الواضح أنّ إيران نفسها تخلّت عن الأولويّة النوويّة، ربّما اعترافاً بأنّ ضربات حزيران كانت موجعة على الرغم من المكابرة، وأنّ إخفاءها مصير حوالي 400 كلغ من اليورانيوم العالي التخصيب، ومنعها مفتّشي الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة من زيارة المفاعلات النووية، خصوصاً تلك التي تعرّضت للقصف، لا يغيّر من حقيقة أنّ البلد لم يعد على العتبة النوويّة التي كان يخشاها خصوم طهران، لا سيما إسرائيل.
غير أنّ تقارير المخابرات الغربيّة تكشف أنّ إيران تكثّف جهودها لترميم وتطوير برنامجها للصواريخ البالستيّة. والاستنتاج أنّه ما دامت إيران لم تمتلك ولن تمتلك ردعاً نوويّاً متوخّى، فإنّها ذاهبة إلى امتلاك ردع صاروخيّ أثبت خلال الحرب الأخيرة فعّاليّة في إنزال الخسائر بإسرائيل وداخل تل أبيب بالذات. وفيما تصرّ طهران على عدم إدراج برنامجها الصاروخيّ ضمن جدول أعمال أيّ مفاوضات تريدها نوويّة حصريّاً، باتت التقارير الاستخباريّة الغربيّة تسلّط الضوء على ما تعتبره خطراً يهدّد أوروبا مباشرة بحكم موقعها الجغرافيّ في مدى صواريخ الجمهوريّة الإسلاميّة.
موادّ لإنتاج 500 صاروخ بالستيّ
تكشف تلك التقارير، وفق ما نشر الإعلام الأميركيّ، أنّ إيران استوردت حوالي 2000 طن من مادّة “صوديوم بيركلورات”، وهي مكوّن أساسيّ لوقود الصواريخ البالستية ذات الوقود الصلب، من الصين منذ 29 أيلول 2025. أفادت المصادر الاستخباريّة عن وصول 10 إلى 12 شحنة من تلك المادّة إلى ميناء بندر عبّاس، وأنّ تلك الكميّة كافية لإنتاج وقود لنحو 500 صاروخ بالستيّ متوسّط المدى.
غير أنّ ما أرادته هذه التقارير أكثر من ذلك، وهو الكشف عن أنّ الشحنات تأتي من شركات صينيّة، بعضها خاضع لعقوبات أميركيّة، مثل سفن “غولبون” و”جيران”. يعني ذلك أنّ هذا التعاون يأتي على الرغم من “آليّة الزناد التلقائيّة” (snapback) للعقوبات الأمميّة بموجب قرار 2231، التي تحظر توريد موادّ تتعلّق بالصواريخ إلى إيران. إذا ما أرادت معلومات استخباريّة أوروبيّة أن تقول إنّ العواصم “الصامتة” تراقب بدأب ما تخطّط له طهران لبرامجها الصاروخيّة بعد النوويّة، فإنّها تبعث، بسبب تسريبها إلى الصحافة، برسائل تحذير إلى ومن الصين بشأن دورها في إعادة تسليح إيران الذي تحظره القرارات الأمميّة.
لا يعتبرون في طهران الأمر كشفاً ولا فضيحة. قبل أيّام أشاد وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي بدور الصواريخ البالستيّة في الحرب الأخيرة. اعتبر أنّها كانت “العنصر الأبرز” في قوّة إيران وجلبت “العزّة” للبلاد. أضاف إلى ذلك السرد أنّ إيران أقوى الآن، رافضاً المخاوف النوويّة، مشيراً من جديد إلى أنّ برنامج إيران النوويّ “سلميّ تماماً”.
وفق ذلك التكتيك تعلن طهران أنّها ماضية في تعزيز قدراتها الصاروخيّة، بما أوحى باستراتيجية “استبدال” تلك النووية في المرحلة الراهنة، من دون إسقاط الخيار النوويّ العسكري، وفق ما أوحى به قبل أسابيع حديث علي شمخاني المقرّب من المرشد من “ندم استراتيجيّ” على عدم صناعة القنبلة.
لا تعترف بآليّة الزّناد
من جهتها نفت حكومة بكين تماماً أيّ علاقة لها بتزويد إيران بتلك الموادّ أو انخراطها في تسليح إيران. وأعلنت أيضاً بالمناسبة أنّها، وفق رسالة مشتركة سابقة مع موسكو وطهران إلى الأمين العامّ للأمم المتّحدة، لا تعترف بتفعيل “آليّة الزناد” وتعتبرها غير قانونيّة، ولذا هي غير معنيّة بالالتزام بالعقوبات الأمميّة العائدة، التي بعضها يمنع إيران من التسلّح أو التزوّد بالموادّ التي تدعم برامجها التسليحيّة.
كانت عواصم أوروبيّة، لا سيّما باريس، قد طالبت خلال جلسات التفاوض غير المباشر بين طهران وواشنطن، أن تُدرِج المفاوضات برنامج إيران للصواريخ البالستيّة وأنشطتها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، أي محورها وعلاقتها بالميليشيات. بالمقابل لم تُصدر واشنطن حينها أيّ موقف رسميّ معلن يذهب هذا المذهب.
على الرغم من زهْو إيران وحديث عراقجي عن “العزّة” التي جلبتها الصواريخ، يوحي ما تسرّب إلى الصحافة الأميركيّة من أنّ البرنامج الصاروخيّ الإيرانيّ تحت المجهر، وأنّ إدراجه داخل أيّ مفاوضات “نوويّة” ربّما بات حتميّاً، ليس فقط بسبب أخطاره الإيرانيّة، بل أيضاً لأنّه بات من ضمن عُدّة شغل صينيّة لا تسمح أبجديّات الأمن الاستراتيجيّ الأميركي بغضّ الطرف عنها.
المصدر اساس ميديا