محمد أمين. صحفي سوري . دمشق،
تصريحان متناقضان حول مسار التفاوض ما بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، يؤكدان أن الهوّة ما تزال عميقة وواسعة ما بين الجانبين، وآمال الشارع السوري بالحصول على اتفاق قبل نهاية العام الحالي تتضاءل، في وقت يتوقع فيه أن يحضر ملف مفاوضات “قسد” في زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن بعد أيام.
مسار مفاوضات “قسد”
وقال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في تصريحات أول من أمس الأحد، على هامش مؤتمر “حوار المنامة 2025” في البحرين، إن مفاوضات “قسد” الجارية بشأن دمج تلك القوات و”الإدارة الذاتية” في شمال شرق سورية ضمن مؤسسات الحكومة السورية لم تحقق أي تقدّم ملموس بعد، مشيراً إلى أن “المناقشات مع قسد ما زالت مستمرة، لكن لم تُتخذ حتى الآن خطوات إيجابية أو عملية”. وشدّد في الوقت ذاته على أن “المسار العام إيجابي”.
في المقابل، قال المبعوث الأميركي إلى سورية، توم برّاك، في كلمته خلال مؤتمر المنامة، السبت الماضي، إن المحادثات بين “قسد” ودمشق “تسير بشكل رائع للغاية”. وفي حديث مع الصحافيين حينها أشار إلى أن جهود دمج “قسد” ضمن المؤسسة العسكرية السورية “تسير بشكل جيد”، مضيفاً: “نحن نسير بخطى ممتازة في عملية الدمج مع الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي (قائد قسد)”، اللذين وقّعا اتفاقاً في دمشق، يوم العاشر من مارس/ آذار الماضي، يقضي بوقف إطلاق النار واندماج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة. من جهة أخرى قال برّاك، وهو أيضاً السفير الأميركي لدى أنقرة، إن قضايا تقاسم العائدات النفطية “تتحرك في الاتجاه الصحيح”، مؤكداً أن تركيا “لا تشكّل عقبة” أمام محادثات الدمج بين دمشق و”قسد”. وما بين تصريحين متناقضين، لا يبدو أن الاتفاق بين دمشق و”قسد” وشيك قبل نهاية العام الحالي، كما نصّ اتفاق العاشر من مارس.
حسم الملف
وتعليقاً على تصريحي الشيباني وبرّاك بشأن مفاوضات “قسد” الجارية، رأى الباحث السياسي السوري رضوان زيادة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “كما يبدو كل طرف لديه مفهوم خاص حول التقدّم”، موضحاً أن “المفهوم السوري للتقدم هو في الحسم الكامل لهذا الملف وتطبيق اتفاق مارس مع نهاية العام الحالي كما نص، وهو ما لم يتحقق حتى اللحظة بينما الطرف الأميركي يعتقد أن المواعيد التي وردت في الاتفاق غير ملزمة ما دامت قسد تقوم ببعض الخطوات على الأرض لتنفيذه”.
من جهته، رأى فراس علاوي، رئيس تحرير موقع الشرق نيوز، المواكب للمشهد في شمال شرق سورية، في حديث مع “العربي الجديد”، أن تصريحات الشيباني “تندرج في سياق مواصلة الضغط على قسد”، مضيفاً أن الخيار العسكري “مستبعد، على الأقل في مدى منظور”. ورجّح علاوي أن يشهد مسار التفاوض بين دمشق و”قسد” تقدماً عقب زيارة الشرع إلى واشنطن، إذ من المتوقع أن يُعلن انضمام سورية إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب، مضيفاً أن “توقيع الشرع على هذا الانضمام إما سيلغي دور قسد بشكل نهائي أو تكون هناك شراكة في محاربة الإرهاب”.
وفي السياق ذاته، رأى كادار هوزان، مدير مؤسسة كرد بلا حدود، في حديث مع “العربي الجديد”، أن برّاك “يريد أن ينسب لنفسه أي إنجاز يتحقق قبل انتهاء مدته (منصبه، عُين مع بداية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب)، ويعطي صورةً حسنةً عن نفسه”. وأضاف هوزان أن “الأمور ليست كما تحدث عنها” برّاك، موضحاً أنه “في المقابل، الموقف ليس كما قال الشيباني، فالمفاوضات مستمرة وتم تشكيل لجان وإعطاء التحالف الدولي أسماء مقترحة لقيادة فرق عسكرية من قسد ستُشكّل”. وفي رأيه فإن “الشيباني يريد إرضاء الجانب التركي”. وقال إن مفاوضات “قسد” تسير “بشكل جيد وهناك موافقة من دمشق على مناقشة مبدأ اللامركزية” التي تطالب بها “قسد”، معتبراً أن “المفاوضات تحتاج إلى وقت”.
ورغم خفوت حدة التوتر العسكري بين الجانبين على الجبهات وخطوط التماس، خصوصاً في ريف حلب الشرقي والشمال الشرقي، إلا أن الشارع كان مسرح تبادل رسائل بين الطرفين، ووسيلة ضغط. فالجمعة الماضي، شهدت نحو 17 مدينة سورية تظاهرات مناهضة لـ”قسد”، مطالبة بـ “تحرير” الشمال الشرقي من سورية من الجيش السوري. وجاءت هذه التظاهرات استجابة لدعوات ناشطين وفعاليات مدنية في المحافظات التي تخضع في أجزاء واسعة منها لـ”قسد”، وهي: الرقة والحسكة ودير الزور، والتي تشهد تململاً شعبياً متزايداً بسبب المماطلة في المفاوضات وعدم التوصل لحل نهائي لمصير المنطقة. ودعت هذه الفعاليات في بيان ألقي في نقاط التظاهر إلى “حل وطني شامل يضمن وحدة الأرض والشعب تحت راية الدولة السورية”، و”إنهاء ملف قسد، وضمان عودة المهجرين إلى مناطقهم في الجزيرة السورية (شمال شرقي سورية)”، إضافة إلى “إطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين ووقف الانتهاكات التي ترقى إلى جرائم حرب”.
في المقابل، أخرجت “قسد” أنصارها إلى الشوارع، لا سيما في محافظة الحسكة، أقصى الشمال الشرقي من البلاد، والتي تتركز فيها النسبة الكبرى من أكراد سورية. ويعكس اللجوء إلى الشارع حجم الخلاف ما بين الحكومة السورية و”قسد”، ويؤكد أن كل طرف ما يزال عند مطالبه، لا سيما “قوات سوريا الديمقراطية” التي كما يبدو ليست في وارد الاتجاه نحو حلّ نفسها والتخلي عن مكاسبها في شمال شرق سورية، فهي اليوم سلطة أمر واقع تسيطر على الجانب الأغنى بالثروات في البلاد، وتمتلك قدرات عسكرية وإدارة ذاتية، وتريد شراكة كاملة في إدارة الدولة. بالمقابل تريد الحكومة تغيير مسمّى هذه القوات وتوزيع عناصرها على عدة فرق ضمن الجيش السوري وتسلّم الشمال الشرقي بموارده كافة ومعابره كما نص اتفاق مارس.
المصدر العربي الجديد