إيران، التي كان يُفترض أن تسقط في غضون بضعة أيام أو أسابيع، صمدت 200 يوم، وأطلقت سلسلة من الأحداث أدّت إلى أكبر أزمة طاقة عالمية في التاريخ الحديث.
بعد آذار/مارس 2026، وإثر انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا، واغتيال رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الذي كان علي خامنئي قد عيّنه، وانتقال إدارة الحرب إلى الحرس الثوري، تغيّرت تكتيكات إيران واستراتيجيتها على حد سواء.
على الرغم من أن إسرائيل هي التي بدأت الحرب في الشرق الأوسط، بعد أن أقنعت ترامب بدعمها، توقفت إيران في نيسان/أبريل عمليًا عن الرد بقصفها بالصواريخ، التي كانت على أي حال تُدمَّر بلا جدوى بواسطة “القبة الحديدية”، ووجّهت صواريخها وطائراتها المسيرة نحو جيرانها العرب. وكانت الإمارات العربية المتحدة، الشريك الإقليمي لإسرائيل، في مقدمة من طالتهم الهجمات.
لكن الدولة الخليجية الأكثر تضررًا اقتصاديًا حتى اليوم كانت قطر، أغنى دول الخليج. فقد عطّلت إيران عمليًا إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال.
تمكنت المملكة العربية السعودية طوال نحو نصف عام من تجنّب التداعيات الكارثية للحرب. وساهم في ذلك الدور النشط الذي اضطلعت به الرياض في العملية التفاوضية في إسلام آباد، وربما أيضًا استعدادها لتعويض إيران عن جزء من الأضرار التي تسبب بها القصف الجوي الإسرائيلي والجيش الأميركي.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن “ميثاق مكة” كان قد نوقش بين ثلاث دول: باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية. وأعتقد أن منير، قائد الجيش الباكستاني، كان يضغط باتجاه ضمان حماية المملكة العربية السعودية. أما قطر، فقد تلقت ضربة قوية جدًا منذ بداية الحرب. وبالنسبة لي، يبقى لغزًا لماذا كانت هي تحديدًا أول من جرى تعطيل قدراتها، إذ إن ذلك كان يصب في مصلحة الولايات المتحدة باعتبارها منافسًا لقطر في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وينبغي أن أذكّر بأن قصف إيران كان يتمّ في الغالب انطلاقًا من القواعد العسكرية الأميركية الموجودة على أراضي دول الخليج، أي أنها كانت تشارك، بصورة غير مباشرة، في الحرب أيضًا. ويقال أن ولي العهد السعودي، الذي كان من الواضح أن إسرائيل وواشنطن تعوّلان عليه (وقد سمعتُ شخصيًا أن الجيش السعودي كان يُفترض أن يسيطر على إقليم خوزستان وعلى أكثر المحافظات الإيرانية إنتاجًا للنفط، حيث يعيش العرب الإيرانيون تاريخيًا)، قد خرج عن هذه الخطة. بل وأكثر من ذلك، فقد بدأ يشارك بنشاط في المفاوضات الباكستانية، ويسعى إلى إيجاد سبل لخفض التصعيد.
وعلى الرغم من أن بن سلمان قد اشترى من الولايات المتحدة أسلحة بقيمة 142 مليار دولار (!) وتعهد باستثمار تريليون دولار في الاقتصاد الأميركي، فإن ذلك لم ينقذه في اللحظة الحرجة.
وتجدر الإشارة إلى تقدّم الحوثيين في الأسبوع الماضي وسيطرتهم على جميع المواقع الرئيسية التي تتيح لهم التحكم في مضيق باب المندب، وهو ممر بحري آخر بالغ الأهمية لتصدير النفط، وكذلك استهداف خط أنابيب النفط الذي كانت المملكة العربية السعودية تستخدمه لنقل نفطها متجاوزةً مضيق هرمز. واعتبارًا من منتصف أيلول/سبتمبر، بات تصدير النفط من المملكة العربية السعودية يقترب فعليًا من الصفر.
تلوح في الأفق أزمة طاقة كارثية، ولم تعد أسعار النفط عند مستوى 120 دولارًا للبرميل ضربًا من الخيال.
لم يتبقَّ على انتخابات الكونغرس الأميركي المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر سوى شهر ونصف، وكذلك الحال بالنسبة إلى انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 26 تشرين الأول/أكتوبر. وإيران، التي ربما تعتمد على الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة وعلى جزء من مجتمع الاستخبارات المتعاطف معه، لن توقف الحرب ولا أزمة الطاقة المتفاقمة، التي يُفترض أن تؤدي إلى إسقاط ترامب ونتنياهو.
بكلام آخر، لا ينبغي، في الوقت الراهن، توقّع انتهاء العمليات القتالية. وهل يجدر بنا أصلًا أن نتوقع انتهاء هذه الحرب؟
حتى الآن، يبدو أن أوار الحرب يستعر أكثر، والطرفان يستعدان لمواصلتها.
إيران: سجّل 31 مليون إيراني أسماءهم للتعبئة، حسب موقع Iran Observer.
اختار 12.4 مليون شخص الخضوع للتدريب العسكري. وسيتلقون تدريبًا على استخدام الطائرات المسيّرة من طراز FPV، والتدريب على القنص، واتقان استخدام الأسلحة المعتمدة مثل بندقية كالاشنيكوفAK-47 . وفي نهاية المطاف، سيجري اختيار مليون شخص فقط لتشكيل 1000 كتيبة.
إسرائيل: أفادت صحيفة “واشنطن بوست” بأن إدارة ترامب تستعد لبيع قنابل تزن 2000 رطل (نحو 907 كلغ) بقيمة 2.8 مليار دولار، في ما يُعدّ أكبر صفقة لبيع هذا النوع من الأسلحة المثيرة للجدل خلال السنوات الأخيرة. ومن الواضح أن هذه القنابل ليست وسيلة للحماية أو الدفاع، ما يشير إلى أن نتنياهو أو رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل يعتزم تحويل كل ما حوله إلى غزة، أما الجهة التي ستُستخدم هذه الأسلحة ضدها -إيران أم لبنان أم سوريا- فسنعرف ذلك لاحقًا.
وأخيرًا، هذا ما قاله “حمامة” الجمهوريين جاي دي فانس، الذي اختاره ترامب في نهاية المطاف خلفًا له. فقد صرح قائلاً “إن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران سيدخل مرحلة جديدة خلال بضعة أشهر. أما المرحلة الأولى، المتمثلة في تدمير البرنامج النووي الإيراني، فقد اكتملت بالفعل”. وأضاف بأن “المرحلة الثانية تتمثل في عدم السماح لهم بإعادة بناء قدراتهم، ومحاولة الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الاستقرار العالمي بعد ذلك”.
هذا هو فانس نفسه الذي أذكّر بأنه كان معارضًا للحرب ومنتقدًا لإسرائيل.
لذلك، نحن لا نستعدّ للسلام في الوقت الراهن. وأنصحكم بربط أحزمة الأمان بإحكام، فنحن مقبلون على رحلة طيران شاقة عبر منطقة من الاضطرابات الجوية الشديدة.