، ما يعني أن الحرب لم تؤتِ ثمارها.
قد يمثّل اتّفاق إسلام آباد؛ بانتظار توقيعه الرسمي في سويسرا، حدثاً سياسياً مهمّاً ونقطة تحوّل في الحرب الإيرانية الأميركية أو في العلاقة المتشجنّة بينهما، لكن لا يمكن اعتباره نهاية للحرب ولا لحالة “العداء” بعد، وقد يكون مجرّد استراحة بين حربين.
فما يظهر حتى الآن أن الاتّفاق أهمل التفاصيل التي تكمن فيها الشياطين، بينما اهتمّ بالعناوين الكبرى، مثل: وقف العمليّات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن بعض الأصول الإيرانية المجمّدة، وبدء المحادثات الفنّية والنووية التي ستناقش البرنامج النووي الإيراني ومخزونات اليورانيوم المخصّب في الفترة المقبلة في مهلة قد تمتدّ لستّين يوماً، واحتواء الحرب الإسرائيلية في لبنان، وهي عناوين تحوي ضمناً نقاطاً لاشتعال خلاف جديد، في حال أصرّ المتشدّدون الإيرانيون والأميركيون على موقفهم الرافض للاتّفاق، أو في حال تنصّل نتانياهو من أيّ التزامات.
في المحصّلة، يبدو أن الاتّفاق ما يزال مرهوناً بهجوم عسكري من تل أبيب وضغط داخلي في طهران وواشنطن، وبذلك يبدو أنه أقلّ من اتّفاق وأكثر من تسوية بقليل، وأغلب الظنّ أنه تشكّل بفعل ضغوط سوق الطاقة، والإرهاق العسكري، وحسابات ترامب الانتخابية وخلافات مواقع القوّة في النظام الإيراني.