مع انحسار العمليات العسكرية الكبرى في سوريا وبروز ترتيبات الحكم الانتقالي، تبرز إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في المشهد السوري: ملف المقاتلين الأجانب. فبعد سنواتٍ من القتال ضمن فصائل متعددة، يواجه هؤلاء اليوم مرحلة غامضة تتراوح بين الترحيل القسري، أو إعادة التأهيل والدمج، أو البقاء في مناطق نفوذهم تحت إشرافٍ أمنيٍّ مشروط.
أحداث الأيام الأخيرة في ريف إدلب الشمالي الغربي، تحديداً في المخيّم الفرنسي قرب مدينة حارم، أعادت تسليط الضوء على هذا الملف الذي يختزن أبعاداً أمنية وإنسانية وسياسية متشابكة.
وفي 22 و23 تشرين الأول/أكتوبر 2025، شهد المخيّم الفرنسي قرب حارم اشتباكاتٍ عنيفة إثر عمليةٍ أمنية نفذتها الحكومة الانتقالية لاعتقال القيادي الفرنسي-السنغالي عمر أومسين، قائد “فرقة الغرباء”، بعد حادثة اختطاف طفلة. استخدمت خلالها أسلحة متوسطة وطائرات مسيّرة، وتسببت بخسائر مادية قبل أن تُنهيها وساطات محلية، في مشهدٍ اعتبره مراقبون دليلاً على تصاعد التوتر بين السلطات والمقاتلين الأجانب الرافضين لسلطتها.
بينما وصف قادة الأمن في إدلب العملية بأنها “قضائية” تهدف لتسليم مطلوبين للعدالة بعد شكاوى من أهالي المخيّم والمناطق المجاورة عن “انتهاكات خطيرة”، أظهر مقطع فيديو متداول على شبكات التواصل آثار قصف ودمار لواجهات مبان داخل المخيّم، ما أثار مخاوف من وقوع مدنيين—خاصة نساءً وأطفالاً—في مرمى الاشتباكات. وذكرت تقارير مراصد محلية ذكرت أن الاشتباكات استمرت لساعات مع استخدام أسلحة متوسطة وثقيلة ومروحيات مسيّرة في بعض اللحظات قبل الوصول إلى هدنة مؤقتة.
استهدف الأمن الداخلي المجموعة المعروفة إعلامياً بـ”فرقة الغرباء” يقودها عمر ديابي والمعروف أيضاً باسم عمر أومسن، فرنسي-سنغالي الأصل، التحق بالميدان السوري منذ 2013 وأصبح معروفاً بتجنيد متطوعين فرنسيين للقتال في سوريا. أومسين متّهم دولياُ بأنه عنصرٌ مطلوب له صلة بتجنيد ونشاطات جهادية وقد سبق احتجازه ومواجهاته مع فصائل محلية قبلاً.
وظهرت “فرقة الغرباء” كوحدة مكوّنة أساساً من مقاتلين فرنكوفونيين، لديها هياكل عسكرية بسيطة وقيادة ميدانية مركّزة حول شخصيات قيادية مثل أومسين، وتركز أهدافها على توظيف عناصر قادمة من أوروبا للقتال ضمن أطر فكرية متطرفة مع استقلالية تشغيلية عن بعض الفصائل المحلية في فترات معيّنة.
استُخدمت في الاشتباكات بين الأمن الداخلي ومجموعة أومسن أسلحة خفيفة ومتوسطة داخل المخيّم، وتداولت أنباء عن استخدام طائرات دون طيار وهجمات قصف محدودة طالت مبانٍ سكنية داخل المخيّم؛ هذا الاستخدام قد يحوّل المخيّم من مكان سكني لعائلات مقاتلين إلى مساحة قتالية خطرة تعرّض النساء والأطفال لخطر مباشر وتؤدي لتهجير داخلي وضرر نفسي طويل الأمد للسكان.
تنامي التهديد
ويتخوف سكان في إدلب يقطنون بالقرب من المخيم من تصرفات مجموعات مسلحة داخل المخيّم، إذ أن بعض عناصر القيادة فرضوا قواعد صارمة على السكان -وفق تقارير صحفية- بينما اشتكى السكان المجاورون من تهدُّد أمنهم وخدماتهم الأساسية عند تفجر أي اقتتال داخل المخيّم. نشرت تسجيلات ومقاطع من داخل المخيّم تُظهر عائلات مختبئة وبنايات متضرِّرة، بينما أفاد مسؤولون محليون بوجود ضغط لتسليم المشتبه بهم للعدالة المحلية لتخفيف التوتر. وفق ما ذكرت صحيفة “النهار العربي” اللبنانية.
يثير وجود مجموعات أجنبية (فرنسية، أوزبكية، تركستانية، وغيرهم) مخاوف في شمال غربي سوريا. بعض هذه المجموعات متحالف مؤقتاً مع فصائل محلية أو يخضع لترتيبات سلام/اتفاقات مع قادة مثل “هيئة تحرير الشام/فصائل محلية”، وفي مرحلة ما بعد انهيار النظام القديم اتخذت هذه التنظيمات مواقف متباينة: بعضُها تم دمجه جزئياً في هياكل أمنيّة محلية، وبعضها يحتفظ بقدر من الاستقلالية ما يجعله عنصراً مقلقاً في توازن القوى الإقليمي والمحلي. إذ أن هذا التنوّع في الجنسيات والخلفيات الأيديولوجية يخلق شبكة معقّدة من الولاءات والتنافس على النفوذ والموارد.
التطورات الأخيرة داخل مخيّم يحتوي على مقاتلين أجانب تشكّل تهديداً مزدوجاً؛ أمنياً داخلياً وإقليمياً من جانبها، الحكومة السورية الجديدة وقعت في مأزق؛ تريد إظهار سيطرتها القانونية لكنها تفضل أيضًا عدم إشعال مواجهةٍ شاملة قد تؤدي لموجة نزوح جديدة أو تدخل خارجي. ودفعت الاشتباكات الأخيرة بعض الفصائل الأمنية المحلية إلى نشر قوات إضافية حول نقاط حسّاسة وتفعيل آليات وساطة مع قادة الفصائل لمعالجة الأزمة قبل امتدادها، لكن الخبراء يحذّرون من أن أي فشل في معالجة ملف المقاتلين الأجانب بشكل نهائي قد يؤدي إلى تكرار بؤر توتر أخرى.
وتسعى الحكومة السورية الانتقالية للتعامل مع ملف المقاتلين الأجانب عبر مزج إجراءات “دمج/مراقبة/قضائية” بغية اثبات سيطرتها واسترضاء لاعبين خارجيين يسعون لاستقرار نسبي على الحدود. روسيا تلعب دوراً تقليدياً في دعم مقاربة استعادة السيطرة السياسية والأمنية، بينما تركيا تبدي حساسية من أي تحرّكات قد تؤدي لتدفّقات جديدّة من اللاجئين أو تزعزع خطوط السيطرة في المناطق القريبة من حدودها—وهذا ما يجعل الملف ذا أبعاد ديبلوماسية حسّاسة يمكن استغلالها للضغط السياسي بين عواصم إقليمية.
استقلالية التنظيمات
يقول علي الأمين، كاتب وناشط سياسي يقيم في السويد، لـ”963+” إن مخيمات الفصائل الأجنبية كانت عبارةً عن “إماراتٍ صغيرةٍ” داخل مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام”، حيث تمتلك قوانينها الخاصة ونظامها الداخلي المستقل. ويضيف أن تحركات هذه الفصائل كانت دائماً بالتنسيق مع المخابرات التركية وهيئة تحرير الشام، مما جعلها جزءاً من شبكة نفوذٍ معقدةٍ في الشمال السوري.
ويشير إلى أن الفصائل الأجنبية كانت تُعد القوة الضاربة لهيئة تحرير الشام قبل سقوط نظام الأسد، لافتاً إلى أنه بعد سقوط النظام وظهور مشكلة وجود المقاتلين الأجانب ضمن صفوف الهيئة، قررت الحكومة الانتقالية ضم هؤلاء المقاتلين إلى “الجيش السوري الجديد” بحجةٍ إنسانيةٍ وأخلاقيةٍ.
أما عن الأحداث الأخيرة، فيوضح الأمين أن ما حدث من إشكالاتٍ “مسرحيةٍ” بين الحكومة الانتقالية والمهاجرين الفرنسيين، والتي انتهت بسلامٍ اليوم، لم يكن سوى عرضٍ إعلاميّاً يهدف إلى إظهار استعداد الحكومة الانتقالية للتخلص من المقاتلين الأجانب، دون أن يكون هناك خلافٌ حقيقياً بين الطرفين.
ويضيف أن التنظيمات الأجنبية المقاتلة تتمتع باستقلاليةٍ تنظيميةٍ واضحةٍ، ولها الكلمة العليا في الشمال السوري، مشيراً إلى أن قوتها السياسية والعسكرية نابعةٌ من الدعم التركي المباشر. كما يلفت إلى أن هذه التنظيمات أفضل مادياً من الفصائل السورية المحلية، إذ يعيش معظم عناصرها في أوضاعٍ اقتصاديةٍ أفضل من السكان المحليين.
المواقف الدولية والمحلية
يؤكد الأمين أن الأحداث الأخيرة لن تؤثر على الاستقرار الأمني، بسبب غياب التوترات الحقيقية على الأرض، وبسبب سيطرة المخابرات التركية الداعمة للحكومة الانتقالية والفصائل الأجنبية على حدٍ سواء، مضيفاً أن الإشكال الذي وقع بين الحكومة وعمر أومسن قد تم حله مساء اليوم ببساطةٍ وبدون اعتقالاتٍ أو تحذيراتٍ.
كما يشير إلى أن سياسة الحكومة الفرنسية تقوم على محاكمة رعاياها المتورطين بأعمالٍ إرهابيةٍ في الأماكن التي مارسوا فيها تلك الأعمال، مع التشديد على أن تكون المحاكمات عادلةً وشفافةً. ويضيف أن باريس لا تطلب إعادتهم إلى فرنسا، وليس من مصلحتها تصفيتهم جسدياً، نظراً لكونهم “كنوزاً حيّةً ومتحركةً من المعلومات الأمنية”، على حد تعبيره.
من جهةٍ أخرى، يرى الأمين أن حكومتي دمشق وتركيا تتمسكان بالمقاتلين الأجانب باعتبارهم “درع السلطة الحاكمة حالياً”، والأشد إخلاصاً لها. ويشير إلى أن الطرفين يبذلان كل ما بوسعهما لإرضاء الأطراف الدولية المعترضة على وجود الأجانب ضمن صفوف الجيش السوري. أما روسيا، فيلفت إلى أنها لا تبدي أي تحفظاتٍ تجاه أي فصيلٍ، نظراً لعلاقاتها القوية جداً مع أنقرة.
ويؤكد أن المخيمات التي يقيم فيها المقاتلون الأجانب تُعتبر مناطقَ ذات خصوصيةٍ، ولا يُنظر إلى قاطنيها على أنهم متطرفون أو إرهابيون من قبل السكان المحليين، لأسبابٍ متعددةٍ منها الخوف من التصريح بهذا الرأي، أو النظر إليهم كمجاهدين. كما يضيف أنه لا يوجد أي مخططٍ علنياً للحد من انتشار فكر المهاجرين، ولا توجهٍ حكومياً واضحاً لمواجهته، لأن ذلك يعني –برأيه– انقلاباً للحكومة على نفسها وعلى رفقاء السلاح إرضاءً للغرب.
ويختم حديثه بالإشارة إلى أن الحكومة تخطط لتجنيس الأجانب وضمهم إلى الجيش السوري، وقد قامت بالفعل بضم دفعةٍ تُقدّر بأكثر من 4000 مقاتلٍ في الفرقة 84 التي يقودها تركستاني. كما يضيف أن الحكومة قد تلجأ مستقبلاً إلى تسليم بعض المطلوبين للدول الفاعلة حين تتعرض لضغوطٍ سياسيةٍ، مؤكداً في الوقت ذاته أن قضية محاكمة هؤلاء أو تصفيتهم من قبل الحكومة الانتقالية أمرٌ غير واردٍ على الإطلاق.
تأثير التنظيمات، المآلات والسيناريوهات
تقول خديجة محمد نعمة شقروق، عضو لجنة مجلس المرأة السورية في ريف إدلب، لـ”963+” إن المخيمات التي تضم مقاتلين أجانب تشهد انتهاكاتٍ متعددة مثل الاختطاف والابتزاز، مما يؤدي إلى توتراتٍ أمنية واشتباكات بين المقاتلين الأجانب وعناصر الأمن.
وتشير إلى أن الجماعات الأجنبية العاملة في الشمال السوري تشمل تنظيماتٍ جهادية وإسلامية مثل هيئة تحرير الشام، بالإضافة إلى فصائل أخرى مدعومة من تركيا. وتلفت إلى أن الأحداث الأخيرة داخل المخيمات تؤثر بشكلٍ كبير على الاستقرار الأمني في إدلب والمناطق الحدودية مع تركيا، حيث يمكن أن تؤدي إلى زيادةٍ في النشاط الإرهابي، على حد قولها.
من جهةٍ أخرى، تؤكد أن الحكومة الفرنسية تتعامل بجديةٍ مع ملف رعاياها المقاتلين في سوريا، إذ أصدرت مذكرات توقيف بحق بعضهم، مثل عمر أومسن المتهم بتجنيد مقاتلين فرنسيين للقتال في سوريا. ويبدو أن فرنسا تتخذ إجراءاتٍ قانونية ضد هؤلاء المقاتلين، وقد يكون هناك توجهٌ لمحاكمتهم عن بُعد أو إعادتهم إلى فرنسا لمحاكمتهم هناك.
وتوضح أن موقف دمشق وحلفائها من قضية المقاتلين الأجانب يُعد معقدًا ومتعدد الأوجه، إذ تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى دمج بعض المقاتلين الأجانب في الجيش السوري ومنحهم الجنسية السورية، في إطار جهودها لبناء جيشٍ قوي ومتنوّع. ومع ذلك، يثير هذا القرار قلقاً دولياً، خاصةً لدى الدول الغربية التي تخشى من تأثير هؤلاء المقاتلين على استقرار المنطقة وأمنها.
كما تلفت إلى أن النساء والأطفال في المخيمات يعيشون أوضاعًا إنسانيةً صعبة، حيث يواجهون نقصًا حادًا في الخدمات الأساسية مثل الغذاء والمياه والتعليم والرعاية الصحية. بالإضافة إلى ذلك، يتعرضون للعنف ويعانون من آثارٍ نفسية وعاطفيةٍ خطيرة نتيجةً للتجارب القاسية التي مروا بها.
وفي ختام حديثها، تشير شقروق إلى أن السيناريوهات المتاحة لمستقبل المقاتلين الأجانب في سوريا تشمل عدة احتمالاتٍ، أبرزها الترحيل إلى بلدانهم الأصلية، أو إعادة التأهيل عبر برامج تهدف إلى تغيير أفكارهم المتطرفة وإعادة دمجهم في المجتمع، فضلًا عن محاكمتهم على الجرائم التي ارتكبوها خلال فترة وجودهم في سوريا..
المصدر موقع 963