ملخص
الحديث المتزايد عن “صعود القوى المتوسطة” يخفي واقعاً أكثر قسوة، إذ إن هذه الدول لا تزداد قوة بقدر ما تصبح أكثر عرضة للضغوط وسط احتدام الصراع بين الولايات المتحدة والصين. فالعولمة التي منحتها هامش المناورة والازدهار بدأت تتفكك، بينما تتحول التكنولوجيا والطاقة والتجارة إلى أدوات إكراه سياسي. ويجادل كاتب النص بأن التحالفات المرنة أو التكتلات مثل “بريكس” و”آسيان” عاجزة عن خلق قطب مستقل، مما يدفع القوى المتوسطة في النهاية إلى الاصطفاف خلف قوة عظمى توفر لها الحماية والنفوذ، ولو على حساب جزء من استقلاليتها.
في يناير (كانون الثاني) الماضي، حذر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني القادة المجتمعين في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس من أن الدول التي تجد نفسها بين واشنطن وبكين في حاجة إلى التوقف عن التفاوض منفردة. وقال: “إذا لم نكن حاضرين على طاولة المفاوضات، فسنكون على قائمة الطعام”. وقد لخصت هذه العبارة جو المرحلة والمزاج السائد فيها. ففي مختلف العواصم والمؤتمرات، عادت القوى المتوسطة فجأة إلى الواجهة. فتقارير مراكز البحوث ومقالات الصحف تتحدث عن الهند باعتبارها دولة محورية متأرجحة، وتقدم البرازيل وإندونيسيا والسعودية وتركيا كنماذج ناجحة للتحوط والموازنة بين القوى، وتحث أستراليا وكندا وأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية على مزيد من التنسيق في ما بينها وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. وقد تبع ذلك ظهور مصطلحات جديدة مثل “الاستقلال الاستراتيجي” و”تعدد التحالفات” و”التحالفات المصغرة”، و”التحالفات المتبدلة”.
والتفسير المعتاد والشائع هو أن كل هذا النشاط يشير إلى ولادة عالم متعدد الأقطاب. فالولايات المتحدة، تفقد سيطرتها. وقد أدى صعود بقية القوى إلى خلق بدائل للنظام الذي يهيمن عليه الغرب. والتسلسل الهرمي القديم يفسح المجال لنظام أكثر مرونة، تستطيع فيه الدول المتوسطة أن تساوم وتلعب دور الوسيط وتستغل تناقضات القوى العظمى والتنافس القائم بينها.
لكن هذا التفسير يخلط بين القلق والقوة. فالقوى المتوسطة لا تصبح أكثر بروزاً لأنها أصبحت أقوى، بل لأنها أصبحت أكثر تعرضاً للمخاطر. فالظروف التي سمحت لكثير منها بالازدهار في العقود الأخيرة بدأت تتآكل. لأعوام طويلة، استطاعت هذه الدول الاحتماء تحت مظلة الهيمنة الأميركية، والاستفادة من اقتصاد عالمي آخذ في التوسع، والتجارة مع قوى متنافسة من دون الاضطرار إلى الاختيار بينها. هذه الدول استطاعت الاستفادة من مزايا الدول الكبيرة (مثل النفوذ الاقتصادي واتساع الاسواق) على رغم أنها ليست كبيرة الحجم أو القوة فعلياً.
غير أن ذلك العالم يتلاشى الآن. فقد تباطأ النمو، وتحولت العولمة إلى صراع على نقاط الاختناق الاستراتيجية، وأصبحت القوى الكبرى أكثر افتراساً. وباتت الولايات المتحدة أكثر استعداداً لاستخدام هيمنتها من أجل انتزاع التنازلات. أما الصين فتستخدم الدعم الحكومي وفوائض التصدير لإضعاف الصناعات في دول أخرى، وتستغل الديون والبنية التحتية لجعل تلك الدول تابعة، إضافة إلى المضايقات العسكرية والعقوبات الاقتصادية لتضييق خياراتها. والنتيجة ليست عالماً أقل هرمية وأكثر تساوياً تصعد فيه القوى المتوسطة، بل عالماً أشد قسوة تمتلك فيه القوتان العظمتان مزيداً من الوسائل لإخضاع الآخرين لإرادتهما.
والخطر يكمن في أن تستجيب القوى المتوسطة لهذا الواقع الجديد بالرمزية بدلاً من الاستراتيجية. فالقمم والشراكات قد تخلق مظهراً من مظاهر الاستقلالية، لكنها لا يمكن أن تحل محل القوة الصلبة، التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على القدرة على تمويل وبناء وإدارة أنظمة ضخمة في مجالات التكنولوجيا والصناعة والاستخبارات والخدمات اللوجيستية والقوة العسكرية. كما أن معظم الدول لا تستطيع ببساطة الاستمرار في التأرجح بين الولايات المتحدة والصين، فتشتري الأمن من إحداهما، والبضائع من الأخرى، وتحصل على الوصول إلى الأسواق من كلتيهما. ومع اشتداد التنافس، سيبدو التحوط خيانة. فواشنطن وبكين ستجبران الدول على إظهار موقفها من خلال تقييد التكنولوجيا، وإعادة توجيه سلاسل التوريد، وحجب المعلومات الاستخباراتية، ومنع الاستثمارات، ورفع الرسوم الجمركية، أو التهديد بالرد العسكري. ففي عالم يزداد هرمية، لا يشكل الوسط فيه مساحة مفتوحة تتحرك فيها القوى المتوسطة وتناور بحرية، بل حقل ألغام.
ولا تزال لدى القوى المتوسطة أوراق يمكن أن تلعبها. فكثير منها يسيطر على أصول تحتاج إليها الولايات المتحدة والصين، على غرار الموارد، والقواعد العسكرية، والموانئ، والمصانع، والتقنيات، والجيوش. لكن هذه المجالات لا تضمن الاستقلالية. فهي لا تولد الأمن والازدهار إلا عندما تكون مدمجة ضمن أنظمة أوسع نطاقاً توفر الحماية والتكنولوجيا والتمويل والأسواق. ولذلك، فإن الطريق إلى الأمام لا يتمثل في البحث المستمر عن تحالفات وتغيير الشركاء حسب المصلحة اللحظية بهدف الالتفاف على واشنطن وبكين، بل في الاصطفاف: أي اختيار نظام القوة العظمى الذي يقدم أفضل حماية ضد أخطر تهديد يواجه الدولة، ثم بناء القوة الوطنية واستخدامها للتفاوض على النفوذ داخل ذلك التحالف. وهذا يلغي وهم حرية الاختيار المطلقة، ولكنه يحافظ على ما هو أثمن: القدرة على البقاء والازدهار في عالم أكثر خطورة.
قلب الموازين
طوال معظم التاريخ المدون، كانت القوى المتوسطة مهددة بالانقراض. فمنذ نحو عام 200 قبل الميلاد وحتى عام 1800 ميلادي، كان أكثر من نصف البشرية يعيش، في أي وقت تقريباً، تحت سيطرة ثلاث إلى خمس إمبراطوريات فحسب. وقد وجدت كيانات سياسية متوسطة الحجم، لكنها كانت تهزم وتزال مراراً وتكراراً مع صعود المراكز الإمبراطورية وأفولها.
وكانت أوروبا الاستثناء الأبرز. فبعد انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس، لم يتمكن أي حاكم مرة أخرى من السيطرة على أكثر من خمس سكان القارة تقريباً. لكن التشرذم لم يجعل أوروبا ملاذاً آمناً للقوى المتوسطة، بل أنتج ساحة وحشية كانت فيها الحروب تصنع الدول، والدول تصنع الحروب. فقد قضت المنافسة على الضعفاء، وقوت الأقوياء، وأنتجت في النهاية مفترسين صناعيين. وبحلول عام 1900، تقلص عدد الكيانات السياسية الأوروبية الذي كان يقارب 500 كيان عام 1500، إلى نحو 20 فحسب، وأسست تلك القوى إمبراطوريات غطت ما يقارب 85 في المئة من مساحة اليابسة في العالم.
باتت القوى المتوسطة أكثر ظهوراً لأنها عرضة للمخاطر
ولم تزدهر القوى المتوسطة إلا بعدما حطمت الحربان العالميتان هذا النظام الإمبراطوري. فقد أضعفت الحربان القوى العظمى وأفقدتها صدقيتها، وفي الوقت نفسه ساعدتا في تحويل الشعوب الخاضعة إلى أمم ذات سيادة. وكانت الثورة الصناعية قد بدأت بالفعل في ربط المجتمعات بعضها بعضاً من خلال السكك الحديد، والتليغراف، والتعليم، والإنتاج الضخم، وتوسع البيروقراطيات. وقد سرعت الحربان العالميتان هذه العملية من خلال تعبئة الملايين، بمن فيهم سكان المستعمرات، ضمن جيوش ضخمة، واقتصادات وطنية، وإدارات مركزية. وبعد عام 1945، استخدمت مجتمعات كثيرة التنظيم والوعي القومي اللذين صاغتهما الحرب ضد الحكم الإمبراطوري. وكانت النتيجة انقلاباً تاريخياً: فبدلاً من أن تدمج الدول في الإمبراطوريات، انقسمت الإمبراطوريات إلى دول. وارتفع عدد الدول ذات السيادة بصورة كبيرة، وتضاعف أربع مرات في نهاية المطاف، مما أدى إلى ظهور عشرات القوى المتوسطة المحتملة.
لقد حولت الحرب الباردة عملية إنهاء الاستعمار إلى مرحلة ممتدة لصعود القوى المتوسطة. وفي خضم التنافس الأيديولوجي العالمي، كان لدى القوتين العظميين دوافع للاعتراف بالدول الجديدة، وحماية الشركاء الأضعف، والتنافس على النفوذ في ما بينهما. وقد بسطت الولايات المتحدة مظلة أمنية واقتصادية فوق أميركا الشمالية وأوروبا الغربية وسلسلة الجزر الأولى في شرق آسيا، الممتدة من اليابان مروراً بتايوان وصولاً إلى الفيليبين. ونشرت واشنطن قواتها في الخارج، وفتحت أسواقها، وزودت حلفاءها برؤوس الأموال والتكنولوجيا. ولم يكن النظام الذي قادته الولايات المتحدة حميداً في كل مكان: فقد ساعدت واشنطن في إسقاط حكومات في تشيلي وغواتيمالا وإيران، وحولت الهند الصينية إلى ساحة معركة خلال حرب فيتنام. لكن بالنسبة إلى حلفاء مثل أستراليا وكندا واليابان وألمانيا الغربية، وفرت الهيمنة الأميركية ملاذاً آمناً. إذ أفسحت لهم المجال ليصبحوا أغنياء وآمنين وذوي نفوذ من دون أن يتحولوا هم أنفسهم إلى قوى عظمى.
أما الهيمنة السوفياتية فكانت أشد قسوة وأفقر. فقد خنقت الاستقلالية في أوروبا الشرقية، وأججت العنف الثوري في أجزاء من أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. لكنها أيضاً أسهمت في خلق عالم من القوى المتوسطة. فقد دعمت موسكو إنهاء الاستعمار، وسلحت الأنظمة الصديقة ودعمتها، وبنت القدرات الصناعية في أوروبا الشرقية. وبدلاً من ضم الدول المتوسطة الحجم بصورة مباشرة، حكمها الاتحاد السوفياتي في كثير من الأحيان بصورة غير مباشرة، من خلال أنظمة تابعة في بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية والمجر وبولندا، إضافة إلى أنه دعم حلفاء خارج أوروبا مثل كوبا وفيتنام. وافتقر عدد من شركاء الاتحاد السوفياتي إلى استقلال حقيقي، لكنهم احتفظوا بحدودهم وبيروقراطياتهم وجيوشهم وقواعدهم الصناعية ومقاعدهم في المؤسسات الدولية.
ومعاً، وفرت هاتان القوتان العظميان المتنافستان الأساس الأمني اللازم لظهور قوة متوسطة. فقبل عام 1945، كانت الدول تمحى بانتظام من الخريطة. أما بعد 1945، فقد أصبح زوال الدول نادراً، إذ انخفض من نحو دولة واحدة كل ثلاثة أعوام إلى دولة واحدة كل 30 عاماً تقريباً. وبالنسبة إلى كثير من الدول، تراجع خطر الغزو إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً.
الفرص تتدفق
لم يكن البقاء سوى الشرط الأول لمرحلة صعود القوى المتوسطة. لكن ما حول الدول المحمية إلى دول مزدهرة وذات نفوذ هو أكبر طفرة نمو عالمية في التاريخ، مع انتشار التصنيع إلى ما هو أبعد بكثير من مركزه الغربي الأصلي. فعلى مدى آلاف الأعوام، عاشت معظم المجتمعات قرب مستوى الكفاف، مقيدة بندرة مصادر الطاقة، وضعف الإنتاجية الزراعية، وسوء الحال الصحية، وقصر متوسط العمر. وقد كسر التصنيع هذا الحاجز من خلال تسخير الوقود الأحفوري والآلات والبنية التحتية الحديثة. وبحلول الحرب الباردة، لم تعد الدول التي تأخر نموها مضطرة إلى بناء اقتصادها الحديث من الصفر. فقد بات بإمكانها استعارة التقنيات التي اخترعت في أماكن أخرى، واستيراد الآلات، وتقليد أساليب الإنتاج المجربة، ونقل العمال من المزارع إلى المصانع، وجني فوائد الكهرباء والصرف الصحي والتحضر والتصنيع الضخم. وبالنسبة إلى القوى الصاعدة، وفر لها ذلك مساراً تصاعدياً سريعاً نحو التصنيع.
وقد جعل النظام بقيادة الولايات المتحدة اتخاذ هذا المسار أسهل. فبفضل الحماية الأميركية، تمكنت عشرات الدول من الازدهار من دون الحاجة إلى السيطرة على مستعمرات، أو بناء أساطيل بحرية عابرة للمحيطات، أو الدفاع الكامل عن سلاسل التوريد الخاصة بها. لقد أبقت الولايات المتحدة الممرات البحرية مفتوحة، ورسخت النظام المالي القائم على الدولار، وأشرفت على عالم تتدفق فيه رؤوس الأموال والسلع والطاقة والتكنولوجيا بسهولة غير مسبوقة، خصوصاً مع ظهور الحاويات البحرية والتنسيق الرقمي اللذين سمحا بتوسع الإنتاج العالمي.
وأصبحت البلدان التي كان من الممكن أن تقيد في الماضي بسبب صغر أسواقها أو خطورة جيرانها أو محدودية مواردها قادرة على الانخراط في اقتصاد عالمي ليست مضطرة إلى حمايته بنفسها. فتحولت المكسيك وبولندا وكوريا الجنوبية وتركيا وفيتنام إلى مراكز صناعية. واستفادت أستراليا والبرازيل وتشيلي وإندونيسيا ودول الخليج وجنوب أفريقيا من طفرة السلع الأساس. واكتسبت الهند والفيليبين ثقلاً من خلال تقديم الخدمات، بينما أصبحت إيرلندا وسنغافورة والإمارات العربية المتحدة مراكز تجارية. اختلفت المسارات، لكن النتائج كانت متشابهة: استطاعت الدول التي لا تنتمي إلى فئة القوى العظمى جني فوائد الحجم العالمي من دون أن تمتلك نفوذاً عالمياً.
إن أسس مرحلة صعود القوى المتوسطة تتهاوى
ثم جاءت العولمة لتجعل النمو معدياً. فقد أصبح ازدهار دولة ما، سوق تصدير لدولة أخرى، أو فرصة استثمار، أو طفرة في السلع الأساس لدولة أخرى. وقد أعطى صعود الصين دفعة هائلة لهذه العملية. إذ نما اقتصادها، الذي يضم أكثر من خمس سكان العالم، بمعدلات سنوية مزدوجة الأرقام، فاشترى معظم ما كان لدى القوى المتوسطة لتصديره، محدثاً صدمة في الطلب لم يشهد العالم مثيلاً لها. وبين عامي 1990 و2008، تضاعف الناتج الاقتصادي العالمي ثلاث مرات تقريباً بالقيمة الحالية بالدولار، وتوسعت التجارة العالمية بأكثر من أربعة أضعاف.
وكانت القوى المتوسطة الأكثر استفادة من هذه الطفرة. ففي العقد الأول من القرن الحالي، نمت الاقتصادات النامية بمعدل يقارب ستة في المئة سنوياً، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف وتيرة النمو الأميركية. وحقق ثلثا دول العالم تقريباً نمواً تجاوز أربعة في المئة، أي ضعف سرعة نمو الولايات المتحدة في الأقل. وبعبارة أخرى، لم يكن العالم بمعظمه يزداد ثراءً فحسب، بل كان يلحق بالدول الأكثر تقدماً. وبدا أن العولمة قد حلت مشكلة القوى المتوسطة القديمة. فلم تعد الدول في حاجة إلى إمبراطوريات لاكتساب النفوذ، بل أصبح بإمكانها أن تصبح أكثر ثراءً وترابطاً وتأثيراً بمجرد الاندماج في اقتصاد عالمي متنامٍ.
وقد بدا أن “صعود البقية” الناتج من ذلك يبشر بعصر متعدد الأقطاب. فالقوى المتوسطة لم تكن تنمو فحسب، بل كانت تنظم نفسها أيضاً. وقد توسع الاتحاد الأوروبي شرقاً، وجرى الحديث عنه على نطاق واسع بوصفه قوة عظمى محتملة. وتحولت مجموعة “بريكس” من اختصار شائع ابتكرته “وول ستريت” للاقتصادات سريعة النمو مثل البرازيل وروسيا والهند والصين، إلى تكتل دبلوماسي منح شكلاً مؤسساتياً لفكرة تحول القوة بعيداً من الغرب. وعززت طفرة السلع الأساس نفوذ منظمة “أوبك”، واكتسبت المطالبات بتوسيع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة زخماً أكبر. وبعد عام 2008، حلت مجموعة الـ20 محل مجموعة السبع باعتبارها المنتدى الرئيس لإدارة الأزمات العالمية. وبدا فجأة أن عالماً لم تعد تهيمن عليه حفنة من القوى العظمى ممكناً.
من الصعود إلى الانهيار
لكن أسس حقبة صعود القوى المتوسطة بدأت الآن تتهاوى. فالمظلة التي وفرتها القوى المهيمنة تضعف، والعولمة المفرطة تتفكك، والنمو السريع يتباطأ. وينطبق هذا النمط سواء عرفت القوى المتوسطة من الناحية المادية باعتبارها أكبر 20 اقتصاداً بعد الولايات المتحدة والصين، أو من الناحية السياسية باعتبارها دولاً تحاول المناورة بين واشنطن وبكين. وفي كلتا الحالتين، فإن الدعامات القديمة آخذة في الانهيار.
وكان أول ما تلاشى هو النمو السهل. فالقوى المتوسطة تنمو الآن بوتيرة أبطأ بنحو الربع إلى الثلث مقارنة بفترة الطفرة الاقتصادية الممتدة بين عامي 1990 و2008، مما يجعل اقتصاداتها النموذجية أصغر بأكثر من 20 في المئة مما كانت ستكون عليه لو استمرت الوتيرة السابقة. كما توقفت هذه الدول عن اللحاق بالولايات المتحدة. ففي أوائل الألفية الجديدة، ضاعفت دول كثيرة وزنها الاقتصادي مقارنة بالولايات المتحدة، لكن معظمها تراجع بعدها بمقدار الثلث. وأصبحت أعباء الديون أعلى بنحو الربع مما كانت عليه عام 2005، بينما تحول نمو الإنتاجية إلى سلبي في نحو ثلثي هذه الدول منذ عام 2008.
وهذه ليست مجرد دورة اقتصادية سيئة. فالسلم الذي رفع القوى المتوسطة بدأ يتعطل لأن كثيراً من المكاسب السهلة قد تحقق بالفعل. فالدول لا تستطيع شق الطرق السريعة، وإيصال الكهرباء إلى القرى، وبناء الموانئ، ونقل العمال من الزراعة إلى الصناعة إلا مرة واحدة. وبعد ذلك، يصبح النمو معتمداً أكثر على الابتكار، الذي يصعب توليده ويستغرق وقتاً أطول للانتشار. كما أن التقنيات الجديدة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، لم تحقق بعد مكاسب إنتاجية تضاهي تلك التي أحدثتها الطفرات الصناعية السابقة.
ويزيد الوضع الديموغرافي من تعقيد المشكلة. إذ يعاني ما يقارب ثلاثة أرباع الدول المتوسطة انخفاضاً في معدلات الخصوبة دون مستوى الإحلال، وتراجعاً أو جموداً في القوى العاملة في سن الإنتاج، مع توقع أن يتضاعف عدد كبار السن، في المتوسط، خلال 25 عاماً. وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى انحسار موجة صعود البقية.
مجدداً بدور الفريسة
إن التباطؤ الاقتصادي العالمي منذ عام 2008 دفع الدول الأكثر تسلحاً إلى تعزيز سيطرتها على الأسواق والموارد والتكنولوجيا والأراضي. فقد سعت روسيا إلى ربط جيرانها بمجال اقتصادي تابع لها. وبحلول عام 2010 تقريباً، بدأت تضغط على دول ما بعد الاتحاد السوفياتي للانضمام إلى اتحاد جمركي تقوده موسكو، يهدف إلى خفض الحواجز أمام البضائع الروسية ورفعها في وجه الغرب. وعندما قاومت أوكرانيا ذلك من خلال التوجه نحو اتفاق تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي، مارست موسكو ضغوطاً اقتصادية ثم غزتها عام 2014. أما الصين، فقد ردت على تباطؤ النمو من خلال حزم تحفيزية قائمة على الاستدانة، ودعم صناعي، وإغراق الأسواق بالصادرات، وإقراض خارجي تحول لاحقاً إلى تحصيل ديون قاسٍ، إلى جانب حشد عسكري حول تايوان وبحر الصين الجنوبي. وفي المقابل، أصبحت الولايات المتحدة أكثر ميلاً إلى النهج القائم على الصفقات، مستخدمة الرسوم الجمركية والعقوبات والسياسات الصناعية والقوة العسكرية للتفاوض بصرامة أكبر مع الحلفاء والخصوم على حد سواء. لقد سمحت العولمة المفرطة سابقاً للقوى المتوسطة بالازدهار من دون الحاجة إلى حماية حدودها أو سلاسل التوريد الخاصة بها أو حصصها السوقية بصورة جدية. أما الآن، فلم يعد ذلك ممكناً.
كما لم تعد القوى المتوسطة قادرة على انتزاع الامتيازات من القوى الكبرى بالسهولة نفسها التي كانت عليها في السابق. خلال الحرب الباردة، كان للولاء الأيديولوجي قيمة. فالدول الأضعف كانت مهمة بوصفها أحجار دومينو رمزية، أو قواعد عسكرية، أو مناطق عازلة على خطوط التماس بين المعسكرين الأميركي والسوفياتي، مما أتاح لها المساومة للحصول على المساعدات والأسلحة والوصول إلى الأسواق والدعم الدبلوماسي. وقد لعبت مصر والهند وباكستان ويوغوسلافيا وغيرها هذا الدور. ودعمت القوتان العظميان القوى المتوسطة الحليفة الأساس لها. فقد زودت الولايات المتحدة اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وألمانيا الغربية برأس المال والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق، بينما تغاضت عن السياسات الحمائية التي اعتمدتها تلك الدول لحماية صناعاتها الناشئة. أما الاتحاد السوفياتي، فكان يحافظ على تماسك كتلته من خلال الطاقة الرخيصة، والتجارة التفضيلية، والائتمانات، والأسلحة، والمساعدات، وهي تحويلات بلغت قيمتها عشرات المليارات من الدولارات سنوياً.
أما التنافس الأميركي الصيني اليوم، فيعمل بطريقة مختلفة. فواشنطن وبكين لا تبنيان عالمين متنافسين يفصل بينهما ستار حديدي، بل تتصارعان على الهيمنة داخل اقتصاد عالمي واحد. وهدفهما ليس شراء الولاءات بأي ثمن، بل السيطرة على الأنظمة التي يعتمد عليها الآخرون مثل التمويل، والتكنولوجيا، والمعادن، والطاقة، والشحن، والبيانات. للوهلة الأولى، قد يبدو أن هذه الاستراتيجية تصب في مصلحة القوى المتوسطة التي تسيطر على نقاط اختناق حيوية. فتايوان تهيمن على تصنيع الرقائق الإلكترونية المتطورة، وهولندا تصنع آلات طباعة ضوئية متقدمة (المستخدمة في صناعة الرقائق)، وكوريا الجنوبية تتصدر صناعة رقائق الذاكرة، وتشيلي تعد قوة كبرى في النحاس والليثيوم، وسنغافورة تمثل مركزاً عالمياً للشحن، وتركيا تسيطر على المضائق بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، والقائمة تطول. وهذه الأصول تمنح القوى المتوسطة نفوذاً لكن النفوذ ليس استقلالاً. فالدولة التي تسيطر على عقدة حيوية واحدة يمكنها تعطيل نظام ما. أما الدولة التي تسيطر على عقد متعددة عبر أنظمة كثيرة يمكنها تحديد من يحصل على حق الوصول، وبأي شروط، وبأي ثمن.
هذا هو الفرق بين النفوذ المتخصص (قائم على نقاط تميز محددة) والقوة البنيوية الشاملة. إن الولايات المتحدة تمتلك قوة بنيوية. فالدولار يهيمن على النظام المالي العالمي. والسوق الاستهلاكية الأميركية أكبر من أسواق الدول السبع التالية مجتمعة. كما توفر الشركات الأميركية نحو نصف رأس المال المغامر العالمي (عالي المخاطر)، وتحقق أكثر من نصف إيرادات قطاع التكنولوجيا المتقدمة عالمياً. وتعد الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، والدولة الوحيدة القادرة على خوض حروب كبرى بعيداً من أراضيها، ومزود الأمن لنحو 70 دولة. قد تمتلك قوة متوسطة مصنعاً أو مورداً أو ميناءً أو تقنية رئيسة، ولكن إذا احتاجت إلى دولارات أميركية أو عملاء أو طاقة أو حماية أو برمجيات أو خدمات سحابية، فستظل مضطرة إلى التعامل مع واشنطن.
وتوضح القيود الأميركية على أشباه الموصلات الموجهة ضد الصين هذا التسلسل الهرمي. فالحلفاء ينتجون أجزاء لا غنى عنها من سلسلة توريد الرقائق، لكن الولايات المتحدة تهيمن على كامل المنظومة، بدءاً من التصميم والبرمجيات والمعدات، وصولاً إلى المنصات السحابية والتمويل والأسواق النهائية، فضلاً عن قواعد الرقابة على التصدير التي تطاول حتى الشركات الأجنبية التي تستخدم التكنولوجيا الأميركية. وبعدما فرضت واشنطن قيوداً كبيرة على الرقائق عام 2022، احتج الحلفاء ثم سعوا إلى الحصول على إعفاءات لشركاتهم. لكن اليابان وهولندا اعتمدتا في النهاية قيوداً مماثلة، ولا تزال الشركات الكورية الجنوبية والتايوانية في حاجة إلى تفويض أميركي لمواصلة تشغيل مصانعها في الصين.
وأظهرت تعريفات “يوم التحرير” التي أعلنها ترمب في أبريل (نيسان) 2025 النمط نفسه. فقد استشاطت القوى المتوسطة غضباً من الرسوم التي فرضت على معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، بمن فيهم الحلفاء المقربون. لكن قلة فقط حاولت الرد بصورة جماعية، وعدد أقل نجح في إجبار واشنطن على التراجع. وقد اختارت معظم الدول التفاوض بصورة ثنائية للحصول على نسخ مخففة من التعريفات، ساعية إلى معدلات أقل أو إعفاءات قطاعية أو تخفيف جزئي مقابل تعهدات استثمارية وشراء بضائع أميركية وتقديم تنازلات سياسية. لقد تمكنت هذه الدول من التفاوض على شروط الضغط الأميركي، لكنها لم تستطع الإفلات من الضغط نفسه.
“بريكس” هو تكتل يحركه الشعور بالغبن
وتخلق بكين نسخة مختلفة من التسلسل الهرمي نفسه. فهي تفتقر إلى النفوذ المالي والأمني الذي تملكه واشنطن، لكن حجمها الصناعي يسمح لها بجذب الدول الأخرى إلى سلاسل توريد تتمحور حول الصين. ويمكن لبنوكها الحكومية تمويل مشاريع بنية تحتية وصناعية هائلة، بينما تنتج مصانعها نحو ثلث السلع المصنعة في العالم، مع حصص مهيمنة في بناء السفن والبطاريات والسيارات الكهربائية والطائرات المسيرة، والألواح الشمسية ومعالجة العناصر الأرضية النادرة. وهذا يمنح بكين وسائل عديدة للضغط على القوى المتوسطة. فهي تستطيع شراء المواد الخام، وإغراق الأسواق بالصادرات الرخيصة، وحجب التمويل أو الدعم الإنشائي عن المشاريع غير المكتملة، واستغلال اعتماد المصانع الأجنبية على المكونات الصينية. فإندونيسيا تمتلك النيكل، لكن الشركات الصينية تسيطر على جزء كبير من عمليات تكريره. والمكسيك وفيتنام تستفيدان من انتقال سلاسل التوريد خارج الصين، لكن عدداً كبيراً من مصانعهما لا يزال يعتمد على المدخلات الصينية. وقد تسيطر القوى المتوسطة على أجزاء قيمة من النظام، لكن الصين غالباً ما تتحكم بالإطار الصناعي المتكامل المحيط بتلك الأجزاء.
أما القوة العسكرية، فهي شديدة الهرمية أيضاً. فقد منحت الطائرات المسيرة والصواريخ والألغام والهجمات السيبرانية القوى المتوسطة نفوذاً أكبر. لكن إلحاق الأذى بالغزاة قرب حدود الوطن لا يشبه إبراز القوة في الخارج. وقد أظهرت العمليات الأميركية خلال العام الماضي الفرق بوضوح. ففي فنزويلا، أمضت الولايات المتحدة أشهراً تراقب تحركات زعيم البلاد، نيكولاس مادورو، ثم أطلقت أكثر من 150 طائرة من 20 موقعاً، وقطعت الكهرباء عن أجزاء من كاراكاس، وعطلت الدفاعات الفنزويلية، وأدخلت على وجه السرعة قوات خاصة وعملاء من مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى العاصمة بالمروحيات لاعتقال مادورو ونقله إلى سفينة حربية أميركية. وفي مواجهة إيران، تعقبت الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية تحركات القادة الإيرانيين واستهدفتهم قبل أن يتمكنوا من التفرق. وعطلت القوات السيبرانية والفضائية مراكز القيادة الإيرانية. وبعدها انطلقت أكثر من 100 طائرة أميركية من البر والبحر في موجة متزامنة، وضربت أكثر من 1000 هدف، وأطاحت معظم القيادات الإيرانية العليا، ودمرت دفاعات البلاد الجوية وقواتها الجوية والبحرية وقوات الصواريخ. وعندما ردت طهران، اعترضت الطواقم الأميركية مئات الصواريخ والطائرات المسيرة المتجهة نحو السفن والقواعد الخليجية.
وهذا هو الفرق بين إحداث الاضطرابات وامتلاك زمام القيادة. فبعض القوى المتوسطة تستطيع جعل الجيوش الأقوى تنزف. لكن لا يمكن لأي منها تتبع آلاف الأهداف باستمرار، وتحريك القوات عبر مسافات طويلة، وحمايتها أثناء التنقل، وإعادة تزويدها بالوقود والذخيرة، ودمج المعلومات الاستخباراتية عبر مختلف المجالات، ومواصلة القتال لأسابيع أو أشهر بعيداً من الوطن. وحتى المقاومة الناجحة تعتمد عادة على منظومة أكبر. فأوكرانيا، على سبيل المثال، قاتلت ببراعة، لكنها لم تتمكن من ذلك إلا من خلال اندماجها في شبكة غربية من التمويل والاستخبارات والدفاع الجوي والتدريب والاتصالات والذخيرة.
التموضع الوسطي غير مستدام
إذا عادت القوى المتوسطة لتكون فريسة سهلة، فإن الرد البديهي هو أن تتحد معاً. كانت تلك رسالة كارني في دافوس، والدافع وراءها مفهوم. فالتحالفات تستطيع تضخيم أصوات القوى المتوسطة ومنحها نفوذاً في قضايا محددة. لكنها لا تستطيع تحويلها إلى قوى عظمى، ولا أن تضمن لها مقعداً دائماً على الطاولة.
تكمن المشكلة الأولى في الحجم. فالعالم ليس متعدد الأقطاب. ووفق المقاييس الأساس للقوة، تتفوق الولايات المتحدة بصورة ساحقة على الجميع، وتأتي الصين عادة في المرتبة الثانية، بينما تبقى كل الدول الأخرى متأخرة بفارق واسع. والفجوة بين القوتين العظميين وبقية القوى أكبر بكثير من الفجوات القائمة بين القوى المتوسطة نفسها.
هذا التفاوت الحاد يعني أنه حتى أوسع التحالفات الممكنة بين القوى المتوسطة لا تستطيع تشكيل قطب عالمي مستقل. لنأخذ على سبيل المثال تصنيف “مركز بيلفر” بجامعة هارفرد لثلاث عشرة “قوة متوسطة”، وهي البرازيل، ومصر، والهند، وإندونيسيا، وكازاخستان، ونيجيريا، وباكستان، والسعودية، وسنغافورة، وجنوب أفريقيا، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة، وفيتنام. حتى وهي مجتمعة، لا تشكل اقتصادات هذه الدول سوى أقل من نصف الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، ونحو خمسي سوقها الاستهلاكية، وما يقارب ربع إنفاقها العسكري، ولا شيء تقريباً من عائدات قطاع التكنولوجيا المتقدمة الرائدة عالمياً. بل إن مركز بيلفر نفسه يصفها بأنها ” كتلة غير منسجمة”.
وحتى التحالفات المتخيلة لا ترقى إلى المستوى المطلوب. فلو جمعت الدول المصنفة من الثالثة إلى العاشرة وفق أي مقياس رئيس للقوة، سواء الناتج المحلي الإجمالي بأسعار الصرف السوقية، أو حجم السوق الاستهلاكية، أو الإنفاق العسكري، أو عائدات التكنولوجيا المتقدمة، فهي ستظل غير قادرة على مجاراة الولايات المتحدة. بل إن قيام مثل هذه التكتلات يبدو مستبعداً إلى حد كبير، لأنها ستتطلب من بعض أقرب حلفاء واشنطن الاصطفاف مع روسيا. ومع ذلك، حتى على الورق، سيظل ناتجها المحلي أقل من الناتج الأميركي، وسوقها الاستهلاكية أصغر بنحو الربع، وإنفاقها العسكري لا يتجاوز ثلثي الإنفاق الأميركي، وعائداتها التكنولوجية أقل من النصف.
لكن الحجم ليس سوى المشكلة الأولى. فالعقبة الأعمق هي السياسة. فتحالفات القوى المتوسطة تواجه معضلة أساس: كلما كبرت، ازدادت قوتها، لكن أصبح الحفاظ على تماسكها أصعب. وتستطيع التكتلات الصغيرة التحرك بسرعة، لكنها تفتقر إلى الوزن الكافي للتأثير. أما التكتلات الكبيرة فهي تكتسب نفوذاً، ولكن في المقابل تكثر فيها الأطراف القادرة على عرقلة القرارات، وتزداد التنافسات، ويظهر المستفيدون مجاناً. وللتغلب على هذه المشكلات، تحتاج التحالفات الناجحة عادة إلى طرف محوري يشكل مرساة للتحالف: دولة داخل التحالف تكون مستعدة وقادرة على قيادته نحو هدف مشترك من خلال تحمل الكلف، وطمأنة المترددين، ومعاقبة المنشقين. وقد لعبت المملكة المتحدة هذا الدور ضد نابليون. ولعبه البريطانيون، ثم لاحقاً السوفيات، ضد هتلر إلى أن دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. ولا توجد اليوم أي قوة متوسطة تؤدي هذا الدور. ونتيجة لذلك، لا يوجد تحالف جاد للقوى المتوسطة.
أسهل طريقة لبناء تحالف بين القوى المتوسطة هي تحت حماية القوى العظمى. لكن هذا الحل يخلق مفارقة. فالمظلة التي توفرها القوى المهيمنة تساعد القوى الوسطى على تجميع مواردها وتجاوز انقساماتها الداخلية، لكنها في الوقت نفسه تضعف قدرتها على الوقوف بمفردها. فهي، كالبيوت الزراعية، تسمح لنبات هشة بالنمو، لكنها تتركها غير مهيأة لمواجهة طقس شديد القسوة.
ويجسد الاتحاد الأوروبي هذه المفارقة. فالاتحاد غني وذو مؤسسات راسخة، ويبدو وكأنه أنجح تحالف للقوى المتوسطة في العالم. لكن الاتحاد الأوروبي هو نتاج الهيمنة الأميركية، وليس بديلاً عنها. فقد جعلت الحماية الأميركية الاندماج الأوروبي ممكناً من خلال كبح المعضلات الأمنية القديمة في القارة. إلا أنها في الوقت نفسه، كبحت إرادة أوروبا وقدرتها على امتلاك قوة صلبة. وبدلاً من ذلك، أصبحت أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة قوة عظمى في الرفاه الاجتماعي، تنفق أقل من اثنين في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، لكنها تنفق نحو 25 في المئة على الحماية الاجتماعية، أي أكثر من نصف الإجمالي العالمي في هذا المجال، على رغم أنها لا تضم سوى خمسة في المئة من سكان العالم. وكانت النتيجة اعتماداً مفرطاً على الولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات، وتحديد الأهداف، والتزود بالوقود، والدفاع الجوي، والخدمات اللوجيستية، والذخائر، وقدرات الضربات بعيدة المدى. وقد واجهت أوروبا مراراً صعوبة في إدارة الأزمات داخل قارتها نفسها، من البلقان إلى أوكرانيا، فضلاً عن إبراز نفوذها في الخارج.
واعتادت أوروبا شراء ما تحتاج إليه من اقتصاد عالمي تحميه الولايات المتحدة، بدلاً من بناء قوة صناعية محلية. وركزت على وضع القواعد، مفترضة أن الآخرين سيتبنون معاييرها، لكنها انتهت بدلاً من ذلك إلى تنظيم أوقعها في هشاشة طاقوية وركود تكنولوجي. فأغلقت محطات الطاقة النووية، وحظرت تقنية التصديع (لاستخراج الوقود الأحفوري)، وأصبحت الآن تستورد 60 في المئة من حاجاتها من الطاقة. وقبل الحرب في أوكرانيا، كانت روسيا تزود أوروبا بنحو نصف وارداتها من الغاز والفحم، وأكثر من ربع وارداتها من النفط. ومنذ ذلك الحين، استبدلت أوروبا اعتمادها على روسيا باعتماد أكبر على الولايات المتحدة.
وفي مجال التكنولوجيا، لا توجد سوى أربع شركات أوروبية بين أكبر 50 شركة تكنولوجيا في العالم بحسب القيمة السوقية، مقابل نحو 30 شركة أميركية. وبين عامي 2013 و2023، انخفضت حصة أوروبا من إيرادات التكنولوجيا العالمية من 22 في المئة إلى 18 في المئة، في حين ارتفعت حصة الولايات المتحدة من 30 في المئة إلى 38 في المئة. فأوروبا تنظم الرأسمالية الرقمية، لكنها نادراً ما تنتجها. فمع غياب شركات بحجم “أمازون”، و”غوغل”، و”ميتا”، و”مايكروسوفت”، أصبح جزء كبير من الاقتصاد الرقمي الأوروبي حالياً يعتمد على منصات أميركية: الحوسبة السحابية، وبرمجيات الأعمال، والأمن السيبراني، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وأنظمة تشغيل الهواتف الذكية، وأنظمة الدفع.
والاتجاه العام هو التراجع النسبي. ففي عام 2008، كان اقتصاد الاتحاد الأوروبي أكبر من الاقتصاد الأميركي ويمثل 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. أما بحلول عام 2024، فأصبح أصغر بمقدار الثلث من اقتصاد الولايات المتحدة، وانخفضت حصته من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 17 في المئة.
أما التحالفات الأخرى للقوى المتوسطة فهي أضعف من ذلك بكثير. فمجموعة “بريكس”، التي بدأت باسم “بريك” قبل انضمام جنوب أفريقيا إليها، توسعت منذ ذلك الحين لتضم مزيداً من الأعضاء والدول الشريكة، بما في ذلك إيران. ولكن بدلاً من أن تتحول إلى ثقل موازن مضاد لسياسات الإكراه التي تمارسها القوى العظمى، أصبحت “بريكس” تكتلاً يحركه الشعور بالغبن، يجمع القوى المتوسطة مع الصين وروسيا، وهما تحديداً القوتان المتنمرتان اللتان يريد كثير من الأعضاء التحوط ضدهما. فالأعضاء يرفضون الهيمنة الغربية، لكنهم أيضاً لا يثقون ببعضهم بعضاً: فالهند تخشى الصين، وإيران تتصادم مع دول الخليج. وعندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران هذا العام، لم تتمكن مجموعة “بريكس” حتى من الاتفاق على بيان مشترك.
أما رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، التي تضم الآن 11 دولة، فليست أفضل حالاً. فأعضاؤها لا يتشاركون تهديداً أو استراتيجية أو قاعدة اقتصادية مشتركة. فبينما تخشى فيتنام والفيليبين الصين، تعتمد كمبوديا ولاوس عليها، في وقت تحرص خلاله إندونيسيا على صون استقلالها الذاتي، وتعتمد سنغافورة سياسة التحوط والمناورة بين الأطراف، فيما تشهد ميانمار حرباً أهلية. كما أن اشتراط الإجماع يسمح لأي دولة بعرقلة أي قرار، مما يجعل “آسيان” في كثير من الأحيان مجرد منتدى للنقاش.
أما التكتلات الأصغر فتبدو أكثر نجاحاً ظاهرياً، لكن ذلك يعود فعلياً إلى أنها تقوم بمهام أقل. فقد أظهرت “أوبك” ذات مرة أن القوى المتوسطة قادرة على ممارسة نفوذ حقيقي عندما تسيطر على مورد مركز وحيوي لا غنى عنه. لكن “أوبك” عبارة عن كارتل لسلعة واحدة، وليست كتلة جيوسياسية. فأعضاؤها يريدون أسعار نفط مرتفعة، لا نظاماً سياسياً مشتركاً، وحتى هذا الاتفاق المحدود بدأ يتآكل مع انسحاب أنغولا وقطر والإمارات العربية المتحدة من المنظمة. أما “الاتفاقية التقدمية الشاملة للشراكة عبر المحيط الهادي”، فهي اتفاق تجاري، وليس تحالفاً استراتيجياً. والتكتلات داخل المنظمات الدولية الكبرى، مثل “مجموعة أوتاوا” في منظمة التجارة العالمية، تعد مفيدة كمنتديات تقنية، لكنها ليست بدائل عن القوة. وعليه، حتى أنجح وأقوى التحالفات الصغيرة لا تغير قواعد اللعبة، بل تؤكد أن القوة الحقيقية ما زالت بيد القوى العظمى. فـ”مجموعة الحوار الأمني الرباعي” (كواد) تربط أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة في تعاون أمني. أما مبادرة “باكس سيليكا” فهي مبادرة لسلاسل توريد التكنولوجيا. وكلاهما ناجح لأن واشنطن تشكل مرساة لهما.
ويبقى الخيار الذي طرحه كارني في خطابه في دافوس: “الهندسة المتغيرة” (التحالفات المتغيرة)، وهي تسمية تقنية تستخدم لوصف تشكيل تحالفات ارتجالية بناءً على كل قضية على حدة. لكن هذا ليس نظاماً يمنح دوراً محورياً للقوى المتوسطة، بل هو استمرار للنمط القديم المعتاد من السياسة العالمية: دول تتخبط تحت الضغط بينما تعمل القوى الأقوى على تقسيم أي تحالف يحاول الالتفاف عليها أو رشوته أو تهديده أو معاقبته. ويتخيل بعض الباحثين نظاماً انتقائياً حسب الطلب، تستطيع فيه القوى المتوسطة التسوق والاختيار بحرية للحصول على الأمن من هنا، والتكنولوجيا من هناك، والوصول إلى الأسواق من أماكن أخرى. لكن العالم ليس مركزاً تجارياً. إنه أشبه بحال طبيعية (أي حال فوضوية تحكمها القوة، بلا سلطة عليا). فبعدما أنشأت أوروبا آلية تسمى “إنستكس” INSTEX عام 2019 للالتفاف على العقوبات الأميركية ومواصلة التجارة مع إيران، هددت واشنطن بقطع مستخدمي هذه الآلية عن النظام المالي/المصرفي الأميركي. وفي العام نفسه، وبعدما اشترت تركيا منظومات دفاع جوي روسية، استبعدتها واشنطن من برنامج “أف-35”. وفي عام 2025، عندما واصلت الهند شراء النفط الروسي على رغم التحذيرات الأميركية، فرضت واشنطن عليها رسوماً جمركية بنسبة 50 في المئة.
وتفرض الصين هي الأخرى نظامها الهرمي بالدرجة نفسها من الحزم. فقد مارست ضغوطاً على كمبوديا لمنع رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) من انتقاد التوسع العسكري لبكين في بحر الصين الجنوبي، وعاقبت ليتوانيا بسبب انفتاحها على تايوان من خلال تقييد التجارة واستهداف المكونات الليتوانية في سلاسل التوريد العالمية، وفرضت على أستراليا تعريفات جمركية وحظراً غير رسمي على الشعير والنبيذ ولحم البقر والفحم والقطن والكركند بعدما طلبت كانبيرا إجراء تحقيق حول أصول فيروس كورونا. وأجبرت فيتنام على وقف مشاريع الغاز البحرية مع شركات مرتبطة بإسبانيا والإمارات وروسيا واليابان، من خلال التهديد بالمواجهة ومهاجمة مواقع الحفر بسفن الميليشيات البحرية. وفي عالم تمزقه صراعات القوى العظمى، فإن التحالفات المتغيرة، لا تحمي القوى المتوسطة، بل تعرضها للخطر، لأن أي تحالف قوي بما يكفي ليكون مؤثراً يصبح أيضاً مرئياً بما يكفي لمعاقبة الأطراف المشاركة فيه.
اختر راعيك
إذا لم تستطع القوى المتوسطة الوقوف بمفردها، أو تشكيل قطب مستقل، أو الاختباء ضمن تحالفات موقتة، فعليها اختيار نظام أقوى للتحالف معه. وهذا لا يتطلب طاعة عمياء، ففي الواقع، سيبقى بإمكانها أن تتاجر على نطاق واسع وتتواصل مع الجميع. لكنها ستجد نفسها مضطرة بصورة متزايدة إلى اختيار جانب في القضايا الجوهرية المتعلقة بالقوة: من أي طرف تشتري الأسلحة، ومع من تتبادل المعلومات الاستخباراتية، وعلى أي مصارف تعتمد، وإلى أي منصات حوسبة سحابية ورقائق إلكترونية تستند، وإلى أي شبكات طاقة تنضم، وأي عقوبات تفرض. فالتحوط ينجح عندما تكون التهديدات بعيدة وعندما تتسامح القوى العظمى مع الغموض، لكنه يفشل عندما تشتد المنافسة ويبدأ كلا الجانبين بطرح السؤال نفسه: هل أنتم معنا أم ضدنا؟ بالنسبة إلى القوى المتوسطة، لم يعد التحدي هو كيفية تجنب الاختيار، بل كيفية اختيار راع من دون التحول إلى أداة في يده.
والاصطفاف ليس استسلاماً، بل استراتيجية لتحويل نقاط التميز إلى نفوذ. فالأصول التي تمتلكها القوى المتوسطة، مثل الموانئ والقواعد وأدوات تصنيع الرقائق الإلكترونية والرواسب المعدنية وصناعات الطائرات المسيرة وأحواض بناء السفن، قد لا تكفي وحدها لضمان أمن أي دولة. ولكن ضمن تحالف أوسع، يمكنها أن تصبح أوراق مساومة للحصول على ما تفتقر إليه هذه الدول: الحماية، والمعلومات الاستخباراتية، والتكنولوجيا، ورأس المال، والوصول إلى الأسواق، والتأثير في الاستراتيجية. ليس الهدف هو التخلص من التبعية، لأن ذلك غالباً مستحيل، بل جعل الاعتماد متبادلاً. فالدولة التي تثبت جدواها لقوة عظمى يمكن أن تصبح شريكاً تستشيره هذه القوة، وتسلحه، وتموله، وتدافع عنه.
أسهل طريقة لبناء تحالف بين القوى المتوسطة هي تحت حماية القوى العظمى
وتوضح اليابان كيف يعمل هذا المنطق. فكما شرح مايكل غرين حديثاً في مجلة “فورين أفيرز”، لا تسعى طوكيو إلى الحلول محل النفوذ الأميركي في آسيا، بل إلى جعل نفسها عنصراً لا يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عنه. فاليابان تقدم لواشنطن ما تحتاج إليه للمنافسة في المنطقة: قواعد محلية، وتكنولوجيا، وقدرات صناعية، وإصلاح السفن، وإنتاج الصواريخ، والمساعدة في تنظيم التحالفات، والشرعية الإقليمية، من خلال جعل الاستراتيجية الأميركية تبدو أقل شبهاً بالتدخل الخارجي وأقرب إلى تحالف تقوده جزئياً ديمقراطية آسيوية كبرى. وفي المقابل، تحصل اليابان على فرصة الوصول إلى القوة الوحيدة القادرة على موازنة الصين، إضافة إلى دور أقوى في توجيه استخدام هذه القوة.
واتخذت فنلندا والسويد خياراً مشابهاً في أوروبا. فقد انضمتا إلى حلف الناتو ليس لأنهما نسيتا كيف تدافعان عن نفسيهما، بل لأن الصمود الوطني يصبح أكثر فاعلية عندما يكون مدعوماً بالقوة الأميركية. فحلف الناتو كسب جيشين شماليين عاليي الكفاءة، بينما حصلت فنلندا والسويد على الحماية بموجب المادة الخامسة. أما أستراليا وبولندا والفيليبين وكوريا الجنوبية، فهي تمثل نسخاً مختلفة من نفس الفكرة: فكل منها يعزز قوته الوطنية ويجعل نفسه أكثر قيمة داخل شبكة تقودها الولايات المتحدة.
لهذا السبب، تنجح التحالفات بخلاف معظم منظمات الأمن الدولي الأخرى. فهيئات الأمن الجماعي، مثل عصبة الأمم المنحلة والأمم المتحدة، مصممة لحث الدول على الدفاع عن القواعد بوصفها مبادئ عامة مجردة، ضد أي معتد وفي أي مكان، سواءً رأت الدول مصلحة مباشرة لها أم لا. أما التحالفات المتغيرة فهي أكثر هشاشة، إذ تطلب من الدول الارتجال عند ظهور الأخطار. في المقابل، تعد التحالفات أكثر عملية بكثير. فهي تحدد التهديد، وتجمع القدرات، وتوزع الأدوار، وترسخ عادات التعاون قبل وقوع الأزمات. ولا يكمن سر نجاحها في حسن النية العالمي، بل في الخطر المشترك. وقد يكون هذا دافعاً غير محبب، لكن الدول تتعاون بصورة أكثر موثوقية عندما تعرف ما الذي تتعاون ضده.
ومع ذلك، فإن اختيار التحالف المناسب ليس بالأمر التلقائي. فالقوى المتوسطة ينبغي ألا تربط نفسها بصورة عمياء وعشوائية بأقوى دولة أو أكثرها ألفة. بل عليها أن تطرح سؤالاً أصعب: أي قوة عظمى تهدد أمنها وازدهارها واستقلالها أكثر؟ وستختلف الإجابات. فبعض الدول تواجه خطر الغزو، بينما تواجه أخرى الإكراه الاقتصادي، والتبعية التكنولوجية، والتدخل السياسي، أو التخلي عنها من جانب حليف غير موثوق. وقد تتمكن بعض القوى المتوسطة الكبيرة، مثل الهند، من الاحتفاظ بهامش مناورة أوسع من غيرها. ولكن مع احتدام التنافس بين القوى العظمى، سيتعين حتى على أقوى القوى المتوسطة أن تقرر أي خطر ينبغي تجنبه أكثر من سواه، وأي نظام أكبر يمنحها أفضل ملاذ.
وبالنسبة إلى معظم القوى المتوسطة، يعد هذا خياراً بين أهون الشرين، ولكنه ينبغي أن يكون خياراً سهلاً. فالولايات المتحدة أصبحت راعياً يزداد صعوبة يوماً بعد يوم. فهي تمارس ضغوطاً على حلفائها من خلال التعريفات الجمركية والعقوبات وضوابط التصدير والمطالبة بالوصول العسكري إلى أراضيهم، فضلاً عن التغييرات المفاجئة في سياساتها. ومع ذلك، لا تزال تقدم ما لا تستطيع أي قوة أخرى تقديمه: الحماية التي يوفرها الجيش الوحيد القادر على خوض حروب كبرى في أماكن بعيدة، والوصول إلى أعمق أسواق رأس المال في العالم، وأكبر قاعدة استهلاكية، ومراكز الابتكار الرائدة، والانضمام إلى ناد كبير من الحلفاء الأثرياء والقادرين. والأهم من ذلك، أن القوة الأميركية تمر عبر مؤسسات ديمقراطية يمكن للجهات الخارجية التأثير عليها أحياناً. فبإمكان الحلفاء الضغط على الكونغرس، وحشد الشركات، وتوجيه النقاشات الإعلامية، وإجراء مقايضات سياسية مع شركاء الولايات المتحدة الآخرين. وقد لا يحققون ما يريدون، لكنهم يملكون هامشاً للمناورة والتفاوض.
أما الصين فتقدم صفقة أضيق. فبإمكان بكين بناء الطرق، وتمويل الموانئ، وشراء السلع الأساس، وتوفير البضائع الرخيصة وقطع الغيار الصناعية. وهذا مفيد لبعض الدول. لكن باستثناء القروض والبنية التحتية وأدوات الضغط على الغرب، لا تقدم بكين أموراً كثيرة: لا مظلة أمنية، ولا عملة احتياطة، ولا قنوات سياسية مفتوحة تمكن الشركاء الأضعف من التفاوض. فقوتها تعمل بمنطق الاحتواء وتطويق الآخرين داخل شبكاتها. فهي تمول الموانئ، وتدعم شركات البناء، وتبني الشبكات، وتعالج المعادن، وتغرق السوق بالصادرات، وتسعى إلى تقليل مشترياتها من الخارج مع مرور الوقت. وما يبدأ كتنمية قد يتحول إلى تبعية.
وفي نهاية المطاف، لا تملك القوى المتوسطة خيار العيش في عالم هرمي أو لا، لكن عليها أن تختار أي هرمية تمنحها أكبر هامش للمناورة. ويكمن الخطر في الخلط بين مظاهر الاستقلالية وجوهر القوة، مثل الاحتفاء بالقمم والمنتديات والخطابات الحماسية بينما تتجمع أدوات النفوذ الحقيقية، من مال وتكنولوجيا وطاقة وقوة، في أيدي الأقوى. لن يتحقق الأمن من خلال وقوف القوى المتوسطة بمفردها أو تشكيل تحالفات موقتة، بل من خلال التفاوض الفعال داخل نظام أوسع. فهذه القوى ليست كيانات حرة في عالم بلا هرمية، لكنها قادرة على الازدهار من خلال الشراكة مع قوة عظمى في عالم يزداد اختلال موازين القوى فيه.
مايكل بيكلي أستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة تافتس، وزميل بارز غير مقيم في “معهد أميريكان إنتربرايز”، ورئيس قسم أبحاث آسيا في “معهد أبحاث السياسة الخارجية”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 25 مايو (أيار) 2026
