-
-
.وفاء خيري… الجمهورية .نت
-
وُلدتُ في اليوم نفسه الذي وُلدت فيه فيرجينيا وولف.
الخامس والعشرون من كانون الثاني (يناير).لسنوات طويلة، بدا هذا الأمر مجرد مصادفة أدبية، تفصيلة مُخيفة أذكرها عرضاً، ربما بابتسامة، أثناء دراسة السيدة دالاواي أو غرفة تخصّ المرء وحده. لكن هذا العام، لم تعد المصادفة رمزية فقط. لقد لحقت بي عبر الحدود.
جئتُ إلى إنجلترا.
أسكنُ على بُعد أقل من ساعة بالقطار من المكان الذي عاشت وكتبت فيه فيرجينيا وولف، Monk’s House – بقرية رودميل (Rodmell)، شرق ساسكس، بإنجلترا.
أمشي على الأرض نفسها التي كتبت عليها، وتألمت، ولم تستطع في النهاية أن تبقى حيّة فوقها.وعلى هذه الأرض نفسها، دخلتُ في الاكتئاب.
هناك شيء مُقلق في الجغرافيا حين تتذكر أكثر مما نتذكر نحن. لم أبحث عن فيرجينيا وولف؛ لكنها ظهرت على أي حال، في نوافذ القطار، في الشوارع الهادئة، وفي الثقل الذي استقرَّ في جسدي دون استئذان. لم أكن أحاول تقليد حياتها. كنتُ فقط أعيش حياتي. ومع ذلك، كانت أَوجُه التشابه تضغطُ عليًّ بإلحاح.
عانت فيرجينيا وولف من مشكلات نفسية حادة. ما نُسميه اليوم اضطراب ثنائي القطب والاكتئاب المزمن شكّلا حياتها وكتاباتها. عاشت في زمن كان يُجمِّلُ معاناة النساء، لكنه لا يُقدّم لهن أي رعاية حقيقية. لا أدوية. لا لغة قادرة على احتواء الألم دون خوف أو وصم. في عام 1941، ملأت جيوبها بالحجارة، وسارت إلى نهر أوز.
أنا لم أمشِ إلى نهر.
بدلاً من ذلك، مشيتُ إلى عيادة.
سمّيتُ ما أشعر به.
وُصِفَ لي دواء بروزاك.
وببطء، وبشكل غير مثالي، ومتعرّج، عشت.هذه ليست قصة عن القوة.
إنها قصة عن التوقيت.نُحب أن نصدق أن النجاةَ إنجازٌ أخلاقيّ. أن من يعيشون أقوى أو أشجعُ أو أكثرُ صلابةً ممن لا يعيشون. لكن وأنا أقفُ في المكان الذي وقفتْ فيه فيرجينيا وولف يوماً ما، فهمتُ حقيقة غيرَ مريحة: أنا لستُ أقوى منها.
أنا فقط وُلدتُ متأخرة عنها وأكثرَ حظَّاً.
ما أنقذني لم يكن الانضباط، ولا الموهبة، ولا قوة الإرادة. ما أنقذني كان الوصول – إلى تشخيص، وإلى علاج، وإلى عالم، رغم كل عيوبه، يعترفُ بالمرض النفسي بوصفه حالة قابلة للعلاج، لا عاراً. المسافة بين موت وولف ونجاتي ليست مسافة شخصية. إنها مسافة تاريخية.
وهذا مهم، خصوصاً في الطريقة التي نتحدث بها عن إبداع النساء.
هناك تقليد طويل وخطير يربط عبقرية النساء بمعاناتهنَّ. نُعجَب بالفنانة المُعذَّبة. نقتبسُ يأسها. نُجمِّلُ انهياراتِها. وغالباً ما تُحبَس فيرجينيا وولف داخل هذا السرد، إذ يُقدَّم انتحارها بوصفه نهاية مأساوية حتمية لعبقرية حسّاسة أكثر مما يحتمله العالم.
لكن ماذا لو كانت هذه القصة خاطئة؟
ماذا لو لم تكن فيرجينيا وولف بحاجة إلى الموت كي تكتب ما كتبته؟
ماذا لو لم يكن مَرضُها النفسي مصدرَ عبقريتها، بل القوةَ التي قطعت استمرارها؟عندما بدأتُ تناولَ مضادات الاكتئاب، كان أحد أعمق مخاوفي أن أفقد صوتي. أن تُسطّحني الأدوية، وتُبهت أفكاري، وتُسكِتَ الحوافَّ الحادة التي تجعلني أنا. هذا الخوف شائع بين الكاتبات، خصوصاً النساء – لأننا نتعلم، ضمنياً وصراحةً، أن الألم مُنتِج.
لم يكن ذلك صحيحاً.
العلاج لم يمحُ أفكاري. بل منحها هواءً.
في غرفة تخصّ المرء وحده، تُجادل وولف بأن النساء يحتجنَ إلى المال والمساحة كي يكتبن. اليوم، أُضيف شيئاً آخر إلى قائمتها: الرعاية النفسية.
الغرفة لا تكفي إذا كان العقل في حرب مع نفسه.
الاستقلال ليس حرية إذا كانت النجاة غير مضمونة.بوصفي امرأة درست الأدب الإنجليزي، تدربتُ على تحليل جُمَل وولف، لا على مساءلة صمتها. على الإعجاب بأعمالها دون تفكيك الشروط التي جعلت معاناتها حتمية. المجيء إلى إنجلترا أجبرني على مواجهة هذه الفجوة، لا كدارسة، بل كجسد.
عشتُ حيث انهارت.
وعشتُ لأن العالم تغيّر قليلاً.هذا ليس احتفالاً بالحداثة. الرعاية النفسية ما زالت غيرَ عادلةٍ، ومُسيّسة، ومُجندَرة، وغير متاحة لكثيرينَ. لكن وجودها من الأساس صنع الفارق بين الحياة والموت. وهذا الفارقُ يستحق أن يُسمّى.
أعمل الآن على بودكاست مستوحىً من غرفة تخصّ المرء وحده. أطلقتُ عليه (غرفة لا تخص المرأة وحدها). إنها طريقتي في استكمال حوارٍ بدأته وولف ولم تستطع إنهاءَه، عمّن يحق له الكلام، ومن يحق له الراحة، ومن يُسمَح له أن ينجو من حساسيته.
لا أشعر أن فيرجينيا وولف تطاردني. أشعر أنها ترافقني.
أسئلتها ما زالت مُلحّة. لكن موتَها لا ينبغي أن يُمجَّد بوصفه جزءاً من الثمن. النسوية لا يمكنها تحمّل شهداء نرفض إنقاذهم. الإبداع لا يتطلّب الانهيار. والنجاة ليست خيانةً للفن.
أتساءل كثيراً بهدوءٍ، ودون يقينٍ، هل كانت وولف ستكتب أكثر لو عاشت في زمن كان فيه العلاج ممكناً؟! ليس أفضل بل فقط أكثر؛ مقالاتٍ أكثر، غضباً أكثر، فرحاً أكثر، أياماً عادية أكثر لا تنتهي في الماء.
لن نعرف أبداً.
لكنني أعرف هذا:
أنا لا أكتب لأنني نجوت.
نجوتُ كي أكتب.وذلك أيضاً إرثٌ يستحق الحماية.
-
