ملخص
تواجه الأمم المتحدة أزمة متفاقمة بفعل تنافس القوى الكبرى، وتراجع التمويل، وتضخم البيروقراطية، وتراجع فاعلية العمل المتعدد الأطراف. ومع اقتراب رحيل أنطونيو غوتيريش، يرى كاتب المقال أن على الأمين العام المقبل تقليص حجم المنظمة، وتركيز مواردها على صنع السلام، والاستجابة للأزمات، والتنمية الأساسية، واعتماد دبلوماسية أكثر هدوءاً وفاعلية لاستعادة ثقة الدول الأعضاء.
يقول المسؤولون الدوليون أحياناً على سبيل المزاح إن الأمم المتحدة تعيش في حال أزمة دائمة. فمنذ تأسيسها عام 1945، كان على المنظمة التعامل مع توترات جيوسياسية عميقة، وكوارث إنسانية مدمرة، وعجز متكرر بصورة دورية في الموازنة. ولكن فيما يجتمع قادة العالم في نيويورك من أجل حضور اجتماعات الجمعية العامة السنوية الرفيعة المستوى على امتداد أسبوع، تبدو الأمم المتحدة في وضع سيئ للغاية، إذ إن كلاً من الصين وروسيا والولايات المتحدة، وهي ثلاث من القوى الخمس التي تتمتع بحق النقض (الفيتو) وتهيمن على مجلس الأمن، قد حالت دون اتخاذ المجلس إجراءات في شأن الحروب في إيران وأوكرانيا والصراعات الأهلية في ميانمار والسودان. وتشتكي الدول الفقيرة من عدم وفاء الدول المانحة بتعهداتها للأمم المتحدة بخصوص الإنفاق في مجال التنمية، فضلاً عن أن إدارة ترمب قد أوقفت معظم التمويل الأميركي لأنشطة الأمم المتحدة في العام الماضي، مما أجبر المنظمة على تقليص جهودها في مجالات حفظ السلام وأعمال الإغاثة.
وفي ظل تزايد التحديات، قد يحدد التغيير المرتقب في القيادة ما إذا كانت الأمم المتحدة قادرة على ترسيخ استقرارها، وربما استعادة شيء من صدقيتها، أم أنها ستنزلق أكثر على طريق التهالك والوهن. يعتزم الأمين العام الحالي، أنطونيو غوتيريش، التنحي في نهاية العام، بعدما واجه صعوبة في عكس التراجع الذي أصاب الوضع السياسي للمنظمة خلال فترة ولايته التي استمرت عقداً من الزمن. فقد قضى جزءاً كبيراً من العامين الأخيرين من ولايته في التعامل مع تقليص أعداد الموظفين وتدابير أخرى تتصل بخفض الكلف بغية ضمان عدم تعرض أمانة الأمم المتحدة للإفلاس خلال وجوده في منصبه. لقد كانت مهمته شاقة من النوع الذي لا ينال ما يستحقه من تقدير، غير أن الدبلوماسيين ومسؤولي الأمم المتحدة يأملون أن يتمكن قائد جديد من تبني نهج طويل الأمد لتجديد المؤسسة والحفاظ على التزام الحكومات نهج العمل المتعدد الأطراف.
وتضم قائمة المرشحين لخلافة غوتيريش كلاً من المسؤولة التجارية البارزة في الأمم المتحدة ريبيكا غرينسبان، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، وسفيرة غيانا لدى الأمم المتحدة كارولين رودريغيز-بيركيت. وبغض النظر عمن سيتولى المنصب، سيتعين على خليفة غوتيريش أن يضع استراتيجية جديدة لإعادة تنشيط المنظمة. وإن أي جهد جاد في هذا الاتجاه يجب أن يسلم بحقيقة لا تبعث على الارتياح: ما دام العالم محكوماً بقوى متنافسة وتسوده الفوضى، فإن قدرة الأمم المتحدة على إبرام اتفاقات دولية واسعة النطاق ستظل محدودة.
لذا قد يكون أقصى ما يمكن أن يأمله الأمين العام المقبل هو التخلي عن بعض الطموحات الكبيرة السابقة للمنظمة، وتقليص حجمها، مع إعطاء الأولوية لمنع الأزمات الدولية وتسوية النزاعات، وتقديم المساعدات الإنسانية بكفاءة، وتحقيق أهداف التنمية الدولية التي يمكن بلوغها. إن الأمم المتحدة التي تتخلى عن العمليات الدبلوماسية التي تستغرق وقتاً طويلاً والبيروقراطيات غير الفعالة من أجل عدد قليل من المهام الجوهرية قد تخيب آمال المتحمسين بشدة للحوكمة العالمية، لكنها قد تكون أيضاً النسخة الوحيدة القابلة للاستمرار من المنظمة في عصر يتسم بالتنافس بين القوى العظمى وسياسات التقشف.
أموال أقل.. مشكلات أكثر
منذ نهاية الحرب الباردة، دأب الأمناء العامون للأمم المتحدة، في أوقات الأزمات، على تأكيد ضرورة أن تبذل المنظمة مزيداً من الجهد، لا قدراً أقل منه. فقد تصور بطرس بطرس غالي، وهو أول أمين عام في حقبة ما بعد الحرب الباردة، الأمم المتحدة هيئة عالمية بالغة القوة والفعالية في صنع السلام، إلا أن المنظمة شهدت انكفاء موقتاً في نشاطها خلال أعوام ولايته الأخيرة، وذلك بعد فشل قوات حفظ السلام التابعة لها، المعروفة بأصحاب القبعات الزرقاء، في منع عمليات الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 ومذبحة سربرنيتسا في البوسنة عام 1995.
ومع حلول أواخر تسعينيات القرن الماضي، وضع كوفي عنان الذي خلف بطرس غالي على رأس المنظمة الدولية، نهجاً جديداً تضمن تحديد أهداف حديثة للتقليل من الفقر ومكافحة الأيدز، وإطلاق عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في كوسوفو وتيمور الشرقية وكثير من الدول الأفريقية. وعلى رغم أن الحرب الأميركية في العراق عام 2003 أدت إلى انقسام مجلس الأمن وعرقلة أجندة عنان موقتاً، فإنه استطاع أن ينظم قمة عالمية عام 2005 لإقناع الحكومات بتجديد التزامها نهج العمل المتعدد الأطراف، وقاد في العام التالي الجهود التي أفضت إلى إنشاء “لجنة بناء السلام” و”مجلس حقوق الإنسان” الذي يتخذ من جنيف مقراً له.
وفي العقدين اللذين أعقبا مغادرة عنان منصبه، اضطر اللذان توليا المنصب، وهما بان كي مون وغوتيريش، إلى التعامل مع سلسلة متفاقمة من الأزمات، وعلى رأسها الحرب الأهلية السورية التي أدت إلى انقسام مجلس الأمن على مدى أكثر من عقد من الزمان. ومع تزايد أعداد النزاعات والأزمات الإنسانية والكوارث الطبيعية، باتت موازنة الأمم المتحدة أكبر أيضاً. ارتفع إجمال إيرادات كل كيانات الأمم المتحدة من 40 مليار دولار عام 2010 ليصل إلى ذروة بلغت 74 مليار دولار عام 2022، مدفوعاً إلى حد كبير بزيادة الإنفاق الإنساني.
وناشد كل من بان كي مون وغوتيريش مراراً الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إظهار قدر أكبر من التضامن. فقد دافع الأول بقوة عن اتفاقية باريس في شأن تغير المناخ عام 2015، بينما عقد غوتيريش “قمة المستقبل” عام 2024، التي تعهدت فيها الدول الأعضاء بالتعاون في قضايا متنوعة تشمل الذكاء الاصطناعي والعدالة بين الأجيال. وقد أظهرت هذه الاتفاقات رؤية ثاقبة وجهوداً دبلوماسية استثنائية، إذ حظيت اتفاقية باريس، على وجه الخصوص، بدعم شعبي واسع النطاق. غير أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة كثيراً ما أخفقت في الوفاء بالالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقات السابقة، مما ولد حالاً من الشك في فعالية نهج العمل المتعدد الأطراف. وهذا بدوره زاد من صعوبة إقناع الدول التي تساورها مشاعر عدم الثقة بالانضمام إلى اتفاقات جديدة تتمتع بقوة إلزامية قانونية وبآليات قوية لإنفاذها. لقد تمخضت المفاوضات في الأمم المتحدة، بصورة متزايدة، عن مسودات وبيانات مكتوبة وإجراءات بيروقراطية بدلاً من تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين التصور الطموح الذي تتبناه الأمم المتحدة عن نفسها وبين سجل أدائها الفعلي، إلى درجة بات من المستحيل معها حتى على المدافعين عن المنظمة تجاهلها. يستمر الرؤساء ورؤساء الوزراء في الحضور إلى مقر الأمم المتحدة. ويتابع الدبلوماسيون إصدار القرارات والبيانات بوتيرة متواصلة. إلا أن المنظمة باتت الآن تواجه منافسة من تكتلات دولية بديلة، مثل “مجموعة السبع”، ومجموعة “بريكس” و”مجلس السلام” الناشئ الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذ توفر هذه التكتلات منصات للنقاش والتعاون من دون الحاجة إلى الخوض في الإجراءات الدبلوماسية المعقدة والمرهقة للأمم المتحدة. كذلك فإن موجة من الحكومات الشعبوية والقومية، التي اجتاحت العالم ووصلت إلى السلطة، أخذت تعترض أيضاً على التزام المنظمة القيم العالمية، لا سيما في ما يتعلق بمعاملة اللاجئين والمهاجرين، وهو نهج عدائي تجاه المنظمة شجع عليه ترمب في ولايته السابقة والحالية.
غير أن أكبر تأثير مباشر أحدثه ترمب في الأمم المتحدة حتى الآن كان على أوضاعها المالية. ففي الأشهر الأولى من عام 2025، جمدت إدارته تقريباً جميع التمويلات الأميركية المخصصة للعمل الإنساني التابع للأمم المتحدة، ورفضت سداد مساهمات الولايات المتحدة في الموازنة الأساسية للمنظمة. وفي العام الماضي، لم تسدد سوى أقل من نصف مساهماتها المتوقعة في تمويل عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
وعلى رغم أن هذه الاقتطاعات بدت في البداية وكأنها الضربة القاضية للمنظمة المتعثرة، فإن كثيراً من الدبلوماسيين باتوا ينظرون إليها الآن باعتبارها لحظة استدراك ضرورية لدفع مسؤولي الأمم المتحدة إلى الترشيد وخفض النفقات. وفي المقابل، رفضت جهات مانحة أخرى، مثل الصين والاتحاد الأوروبي، سد الفجوات المالية التي خلفتها واشنطن، مما يشير إلى أن الشكوك لا تقتصر على البيت الأبيض.
وواصلت كثير من الدول الأوروبية خفض مساعداتها الإنسانية في وقت راحت فيه تحول الأموال إلى قطاع الدفاع. وتتحمل بكين الآن مسؤولية تمويل نحو خمس الكلف الأساسية للمنظمة، لتأتي في المرتبة الثانية بعد واشنطن مباشرة. وقد أشار السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، إلى أن القوتين قد وجدتا “أرضية مشتركة من نوع ما” في شأن هذه الاقتطاعات. وقد يكون أسوأ ما في الاقتطاعات التي فرضها ترمب ربما مر بالفعل، إذ أفرجت واشنطن عن نحو 4 مليارات دولار للعمل الإنساني في هذا العام وأكملت للتو إجراءات تحويل مساهمة بقيمة 725 مليون دولار إلى الموازنة الرئيسة للأمم المتحدة، إلا أن القائد التالي للمنظمة سيظل مضطراً إلى إدارة شؤونها بموارد أقل.
ومن ثم سيواجه الأمين العام الجديد تحدياً معقداً وشائكاً يتجلى في الوفاء برسالة الأمم المتحدة واستعادة ثقة الدول الأعضاء مع الاستمرار في سياسة ترشيد الانفاق. وخلافاً للنزعة المؤسسية لتجديد نفسها من خلال توسيع نطاق أنشطتها، ينبغي أن تتمثل المهمة المقبلة في صياغة جدول أعمال أكثر تركيزاً للتعاون، يمكن للدول المتشككة أن تقبل به.
ويقر جميع المرشحين بضرورة الانضباط المالي واتباع نهج عملي لحل المشكلات العالمية. وعلى رغم أن أياً منهم لم يطرح مقترحات مفصلة، فإنهم جميعاً يتفقون، على حد تعبير غروسي، على أن “العالم لا يحتاج إلى مزيد من الإعلانات السياسية”. وبنبرة مماثلة، تعهدت غرينسبان بأن تجعل “الأمم المتحدة أكثر فائدة، وأكثر مرونة، وأكثر خضوعاً للمساءلة” أمام الدول الأعضاء.
وسيتعين على من يتولى المنصب أن يكون أكثر تحديداً بمجرد مباشرته مهامه، إذ إن سلطة الأمين العام على منظومة الأمم المتحدة تزداد تعقيداً بسبب تشابك هياكل الحوكمة المختلفة، وعمليات إعداد الموازنة، والمصالح المؤسسية المختلفة، كذلك فإن التوسع الطويل في أنشطة الأمم المتحدة قد خلف قدراً كبيراً من الازدواجية المؤسسية.
فعلى سبيل المثال، توجد ثلاث وكالات في روما معنية بجوانب مختلفة من الزراعة والأمن الغذائي. وتشرف أيضاً مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة على الجهود الرامية إلى مساعدة النازحين في المناطق ذاتها، وغالباً ما تتنافسان، من أزمة إلى أخرى، على “حصة من السوق” [أو نصيب أكبر من الموارد والتمويل]. وهناك أيضاً مجموعة من المبعوثين والمكاتب وصناديق الائتمان التي تتعامل مع جوانب مختلفة من قضية تغير المناخ.
ولا يوجد توافق بين المطلعين على شؤون الأمم المتحدة حول الطريقة المثلى لاختزال هذا العدد الهائل من الكيانات، وإن كانوا جميعاً متفقين على الحاجة إلى الدمج، ولكن ليس في وكالاتهم هم. لذا، سيتعين على الأمين العام المقبل أن يقوم بتوحيد جهود هذه الجهات وبفض خلافاتها، وأن يعمل على تبسيط آليات جمع الأمم المتحدة للتمويل، وتنظيم استجابتها للأزمات، ومعالجة التعارض والتداخل بين اختصاصات أجهزتها المختلفة.
كلفة السلام
تماماً كما يرى المرشحون مبرراً لدمج الهيئات، فإنهم يتفقون أيضاً في تبني الرأي القائل إن الإصلاح يجب أن يتمحور حول إحياء دور الأمم المتحدة في صنع السلام. وهم بذلك يعكسون وجهة النظر السائدة بين الدبلوماسيين في نيويورك، التي ترى أن غوتيريش قد أهمل قضايا السلم والأمن في كثير من الأحيان. ففي بعض الحروب الكبرى التي اندلعت خلال فترة ولايته، بما في ذلك الصراعات في إثيوبيا والسودان، ركز جهوده على تأمين وصول المساعدات الإنسانية وتجنب بذل الجهود الهادفة إلى إيجاد حلول سياسية، مستشهداً بمحدودية سلطة هذا المنصب نسبياً.
إن تحفظ الأمين العام في مواجهة الحروب أمر مفهوم، فقد أدت الانقسامات بين أعضاء مجلس الأمن الذين يتمتعون بحق النقض إلى تقييد قدرة الأمم المتحدة على التأثير في الأزمات السياسية الكبرى. هكذا استخدمت روسيا حق النقض في مجلس الأمن من أجل ضمان عدم قيام الأمم المتحدة بأي دور سياسي في أوكرانيا. وأبدت إدارة بايدن استياءها من جهود الأمم المتحدة للدفع نحو وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة “حماس” في غزة أواخر عام 2023، في حين أن خطة ترمب نفسها لوقف إطلاق النار همشت دور الأمم المتحدة لمصلحة “مجلس السلام” التابع له. ولم تول واشنطن اهتماماً يذكر لجهود الأمم المتحدة الرامية إلى تخفيف حدة الأزمة الإنسانية في مضيق هرمز، بعدما كانت قد تجاهلت بصورة صارخة حظر ميثاق الأمم المتحدة للأعمال العدوانية عند شنها الحرب في إيران. ومن جانبها، أوضحت الصين، بهدوء ولكن بفعالية، للدول الأعضاء أن على الأمم المتحدة أن تحد من دورها في الحرب الأهلية الدائرة في ميانمار.
ومع ذلك، فإن ميل غوتيريش إلى النأي بنفسه عن مهام صنع السلام قد أدى أيضاً إلى نفور كثير من الدول الأعضاء التي لا تزال ترى أن على المنظمة أن تبذل مزيداً من الجهود للمساعدة في حل النزاعات التي لا تكون فيها القوى صاحبة حق النقض أي مصالح أساسية. كذلك فإن نزوعه للتركيز على قضايا عالمية لا علاقة لها بالنزاعات صار يتعارض على نحو متزايد مع تقييم كثير من الدول الأعضاء للتحديات التي تواجهها. ففي حقبة تتسع فيها رقعة الصراعات، يؤكد السفراء في نيويورك أن بلدانهم ترغب في معرفة ما يمكن للأمم المتحدة أن تقدمه لهم على صعيد الأمن. وعلى رغم أنهم قد يقدرون التعاون في مجالات أخرى، إلا أن قضايا السلم والحرب تبقى صاحبة الأولوية.
ينبغي على الأمين العام المقبل أن يركز على دبلوماسية أكثر هدوءاً وأقل كلفة في إدارة الأزمات
ويدرك المرشحون المتنافسون لخلافة غوتيريش هذه الحقيقة. فعلى سبيل المثال، ومع أن عملها في الأمم المتحدة تركز بصورة أساسية على قضايا التجارة والتنمية، فإن غرينسبان قالت إنها ستعطي “الأولوية لاستعادة الثقة في الأمم المتحدة كطرف موثوق به للجمع بين الأطراف المتنازعة في ساحات الصراع”. غير أن من الأسهل على المرء أن يعد بأن يكون صانعاً للسلام من أن يتمكن من إنهاء حروب فعلية، ولا سيما عندما تكون دول تتمتع بحق النقض طرفاً فيها. وحتى في النزاعات التي لا تكون دول دائمة العضوية في مجلس الأمن منتظمة فيها بصورة مباشرة، فإن قوى إقليمية متوسطة النفوذ يمكن أن تجعل من عملية صنع السلام تحدياً كبيراً.
وبغرض استعادة الثقة في المهمة الجوهرية للأمم المتحدة، يتعين على الأمين العام المقبل أن يبرهن سواء للقوى التي تحوز حق النقض أو لبقية الدول الأعضاء، على أن المنظمة قادرة على أداء دور مفيد في الحيلولة دون اندلاع النزاعات ووضع حد لها. ويمكن للمنظمة تحقيق ذلك بالاستعانة بالاستراتيجيات والأدوات المتاحة لديها بالفعل. فخلال الحرب الباردة، قام الأمين العام يو ثانت بالتوسط بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، مما أتاح إجراء اتصالات دبلوماسية عبر قنوات غير رسمية أسهمت في حل أزمة الصواريخ الكوبية. وعلى مدى العقود التي تلت ذلك، طورت الأمم المتحدة خبرة لا تضاهى في إدارة عمليات الوساطة، إلى جانب الهياكل اللوجيستية والإدارية اللازمة لتنفيذ بعثات واسعة النطاق لحفظ السلام وتحقيق الاستقرار. وقد أقرت إدارة ترمب بذلك العام الماضي، حين مارست ضغوطاً على مجلس الأمن من أجل إصدار تفويض يقضي بأن تقدم الأمم المتحدة الدعم لـ”قوة قمع العصابات” في هايتي.
وعلى رغم أن الأمم المتحدة لا تزال قادرة على نشر أعداد كبيرة من القوات على الأرض عند الضرورة، فإن الطلب على عمليات حفظ السلام المتعددة الجنسيات الواسعة النطاق، وهي السمة المميزة لإدارة الأمم المتحدة للأزمات في تسعينيات القرن الماضي وأوائل العقد الأول من القرن الـ21، سيظل على الأرجح منخفضاً. وبدلاً من ذلك، ينبغي على الأمين العام المقبل أن يركز على أشكال من دبلوماسية إدارة الأزمات، تكون أكثر هدوءاً وأقل كلفة، مكرساً وقته وطاقته للتنقل بصورة مكوكية بين القوى التي تملك حق النقض والقوى المتوسطة، بوصفه مصدراً محايداً للمشورة والأفكار. وسيتطلب هذا العمل بناء الثقة خلف الكواليس أكثر من السعي إلى تحقيق اختراقات علنية مدوية. ولكن إذا نجح القائد المقبل للأمم المتحدة في إقناع العالم بأن المنظمة هي صانعة سلام جديرة بالثقة، فقد يمهد ذلك الطريق لعمل أكثر طموحاً في المستقبل.
زمن البذخ انتهى
إن تجديد التركيز على صنع السلام لا يعني بالضرورة أن على الأمم المتحدة أن تتخلى بصورة كاملة عن سائر أهدافها. غير أن قادة المنظمة سيحتاجون إلى اختيار أولوياتهم بحكمة. فعام 2015، اتفقت الدول الأعضاء على مجموعة طموحة من أهداف التنمية المستدامة، تضمنت تعهداً بالقضاء على الفقر المدقع عالمياً بحلول عام 2030. ولكن في أعقاب الصدمات الاقتصادية المرتبطة بجائحة “كوفيد-19″، والحرب في أوكرانيا، وإغلاق مضيق هرمز، فإن فرص تحقيق تلك الأهداف قد أصبحت ضئيلة للغاية. ويستعد الدبلوماسيون حالياً للتفاوض في شأن حزمة جديدة من الأهداف للفترة التي تلي عام 2030. لقد اشتملت أهداف عام 2015 على 169 غاية محددة موزعة على 17 مجالاً للسياسات، تراوحت ما بين حماية النظم البيئية البرية والسلام والعدالة والأمن. وقد جعل هذا التعقيد الهائل من الصعب حشد الدعم السياسي والشعبي للنقاط الرئيسة في جدول الأعمال.
سترغب كثير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في الإبقاء على هذا التنوع في المبادرات (أو حتى إضافة مزيد إليه). إلا أن الأمين العام الجديد قد يضطر إلى الدعوة إلى جدول أعمال أكثر تركيزاً، يتمحور حول الحد من الفقر، والتكيف مع تغير المناخ، وحماية الدول من الصدمات الاقتصادية العالمية. ويساور القلق كثيراً من الدبلوماسيين في الدول النامية من أن الدول الغنية تريد أن تتخلى تماماً عن أجندة التنمية. وقد عززت إدارة ترمب هذه الشكوك جزئياً بتنصلها من أهداف التنمية القائمة. ومن شأن الاتفاق على قائمة أقصر وأكثر دقة للأهداف لما بعد عام 2030 أن يساعد الجهات المانحة والدول النامية على إيجاد أرضية مشتركة.
وقد يكون من الضروري أيضاً خفض سقف الطموحات في مواجهة تحديات عالمية مثل تغير المناخ وتنظيم التقنيات الجديدة. ويميل النهج الذي تتبعه الأمم المتحدة حالياً للدفع قدماً بالاتفاقات في شأن هذه القضايا إلى الإكثار من عقد المؤتمرات وإصدار البيانات. فعلى سبيل المثال، سجل 55 ألف شخص، يمثلون دولاً وشركات خاصة ومنظمات مجتمع مدني، حضورهم في قمة الأمم المتحدة للمناخ التي عقدت في البرازيل العام الماضي. وعلى رغم أن قوائم المدعوين الواسعة هذه قد تبدو شاملة للجميع، فإنها ليست وصفة فعالة من أجل اتخاذ قرارات واضحة.
وسيجب على الأمين العام التالي أن يفكر في كيفية صياغة سياسات تتعلق بالمشكلات العالمية المعقدة من دون كل هذا الضجيج. ويؤكد الدبلوماسيون الذين يستحضرون ممارسات الأمناء العامين الناجحين أن هؤلاء كانوا يطورون السياسات الكبرى بعناية فائقة وبالتعاون مع عدد محدود من الحلفاء الدبلوماسيين. وتماماً كما قد تنطوي جهود الأمناء العامين لتسوية النزاعات على مزيد من الاتصالات وراء الكواليس وعدد أقل من عمليات نشر قوات حفظ السلام على نطاق واسع، فإن دبلوماسيتهم في شأن القضايا العالمية قد تنطوي على عقد مزيد من الاجتماعات الهادئة وعدد أقل من المؤتمرات العملاقة، لكن لهذا النهج جوانب سلبية، إذ يمكن للأمم المتحدة استغلال الرأي العام العالمي كوقود سياسي، ولا سيما عندما تتردد الدول القوية في التحرك. ولا شك أن هناك أوقاتاً قد يرغب فيها الأمين العام في استنهاض الرأي العام العالمي. إلا أن بناء التحالفات بعيداً من الأضواء قد يكون، في كثير من الأحيان، أكثر فاعلية.
إعادة تشكيل شاملة
غالباً ما يتساءل المتخصصون الذين يدرسون مستقبل نهج العمل المتعدد الأطراف عما يلزم لإعادة الأمم المتحدة إلى مسارها الصحيح. ويرى البعض أن التناقضات الداخلية للمنظمة ستجبر الدول الأعضاء في نهاية المطاف على الموافقة على إجراء مراجعة شاملة لميثاقها، وهي خطوة جذرية يمكنها أن تقود إلى تفاقم التوترات الدبلوماسية بقدر ما قد تسهم في تخفيفها. وفي المقابل، يرى آخرون أن صدمة كبرى، مثل هجوم كارثي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يستهدف البنية التحتية لدول عدة، أو سلسلة متتابعة من الكوارث المرتبطة بالمناخ، ربما تهز الحكومات وتدفعها إلى إدراك الحاجة إلى التعاون المتعدد الأطراف.
ينبغي على الأمين العام المقبل أن يخطط بهدوء لمثل هذه السيناريوهات. فكلما كانت الأمم المتحدة مستعدة بصورة فضلى عند وقوع أي منها، زادت أهميتها وفاعليتها. وفي غضون ذلك، يتعين على القيادة الجديدة للمنظمة أن تستعيد ثقة الحكومات والشعوب التي تخدمها، وذلك من خلال إثبات قدرتها على إحداث تأثير ملموس في الارتفاع في عدد النزاعات على مستوى العالم، وتركيز جهودها الدبلوماسية والعملياتية بصورة أفصل، وتوفير منصة لحل المشكلات العالمية. ولعل هذه النسخة من الأمم المتحدة، الأصغر حجماً، هي المنظمة الأممية التي يحتاج إليها العالم حقاً.
ريتشارد غاون هو مدير برنامج القضايا والمؤسسات العالمية في “مجموعة الأزمات الدولية”.
مترجم “فورين أفيرز”، 21 سبتمبر (أيلول) 2026
