
الكتّاب والقطار (مؤسسة الكتابة المتحركة)
ملخص
على متن قطار “تواياليت إكسبريس ميزوكازي” الفاخر، اجتمع 16 كاتباً، ثمانية فرنسيون وثمانية يابانيون، لخوض مغامرة كتابة رواية واحدة خلال رحلة القطار من كيوتو إلى ماتسويه.
في كندا عام 2015 أطلقت المديرة التنفيذية لجمعية “الكتابة المتحركة” L’écriture en mouvement آن فورست-ويلسون مشروعاً أدبياً غير مألوف، أطلقت عليه عنوان “24 ساعة للرواية”. وتقوم فكرته على جمع عدد من الكتاب في مكان واحد، ومنحهم 24 ساعة لتأليف رواية جماعية. وقد جمعت الدورة الأولى 24 كاتباً بالفرنسية، من فرنسا وبلجيكا وكيبك وأونتاريو وأكاديا، على متن قطار في رحلة بين هاليفاكس وتورونتو، وأثمرت كتاباً صدر بالفعل بعنوان “على خطى شامبلان، مصير استثنائي في 24 لوحة”، وقدم في صالون الكتاب في مونتريال في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.
تولت جمعية “الكاتبة المتحركة” تنظيم المشروع، وهي مؤسسة فرنسية غير ربحية تعنى بدعم الإبداع الأدبي وابتكار تجارب جديدة تجمع الكتاب وتتيح لهم استكشاف أشكال مختلفة من الكتابة والتعاون الثقافي. أما شركة مون بلان (Montblanc) الشهيرة بأقلامها الفاخرة، فقد تولت الرعاية الرسمية لهذه الدورة، في امتداد لاهتمامها بفن الكتابة وأدواتها. وقد استخدم بعض الكتاب أقلامها الشهيرة “مايسترشتوك” خلال العمل على الرواية.
تستحق هذه التجربة اللافتة التوقف أمامها، ليس فقط بسبب فكرتها غير المألوفة، وإنما أيضاً بسبب الأسماء الأدبية الراسخة المشاركة فيها، من بينها موريل باربيري، صاحبة رواية “أناقة القنفذ”، وهيرفي لو تيلييه، الحائز جائزة غونكور عن روايته “الخلل”، الصادرة عن دار الآداب بترجمة محمد آيت حنا عام 2023، وكريستوف أونو دي بيو، إضافة إلى أسماء يابانية بارزة. نحن إذن أمام مجموعة من الكتاب الذين راكموا تجارب أدبية معروفة لدى قراء الفرنسية واليابانية، يجتمعون هذه المرة لتأليف رواية واحدة. فماذا ستكون النتيجة؟
مصائر متداخلة
ومن بين الأسماء اليابانية المشاركة كتاب قد لا تكون أعمالهم معروفة على نطاق واسع لدى القارئ العربي، على رغم حضورها في المشهد الأدبي الدولي. فهناك هيتومي كانيهارا، التي وصلت روايتها “الأفاعي والأقراط” (Snakes and Earrings) إلى القراء بالإنجليزية والفرنسية، وتوه إنجو، الحائز جائزة أكوتاغاوا، الذي ترجمت روايته التجريبية Self-Reference ENGINE إلى الإنجليزية. أما ماتشي تاوارا، الشاعرة التي أحدثت مجموعتها Salad Anniversary تأثيراً واسعاً في شعر التانكا الياباني، فقد وصلت أعمالها إلى القراء بالإنجليزية والفرنسية أيضاً. ونجد كذلك كاوري إكوني، صاحبة رواية God’s Boat، وهي من الأعمال التي ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية. أما هيتوناري تسوجي، فقد حظيت أعماله بحضور في فرنسا، ومن بينها رواية Le Bouddha blanc، التي نالت جائزة فيمينا عام 1999، وهو أول ياباني ينال جائزة فيمينا للأدب الأجنبي.
اختار منظمو المشروع الشخصيات الروائية ووزعوها على الكتاب، بحيث تتقاطع المصائر وتتجمع داخل رحلة القطار. وتتمحور الرواية حول شخصية ميزوكي، المتحدرة من أب ياباني وأم فرنسية، وتتكون الرواية من 16 فصلاً، يتولى كل كاتب كتابة فصل منها، مستكشفاً جانباً من حياة الشخصية وعالمها. ويتمثل التحدي الأساس أمام هؤلاء الكتاب في خلق حال من الانسجام بين الأصوات السردية المختلفة، وتحويل الفصول التي يكتبها كل منهم بصورة مستقلة إلى رواية واحدة متماسكة.
تحديات أدبية وثقافية
ولعل من المهم هنا أن نتوقف أمام المكان الذي تجري فيه هذه التجربة الكتابية، فالمشاركون يكتبون على متن قطار “ميزوكازي” الأخضر الفاخر، بتصميماته المستوحاة من طراز الآرت ديكو، ومقصوراته ذات الألواح الخشبية الأنيقة. وخلال الرحلة، تمتد أمام النوافذ مشاهد الريف الياباني وحقول الرز، بما تحمله من تفاصيل بصرية وثقافية لا بد أن تجد طريقها إلى مخيلة الكتاب ونصوصهم.
تطرح هذه التجربة عديداً من التحديات، أولها الكتابة تحت قيد الزمن، إذ يطلب من الكتاب إنجاز عمل روائي خلال أقل من 24 ساعة. وثانيها أن يشارك الكاتب في عمل لا ينتمي إليه وحده، بل يتقاسمه مع 15 كاتباً آخر، لكل منهم تجربته وأسلوبه ورؤيته للعالم. أما التحدي الثالث، وربما الأكثر تعقيداً، فهو الاختلاف اللغوي والثقافي بين المشاركين، الذين ينتمون إلى بيئتين أدبيتين متباينتين.
وقد أشار الكاتب الياباني هيتوناري تسوجي، في حديثه عن التجربة، إلى صعوبة التنسيق بين الكتاب، وإلى التباينات في طرق التعبير والتواصل بين المشاركين الفرنسيين واليابانيين. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز حدود هذه الرحلة: إلى أي مدى يمكن أن ينجح مشروع كهذا؟ وهل يستطيع 16 كاتباً ينتمون إلى لغتين وثقافتين مختلفتين، إحداهما شرقية والأخرى غربية، أن يصنعوا رواية واحدة، من دون أن يفقد كل منهم خصوصيته الأدبية؟
ليست الكتابة المشتركة ظاهرة جديدة في تاريخ الأدب، فقد عرف الأدب تجارب تعاون فيها أكثر من كاتب على إنجاز عمل واحد، سواء في الرواية أو المسرح أو الكتابة التجريبية، لكن ما يميز المشروع الفرنسي الياباني هو أنه لا يجمع الكتاب حول فكرة مشتركة فحسب، بل يضعهم في ظرف زماني ومكاني استثنائي، ويجعل من الرحلة نفسها جزءاً من التجربة الإبداعية. فالقطار هنا ليس مجرد وسيلة انتقال، وإنما فضاء مغلق يجمع الكتاب ويضعهم أمام تحد مشترك، بينما تتغير المشاهد خارج النوافذ، وتتواصل الكتابة داخل المقصورات. وهناك أيضاً عنصر المفاجأة، إذ لا يعرف أي كاتب بالضرورة إلى أين ستقوده الفصول التي يكتبها الآخرون، ولا كيف ستتداخل الشخصيات والأحداث في النهاية.
محطة الوصول
بيد أن التحدي لا ينتهي عند تسليم الرواية في محطة الوصول. فالمسودة التي تنجز في أقل من يوم ليست سوى نقطة البداية، وليست رواية مكتملة بالضرورة. لا سيما أن العمل يحتاج إلى قراءة متأنية، ومراجعة دقيقة لتطور الشخصيات وتسلسل الأحداث، والتأكد من عدم وجود تناقضات بين الفصول، إضافة إلى أهمية ضبط الإيقاع السردي واللغة، ثم اختيار عنوان العمل والاتفاق على تفاصيل النشر. وربما تكون هذه المرحلة هي الاختبار الحقيقي للمشروع، لأن تحويل 16 نصاً إلى عمل روائي متماسك يتطلب جهداً تحريرياً لا يقل أهمية عن الكتابة نفسها.
ويتوقع أن تصدر الرواية عام 2027 باللغتين الفرنسية واليابانية، لتصل إلى قراء البلدين، وربما إلى قراء آخرين عبر الترجمة، وإن لم يعلن رسمياً حتى الآن عن دار النشر التي ستتولى إصدارها، ولا عن موعد محدد لطرحها في المكتبات. وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح هذه المغامرة في التحول من تجربة كتابة استثنائية على متن قطار إلى عمل روائي يحتفظ بقيمته الأدبية بعد مغادرة الكتاب مقصوراتهم؟
هل نخوض التجربة عربياً؟
ثمة سؤال آخر يستحق أن نطرحه: هل يمكن نقل هذه التجربة إلى العالم العربي؟ أعتقد أن الفكرة تستحق التفكير الجاد، بل ربما تكون أكثر ثراءً إذا جمعت كتاباً من بلدان عربية مختلفة، لكل منهم تجربته وبيئته وحساسيته الأدبية. فماذا لو اجتمع كتاب من مصر والمغرب وتونس ولبنان والعراق وفلسطين، على متن قطار أو في رحلة نيلية، ليكتبوا رواية واحدة خلال يوم وليلة؟
لكن نجاح تجربة كهذه لن يتوقف على جمع الأسماء الأدبية المعروفة أو توفير المكان اللافت والتمويل. فهناك حاجة إلى مؤسسة ثقافية تتولى التنظيم، وراع رسمي يؤمن بالمشروع، ومحرر أدبي قادر على بناء الجسور بين النصوص، فضلاً عن اتفاق واضح حول حقوق الكتاب وآليات المراجعة والنشر، إضافة إلى أن اختلاف اللهجات والخلفيات الثقافية داخل العالم العربي قد يكون مصدر ثراء للرواية، إذا أحسن التعامل معه، ولم يختزل في محاولة فرض صوت واحد على الجميع.
ربما لا تكمن أهمية التجربة الفرنسية اليابانية في الرواية التي ستصدر عنها وحدها، وإنما في الأسئلة التي تطرحها حول الكتابة الجماعية وحدود التعاون الإبداعي. فهل يمكن للاختلاف أن يصبح مصدراً للثراء الأدبي بدلاً من أن يكون عائقاً؟ وهل نستطيع في العالم العربي أن نخوض مغامرة مماثلة، لا لمجرد تقليد تجربة ناجحة، وإنما لاكتشاف إمكانات جديدة للكتابة والتعاون بين كتابنا؟
