الإعلان عن حلف مكة الدفاعي الذي جمع بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان؛ في حين غابت مصر، على خلاف بعض التوقعات، عن هذا الحلف (حتى الآن على الأقل)، وعدم ارتياح نتنياهو لظهور هذا الحلف، والصمت الأميركي، والتحركات والاتصالات بين دول الحلف الجديد (الذي جمع بين قوى كبرى على مستوى الإقليم ومتوسطة على المستوى العالمي) والدول الأخرى في الإقليم، وكل هذا قد قد يسهم في ظهور اصطفافات وتحالفات جديدة سواء بين القوى الداخلية ضمن كل دولة وعلى مستوى، أو بين دول الإقليم الأخرى التي تمتلك أوراقاً مفتاحية من جهة الجغرافيا والديمغرافيا والإمكانات والرمزية والقدرة على التواصل والتحرك في الوقت والمكان المناسبين.
تحدثوا كثيراً عن الشرق الأوسط الجديد، وكان الاعتقاد السائد هو أننا قد نشهد مستجدات على صعيد حدود الدول بفعل عوامل التفكك أو التفكيك والاقتطاع والإلحاق والتشكيل. ولكن يبدو أن هذا الحل لم يعتمد حتى الآن في منطقتنا لأسباب كثيرة منها ارتفاع الكلفة، والخشية من حدوث مفاجآت غير محسوبة العواقب، وتوقع حدوث فوضى عارمة تعمّقها وتعممها هشاشة الأوضاع في منطقة الهلال الخصيب نتيجة لعقود من التراكمات السلبية لحكم البعث في كل من العراق وسوريا، والتدخلات الكثيرة في الشأن اللبناني؛ هذا بالإضافة إلى طبيعة البنية المجتمعية لهذه الدول التي كانت ضحية المشاريع القوموية الشعاراتية التي دغدغت مشاعر الناس، واستغلت عواطفهم، ليتمكن أصحابها من التحكّم في مقدرات البلاد وأرزاق الناس ورقابهم.
وفي أجواء التخبّط الأميركي في الحرب على النظام الإيراني المستمرة منذ أشهر بطرق ووتائر مختلفة، وخشية دول الإقليم الأساسية من عقد صفقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والنظام الإيراني يستفيد منها هذا الأخير بالدرجة الأولى، ليتفرعن على دول المنطقة، ويستمر في سياسات التغلغل ضمن مؤسساتها ومجتمعاتها ليتمكن من التحكّم بها وتوجيهها وفق ما ينسجم مع مشاريعه التوسعية المستمرة منذ أكثر من أربعين عاماً؛ في هذه الأجواء وجدت المملكة العربية السعودية، بعد نجاحها في تشكيل التحالف البحري الدفاعي المتعدد الجنسيات في نهاية الشهر المنصرم (هو تحالف يهدف إلى المحافظة على أمن الملاحة والتجارة الدولية في مضيق هرمز والبحر الأحمر) وتركيا وباكستان، وهي الدول الموقعة على وثيقة مكّة، ضرورة الاستعداد للمفاجآت غير المستبعدة من جانب النظام الإيراني الذي كشف خلال الحرب الإسرائيلية الأميركية عليه عن نزعة عدوانية تجاه دول المنطقة ومجتمعاتها، خاصة الخليجية منها التي كانت، وما زالت، حريصة على الأمن والسلم الإقليميين؛ وذلك لتيقّنها من أن الحرب لن تكون في صالح المنطقة ودولها وشعوبها. وقد عملت بصورة حثيثة من أجل منع حدوثها، وأيّدت وساعدت كل الجهود التي كانت لمعالجة المشكلات والنقاط الخلافية بالحوار والتفاهم عبر المفاوضات.
ولكن النظام الإيراني كان، وما زال، يتصرف باستمرار وكأنه سيد المنطقة، ومن حقه الهيمنة عليها، واعتبر دائماً الوجود الأميركي عائقاً أمام مشاريعه التوسعية المستلهمة من الماضي الإمبراطوري، وهي مشاريع يستخدمها لتكون رادعاً للإيرانيين في الداخل الذين يطالبون بالإصلاح، وحتى بالخلاص من نظام بدّد ثروات بلادهم، وفرض عليهم الحاجة والفاقة نتيجة لحالات الفساد الكبرى التي باتت مَعْلَماَ من معالم المجموعة المتحكّمة بمفاصل الدولة الإيرانية.
وثيقة مكة تؤكد حدوث تحول نوعي في تفكير القوى الإقليمية الوازانة في المنطقة، وليس من المستبعد أن تنضمّ مصر إلى هذا التحالف الدفاعي بعد المزيد من التفاهمات والتوافقات حول الهواجس والتطلعات، لا سيما أنها كانت موجودة في كل المناقشات والتحضيرات التي مهدت للوصول إلى مرحلة التوقيع التي تمت بصورة رسمية في مكة 7 آب/أغسطس 2026 بحضور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف.
ويتمحور هذا التحول في الرؤية الاستراتيجية حول فكرة ضرورة إعادة صياغة المعادلات الإقليمية المختلّة لتصبح معبرة عن مصالح دول المنطقة وشعوبها، وغير معلقة أو محكومة بمصير الصراع بين المشروعين الإيراني والإسرائيلي اللذين يسعيان إلى التوسّع والهيمنة.
هذا التحول في التفكير الاستراتيجي لدى صناع القرار في الدول المعنية كان ـ وفق كثير من الخلاصات والاستنتاجات ـ هو حصيلة قراءة معمّقة لواقع النظام الدولي الذي يعيش مرحلة تخبّط كبرى، تتميّز باحتضار القديم وعدم تبلور معالم الجديد.
ولكن الأوضاع المعقدة التي يعيشها العالم نتيجة للحرب الروسية على أوكرانيا، والحرب الإسرائيلية على غزة، والأزمة المفتوحة في منطقة الخليج، والعلاقات المضطربة بين الولايات المتحدة وأوروبا، هذا فضلا عن التنافس الاقتصادي والتكنولوجي وما بعد التكنولوجي بين الولايات المتحدة وبين الصين، وبين هذه الأخيرة وأوروبا، والنزعة التوسعية الروسية؛ كل ذلك وغيره، يضع دول المنطقة (التي ترى في المشروعين التوسعيين الإيراني والإسرائيلي خطراً على أمن المنطقة وسلامة دولها وشعوبها ومستقبل أجيالها المقبلة) جملة تحديات تلزمها بضرورة الاستعداد للمرحلة القادمة بمزيد من التفاهمات البينية، والعمل على توسيع دائرة الدول المقتنعة بأن الحوار وبناء القدرات الذاتية خاصة الدفاعية منها هما في مقدمة الشروط المطلوبة للحفاظ على الانجازات التي قد حققتها هذه الدول لشعوبها حتى الآن، وتطوير هذه الإنجازات وتنميتها، لترتقي إلى مستوى احتياجات شعوبها وتطلعاتها.
ولكن في هذا السياق هناك جملة من الأسئلة التي تطرح نفسها، وهي أسئلة تتعلق بمستقبل هذا التحالف، وبماهية الرسائل التي من المفروض أن النظام الإيراني قد التقطها من خلال الاعلان عن هذا التحالف وبيان أهدافه.
هل سيراجع النظام المعني من جانبه سياساته واستراتيجياته التي كانت كارثية على الشعب الإيراني نفسه، وعلى المنطقة كلها بشعوبها ودولها؟ أم أنه سيتسمر في نهجه المتشدد، بل والأكثر تشدداً في أجواء الصراع الحاد بين أجنحة النظام المعني على مراكز النفوذ والقرار والامتيازات السلطوية؟
هل سيرفع النظام المذكور تسلّطه وهيمنته عن العراق ولبنان واليمن، ويتوقف عن التدخل في شؤونها، لتتمكن شعوب وحكومات هذه البلدان من معالجة جروحها، وتعمل من أجل نهضة بلدانها؟ أم أنه سيبقى مواظباً على خططه السابقة، ويستمرّ في سلوكياته التي لا تسمح بأي شكل من الأشكال لظهور الدولة الوطنية التي تكون على مسافة واحدة من سائر مكوناتها ومواطنيها من دون أي تمييز أو استثناء بناء على الانتماءات القومية أو الدينية أو المذهبية والتوجهات السياسية؟
ما يُستشف من المعطيات والقرائن المعروفة حتى الآن، هو أن النظام الإيراني يراهن على تسرّع الرئيس ترمب وقراراته المزاجية التي يتخذها تحت وطأة تراجع شعبيته، وتفاقم الاستقطاب الحاد ضمن المجتمع الأميركي. هذا بالإضافة إلى التباعد اللافت بين الأوربيين والأميركان، والتأييد الواضح الذي تحظى به القوى اليمينة المتشددة الصاعدة في الدول الأوروبية (خاصة الأساسية منها: ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) من جانب ترمب.
وإذا استمرت الأمور هكذا، أو انتهت الأزمة بصفقة أميركية غيرانية يبيعها النظام الإيراني لنفسه وللإيرانيين على أنها إقرار بانتصاره، واعتراف بدوره ونفوذه في الإقليم؛ فذلك فحواه انسداد الآفاق أمام حل المشكلات في الدول التي تعاني اليوم من سلوكيات أذرع هذا النظام واعتداءاتها على الجوار الإقليمي؛ ومحاولاتها المستمرة لتهديد الأمن الداخلي، والتحرّش بشركائها في الوطن والمصير لصالح النظام الإيراني، وهذا مؤداه اصطفافات مجتمعية على أساس الانتماءات والولاءات ما قبل الوطنية، أو تلك التي تتجاوز الحدود الوطنية، الأمر الذي سيدفع بالمنطقة نحو أجواء غير سوية ضارة بالمشاريع الوطنية التي تبقى هي المخرج الإنقاذي المضمون لمجتمعات المنطقة ودولها. وهذا الأمر يسري على العراق وسوريا ولبنان واليمن، وقد تمتد آثاره وتبعاته إلى منطقة الخليج ودول عربية أخرى.
استقرار المنطقة ونهضتها يتوقفان على موقف النظام الإيراني الذي في إمكانه مراجعة استراتيجياته وسلوكياته وأساليبه، أو الاستمرار في خط التشدد والتهديد واعتبار الجميع من أعدائه ومنافسيه في الصراع على المنطقة.
النظام الإيراني في مقدوره اليوم تقديم بلده إلى العالم بوصف البلد الذي يمتلك الماضي التاريخي الحضاري، والراهن الحيوي الذي يبحث عن متعة الحياة؛ كما أن في استطاعة هذا النظام، إذا أراد، أن يتبنى مشروعاً مستقبلياً يرتقي إلى مستوى تطلعات وتضحيات الشعب الإيراني وشعوب المنطقة. أما إذا أصر هذا النظام على نهجه السابق، وتصرّف وكأنه غير معني بدعم الناس لتجاوز الواقع الصعب المعاش، فهذا عاقبته المزيد من الحروب والدمار والتآكل.
يمتلك الشعب الإيراني إمكانات علمية ومهنية كبرى في كل المجالات، خاصة تلك التي تخص القطاعات الإنتاجية (الزراعية والصناعية والتجارية والحرفية)، ومن حق هذا الشعب أن يرتاح ويتمتع بموارد بلاده وجهود شبابه الإبداعية بعد كل العناء. كما أن شعوب المنطقة بمجملها قد ضحّت كثيراً من أجل راهن أفضل، ومستقبل مشرق يرتقي إلى مستوى التضحيات والتطلعات.
بقي أن نقول: لقد تأذى السوريون كثيراً من تدخلات النظام الإيراني وأذرعه لصالح سلطة آل الأسد، وكانوا ضحية الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت في أثناء تلك التدخلات. واليوم لديهم رغبة جديدة في فتح صفحة جديدة، ولكن بشروط جديدة تحفظ حقوق لضحايا، وتضمن عدم تكرار ما حصل.