وقد شاءت الظروف الخارجة عن إرادتنا أن أهديه من على صفحات “ضفة ثالثة”، مباشرة بعد رحيله، إلى ذكراه الباقية بيننا:
(*) يقف الأديب إسكندر حبش في هذا الكتاب على ضفاف كثيرة ليقدّم لنا وجبات ثقافية – من دون ضفاف – تبدأ بالفلسفة وتنتهي بالأدب التراسلي مرورًا بالشعر والرواية.
وما يدفعني إلى تقديمها هنا جملة من استنتاجات ذهنية أوحت لي بها وأنا أواكب نشرها في المنبر الثقافي “ضفة ثالثة”، ولا تزال تلازمني.
مقالات هذا الكتاب عبارة عن قراءات نقدية تتوزّع بين احتفاء بالمبدع المعني وتجربته الإبداعية بشكل كامل، وبين احتفاء وتقديم قراءة في أحد مؤلفاته، فضلًا عن إيراد شهادات في الإبداع والحياة.
يقدم لنا حبش في هذا الكتاب عصارة تجربة قراءات معمقة في المضامير الثقافية المذكورة، وبناء على ذلك يُعتبر بحق شهادة مهمة على جوانب من مسيرة الثقافة العالمية والثقافة العربية، وأقول ذلك من منطلق معرفتي بجوهر المساهمة التي قدمها المؤلف لهذه المسيرة ولا ينفك يُقدّمها، سواء كشاعر أو كناقد أو كمترجم، أو كمنتج لا يزال فاعلًا في صلب الكتابة الثقافية.
ففي حيّز الفلسفة يقدّم لنا سياحة ممتعة في عالم كل من ليون شيستوف وآلان تورين وفرانتز فانون ويان باتوتشكا وميشيل هنري وأكسِل هونيث وإدموند هوسرل وموريتز شليك وبرباره كاسان وسبينوزا. وفي حقل الشعر يغوص على مساهمة بول شاوول في ترجمة وتقديم الشعر الفرنسي الحديث، وشعر كل من جورج سيفيريس وإيتيل عدنان. وفي مجال الرواية يقدّم لنا قراءات في العالم الروائي لكل من آني إرنو وكنزابورو أوي ودينو بوتساتي وأنطونيو لوبو أنطونيش وجون دوس باسوس وتشينوا أتشيبي وول سوينكا وجان – باتيست أندريا وجويس كارول أوتس وبول أوستر وبرنار بيفو. وفي مضمار الأدب التراسلي نقرأ عن رسائل ماري بونابرت وسيغموند فرويد، وفريدريش نيتشه، وراينر ماريا ريلكه، وإيتالو كالفينو، وفلاديمير نابوكوف.
ما يغلب على كتابة حبش نمط يمكن أن ننسبه إلى السيرة الذاتية، حيث يصادفنا في مقالات هذا الكتاب كافة مقصد الحديث عن تجربته، بما في ذلك في الحياة العامة، والعملية، والروحية، والسياسية. وبما أن أصول هذا الجنس من الكتابة ارتبطت، أكثر شيء، بالبوح والاعتراف، فنحن نصادف كذلك اعترافات كثيرة. ولا يُعيب المؤلف وجود قدر من النزعة الفردانية، فهذه من متلازمات السيرة الذاتية، كونها تقوم في أكملها على إيمان قوي بالأنا/ الفرد. وإلى جانب السيرة الذاتية تنهض في الكتاب سير أخرى يمكن توصيفها بأنها “سير غيرية”.
ويسرد لنا الكثير من التفاصيل والوقائع التي تحيل في اجتماعها إلى ما هو خاص في تجربته الثقافية، والذي كان مُرشّحًا للتعمّق على أساس مُمنهج. ومثل هذا الحُكم يبدو مُستحقًا استنادًا إلى متابعتي لهذه التجربة خصوصًا في الفترة القليلة الفائتة. غير أن حبش يتولى في الكتاب مهمة صوغ هذا المنهج في نطاق مجموعة من التبصرات أو الاستنتاجات الذهنية. وهي استنتاجات تتعلق برؤيته المخصوصة التي تنطلق من قناعة بوجود علاقة جدلية بين الروح والجسد، وبأن في وسع الشعوب أن تمتلك حريتها إِنْ كانَت الثقافة تَجري فِي عُرُوقها، وكذلك بوجود الأحلام. ومثل هذه الاستنتاجات نعثر عليها على طول الكتاب، وتُسعف القارئ والدارس معًا في تقييم التجارب المعروض لها أو على الأقل في تأطيرها. ومن هذا الخاص ينتقل المؤلف إلى العام. وهنا يقدم رؤيته حول الإبداع الثقافي وأطره وغاياته، مخاطبًا عقل القارئ ووجدانه من دون أن يستخف بذكائه.
حضرني وأنا أكتب هذه المقدمة تشديد الكاتب المسرحي هارولد بنتر (1934 – 2008)، في سياق الكلمة التي ألقاها لدى تسلمه جائزة نوبل للأدب (2005)، على ثالوث الفن والحقيقة والسياسة من خلال توكيده على أن غاية الفن هي البحث عن الحقيقة بأوجهها المختلفة حتى في تلافيف السياسة، وهو ما ينطبق، بكيفية ما، على الثقافة بشكل عام. ولا يعيب بنتر على المسرح استخدام الكلام السياسي. وهو يؤكد أن “الكلام السياسي على نحو استخدامه من طرف الساسة لا يغامر مطلقًا في خوض المجاهل لأن غالبية الساسة لا يهتمون بالحقيقة بل بالسلطة والحفاظ عليها. ولكي يحافظوا على السلطة ينبغي للناس أن يبقوا أسرى الجهل، أن يحيوا في كنف جهل الحقيقة. وإن ما يحيط بنا إذًا إنما هو نسيج رحب من الأكاذيب التي نتغذّى منها”.
سوف يلاحظ القراء أن المؤلف يختار الخوض في الكتابة حول الموضوعات والفلاسفة والأدباء الذين يشملهم هذا الكتاب من منطلقات عدة، ليس أبسطها أننا “نحن نكتب أولًا لأن آخرين كتبوا قبلنا… ما من كاتب لا يندرج في سلسلة متواصلة من الكتّاب”، على حدّ قول جوليان غراك في كتابه “القراءة أثناء الكتابة” (منشورات “مكتبة جوزيه كورتي”، باريس 1980). وهو القول الذي ثبّته حبش في مستهل الكتاب انتصارًا لمبدأ التناص. ومن هنا، ربما، دأبه على العودة إلى “ما قبل” لأنه لا يمكن فهم “ما بعد” أي شيء أو تقييمه بدون مثل هذه العودة.
وسأجيز لنفسي أن أتوقف عند بعض ما وصفت بأنها تبصرات يدأب المؤلف على بثّها وتشي بغايته القصوى من وراء الوقوف أمام هذه الضفاف، وبشكل خاص من الفلسفة، ولكن أيضًا من الأدب. وبغية جعل القارئ يستشعر بنماذج دالة على ما أقصد، سأكتفي بالإشارة إلى ما يلي والتي لا تغني بأي حال عن الاستغراق في قراءة الكتاب من ألفه إلى يائه. وهي نماذج مستقاة من الفصل الاستهلالي الذي يتطرّق إلى الفلسفة.
| أعادت حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على غزة يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أعمال فرانتز فانون إلى صدارة الاهتمام |
(*) في المرامي الأبعد لتحرير الذات: ضمن حيّز الفلسفة ثمة تركيز، من خلال معظم النماذج التي يوردها حبش، على المرامي الأبعد لتحرير الذات والتي تتغيّا النأي بالفرد، أي فرد، عمّا يصفها بأنها عزلة غامضة، وعدم الانجرار وراء الاتجاه الحالي نحو فردانية جامحة، محمومة. وفي هذا الخصوص فهو يعيد التذكير بأن الفرد المحاط بالحقوق بالتأكيد، ولكن المنفصل عن المؤسسات القائمة، سيصبح مُجرّدًا أيضًا، مثله مثل الفرد الذي يختنق بسبب الحتمية المفروضة عليه.
وفي هذا الصدد يشير المؤلف إلى أنه في تضاد مع الحتمية، التي تؤدي إلى القدرية، ينادي أكسيل هونيت بمفهوم تجريبي للفعل، مستوحى من ديوي (Dewey)، وبالانتقال من الحرية الفردية إلى الحرية الاجتماعية. وتعني التجريبية نبذ الأفكار المسبقة، أي السعي لفصل السوق عن أبعاده الرأسمالية الوحيدة ودعم ونشر محاولات تنظيم عمل جديد. فقبل أي شيء، إنها مسألة تحرير الذات من التراث الصناعي، من “الأصولية الاقتصادية” لمراعاة “تمايز المجالات الاجتماعية” وتمكينها في المجتمعات المعاصرة. وبالإضافة إلى العمل الاقتصادي هناك عمل ديمقراطي ومجال العلاقات الشخصية والعائلية، هناك الكثير من الأبعاد غير الهرمية والعالمية التي يمكن للأفراد من خلالها تلبية احتياجاتهم بشكل مشترك، ليس بالمعنى الليبرالي للسعي وراء الأهداف الشخصية ولكن بقدر ما تسود “علاقات المعاملة بالمثل من دون قيود وبالتالي شروط الحرية الاجتماعية”. ولم تعد مجالات النضال هذه تتعلق بجماعة أو طبقة بل بجميع المواطنين الذين يبحثون عن تحررهم، في الفضاء العام.
(*) الاستعمار والطب النفسي: أعادت حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على غزة يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أعمال فرانتز فانون إلى صدارة الاهتمام. ووفقًا لحبش، وسمت هذه الأعمال أجيالًا من مناهضي الاستعمار ونشطاء الحقوق المدنية والمتخصصين في الدراسات “ما بعد الكولونيالية” منذ صدور مؤلفاته (“بشرة سوداء، أقنعة بيضاء”، 1952؛ “السنة الخامسة للثورة الجزائرية”، 1959؛ “معذبو الأرض”، 1961). ولكنه في الوقت عينه يشير إلى أن ثمة بينة راسخة عند كثيرين من دارسي فانون بأن العديد من كتاباته بقيت غير منشورة أو مثلما قيل دائمًا “من المتعذر الوصول إليها”، ولا سيما كتاباته النفسية، بما في ذلك تلك المخصصة حول “الاستلاب الاستعماري الذي يظهر من خلال الأمراض العقلية” (على حدّ تعبير ناشر أعماله في تلك الفترة فرانسوا ماسبيرو). ومؤخرًا تم ردم هذا الفراغ، بعد أن نشرت دار “لا ديكوفيرت” الفرنسية، “الجزء الثاني” من أعمال فانون، وهي هذه الأعمال التي لم تُنشر في السابق، وقد استغرق العمل جهدًا كبيرًا وعملًا صبورًا وبحثًا طويلًا، قام به كل من جان خلفا وروبرت ج. س. يونغ، ليقدما في هذا المجلد المقالات العلمية التي كان نشرها فانون، وأطروحته عن الطب النفسي، بالإضافة إلى بعض النصوص غير المنشورة أو تلك التي كتبها ونشرها في الجريدة الداخلية لمستشفى بليدا – جوينفيل حيث مارس مهنته من عام 1953 إلى عام 1956.
(*) عن يان باتوتشكا: يسلط الكتاب الضوء على يان باتوتشكا (غير المترجم إلى اللغة العربية على نحو وافٍ) والذي تعود جذور حياته وأعماله إلى الصراعات الأخلاقية والسياسية في القرن العشرين الماضي. إنه مفكر تشيكي يكافح ضد النازية والستالينية، ويدعم حق الفكر في التشكيك في معنى الإنسانية الأوروبية، ووريث مشروع فلسفي ولد لأول مرة في عصر ما قبل سقراط، ثم أكد نفسه مع أفلاطون، فيما يتعلق بـ “رعاية الروح”، قبل أن تتبناها فينومينولوجيا هوسرل وهيدغر وتطورها. لذا لم يتوقف باتوشكا أبدًا عن تفسير فكر هوسرل الأصيل بمعنى تعميق أطروحة princeps الموروثة من سقراط.
(*) ترجمات جديدة: يتناول حبش مجموعة من الترجمات الجديدة لأساطين الفلسفة والمعرفة وخصوصًا إلى اللغة الفرنسية، على غرار الترجمة الجديدة لـ “أفكار” إدموند هوسرل، والترجمة الفرنسية لكتاب “النظرية العامة للمعرفة” لموريتز شليك، مؤسس “دائرة فيينا”، الذي صدر في بداية القرن العشرين، ومع نهاية العقدية الأولى من القرن الواحد والعشرين، صدرت ترجمته الفرنسية، بتوقيع كريستيان بونّيه (Christian Bonnet) والتي يصفها المؤلف بأنها ترجمة رائعة مليئة بالأناقة والدقة، إلى جانب مقدمة مهمة وفهرس فرنسي – ألماني ثمين (ثنائي اللغة)، لأحد أهم أعمال فلسفة العلوم والمعرفة في القرن العشرين. وفي قراءة حبش “استطاع هذا المترجم والمعلق المتمرس أن يستفيد، في عمله الصبور، من النسخة النقدية لمجلد الأعمال الكاملة لموريتز شليك الذي نُشر عام 2009 في فيينا والذي يشكل، بطريقة ما، اعتذارًا جميلًا وضخمًا (من 946 صفحة) قدمها الناطقون بالألمانية عن التأخير الذي اتخذته العلوم الفرنسية (ما دمنا نعتمد هنا على الترجمة الفرنسية)، بحق هذا الفيلسوف، من دون أن نذكر مثلًا اللغة العربية التي لا نجد فيها، تقريبًا، أعمالًا متكاملة لهذا الفيلسوف الألماني الكبير”.
يتعيّن عليّ أن أؤكد أن الفصل الأخير من الكتاب الذي يتطرّق إلى الأدب التراسلي، أبدى فيه المؤلف تفهمه لحذر كثيرين، من حيث المبدأ، من قراءة رسائل كاتب ما، التي قد تصدر بعد رحيله، إذ إن الفكرة غالبًا ما تثير القلق. وبرأيه يمكن للواحد أن يحبّ أعمال كاتب ما، بيد أن التعمّق في حياته، كما رفع الستار خلف الكواليس، يبدو على النقيض من ذلك، أي إن الأمر ليس نفسه في النهاية، بمعنى أن هذا الانغماس بثنايا الشخصية قد يجعلنا نكتشف تبادلات يومية لا تهمنا حقًا، ومنها تصبح علاقتنا أقلّ ارتباطًا بهذا الكاتب أو ذاك. لكن إلى جانب ذلك، ثمة كتّاب تعتبر مراسلاتهم جزءًا لا يتجزأ من عملهم الأدبي والفكري. ويسوق مثلًا رسائل سبينوزا التي تقدم لنا شروحات حقيقية لفكره أكثر مما تقدمها طروحاته التي جاءت في كتبه. ومن هذه الفئة الثانية، نجد حالة الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو (1923 – 1985)، أحد أهم الروائيين وأكثرهم شهرة ومقروئية في القرن العشرين. وبناء على ذلك وجد ضرورة في أن يتناول هذه الرسائل التي تسعف غاية الإضاءة على العالم الأدبي الذي بناه هؤلاء الأدباء والفلاسفة لأنفسهم ولنا.
ويبدو في عرف المؤلف أنه لا معنى للنظر إلى أي نصّ، كما إلى تاريخ الأفكار وفلسفتها، إلا بمدى ما يتيح ذلك من إمكانيات لمحاسبة المآلات. وخلال ذلك يتكشف حبش بكونه حاذقًا في اصطياد المواقف والمفارقات، التي تخاطب عقل المشاهد ووجدانه من دون أن تستخفّ بذكائه.