عصام حوج.. كاتب
منذ عقودٍ طويلة، دأب الخطاب الرسمي الأمريكي على التعامل مع كل قضيةٍ عالمية بوصفها مسألةً تتصل بالأمن القومي للولايات المتحدة، حتى غدا هذا المنظور إحدى ركائز السلوك السياسي والدبلوماسي الأمريكي. وإذا كان الأمريكي يرى في العالم مرآةً لأمنه ومصالحه، فإن من حقّنا نحن أيضًا أن نتعامل مع كل ظاهرةٍ جديدة داخل الولايات المتحدة بوصفها شأنًا يمسّنا بصورةٍ مباشرة، بحكم أن هذه الدولة تمارس التشبيح السياسي والاقتصادي على المستوى الدولي منذ ما يقارب الأربعة عقود.
في هذا السياق، تأتي ظاهرة فوز ممداني في انتخابات عمدة نيويورك لتشكّل حدثًا سياسيًا جديرًا بالتأمل والدراسة، ليس فقط لأنها معركة كسر عظم ضد منظومة راسخة، بل لأنها تعبيرٌ صادق عن تحوّلاتٍ اجتماعية وفكرية في عمق المجتمع الأمريكي.
أولاً: تناقضات الداخل الأمريكي
تكشف هذه الظاهرة عن حجم التناقضات البنيوية في الداخل الأمريكي، وعن الفوارق الاجتماعية المتفاقمة بين طبقةٍ صغيرةٍ من الأثرياء وأغلبيةٍ واسعةٍ من الفقراء. فالبرنامج الانتخابي الذي طرحه ممداني، ببساطته وتلقائيته وعمقه، لم يُفرز القوى على أسسٍ حزبية تقليدية، بل على أساسٍ طبقي واضح: الفقراء في مواجهة الأثرياء. وهو ما يعكس وعياً اجتماعياً متصاعداً يعيد تعريف السياسة بوصفها انعكاساً للصراع الطبقي، لا مجرد منافسةٍ حزبيةٍ موسمية.
ثانياً: كسر ثنائية الديمقراطي والجمهوري
لطالما احتكر الحزبان الكبيران – الديمقراطي والجمهوري – المشهد السياسي الأمريكي، وتناوبا على إدارة اللعبة تحت سقفٍ واحدٍ من المصالح الكبرى. غير أن ممداني، القادم من الهامش السياسي، نجح في كسر هذه الثنائية المقدسة، وفتح فضاءً جديداً في السياسة الأمريكية. إنه يمثل أول شرخٍ حقيقي في جدارٍ ظلّ قائماً خمسين عاماً، سواء في الخطاب الداخلي أو في السياسة الخارجية التي طالما اتسمت بالهيمنة والاستعلاء. ولايغير انتماءه رسمياً الى جناح من الحزب الديمقراطي هذه الحقيقة لدى السيد العمدة، فهو يتبنى خطابا جديداً شكلا ومحتوى
ثالثاً: سقوط المال السياسي
من أكثر دلالات فوز ممداني عمقاً، سقوط هيمنة المال السياسي التي لطالما حكمت الانتخابات الأمريكية. فقد جاءت حملته ممولةً من التبرعات الشعبية الصغيرة، بعيداً عن الشركات الكبرى وأذرعها الاحتكارية. هذا الاستقلال المالي حرّره من الارتهان لممولي الحملات، وقدّم دليلاً عملياً على إمكانية تحرير الموقف السياسي من سطوة رأس المال وسطوته، وهو ما يُعدّ سابقةً في تاريخ الانتخابات الأمريكية الحديثة.
رابعاً: الظاهرة أهم من الشخص
ليست أهمية ممداني في شخصه بقدر ما تكمن في الظاهرة التي يمثلها. فمهما تكن مآلات تجربته، ومهما حاولت مؤسسات رأس المال احتواءها أو تفريغها من مضمونها، فإنها فتحت الباب أمام إمكانية نشوء تجارب مشابهة في مدنٍ أمريكيةٍ أخرى، وربما في دولٍ أخرى أيضاً. فالأفكار لا تُهزم بسهولة متى ما وُلدت من رحم الحاجة والوعي الجمعي.
خامساً: صوت القاع الاجتماعي
إن نجاح ممداني، الذي جاء عكس التيار السائد في الإعلام والسياسة، يؤكد أن الخطاب الرسمي الأمريكي لا يعكس حقيقة المجتمع الأمريكي بكل تناقضاته. فالقاع الاجتماعي – المهمَّش والمنهك – بدأ يجد صوته، ويعبّر عن ذاته في مواجهة نخبةٍ سياسيةٍ وماليةٍ عاشت طويلاً في أبراجها العاجية.
في المحصلة، ظاهرة ممداني ليست حدثًا انتخابيًا عابرًا، بل مؤشرٌ على تحوّلٍ اجتماعيٍ وسياسيٍ عميقٍ في الولايات المتحدة. هي صرخة من داخل النظام تكشف حدود قدرته على احتواء أزماته، وتنذر بولادة مرحلةٍ جديدة من الوعي السياسي تتجاوز شعارات الديمقراطية الشكلية إلى أسئلة العدالة الحقيقية.
بقي ان نهمس في مسامع (البغال) التي تجر عربة الطائفية في بلادنا ان انساناً اسمه زوهران محمود وعمره 34 عاما من اب اوغندي وام هندية الأصل وعاش في جنوب افريقيا ومسلما شيعيا من حيث الديانة ومتزوجا من سورية دمشقية اصبح عمدة في مدينة فيها من كل ثقافات العالم واديانه وقومياته رغم وقوف اغلب مواقع صناع السياسات والرأي العام وبيوتات المال ضده.