هجوم المزة بدا كأنه شرارة خرجت من ليل دمشق لتصطدم مباشرة بقلب السياسة السورية الجديدة. انفجاران قصيران بصوتين لاهثين، صاروخان بدائيان من نوع “كاتيوشا” يهبطان على منزل في حي المزة 86، لا يقتلان أحداً، لكنهما يفتحان الباب واسعاً أمام سؤال أكبر من حجم الدمار نفسه: هل كانت الرسالة أمنية… أم عقابية… أم احتجاجاً دموياً على دخول دمشق رسمياً في “التحالف الدولي ضد داعش”؟
دمشق عاشت اللحظة كأنها مقطع من فيلم شديد التوتر. نافذة تطاير زجاجها، امرأة أُصيبت بجروح متوسطة، وحي مكتظ يستيقظ مذعوراً. لكن خلف الصورة البسيطة للحادث، بدا أن ثمة رواية أخرى تُكتب، رواية تتجاوز محيط الانفجار لتلامس قراراً سياسياً هزّ توازنات كانت مستقرة فوق ركام الحرب. الرئيس أحمد الشرع يعلن من البيت الأبيض الانضمام إلى التحالف، فيما صواريخ مجهولة تُذكّره بأن الجغرافيا السورية لا تزال مزدحمة بالأشباح.
التحقيق المشترك بين وزارتي الدفاع والداخلية لم يُجب بعد عن سؤال: “من أطلق؟”. منصة متحركة، تنفيذ محترف، بصمة نظيفة بلا توقيع. إسرائيل سارعت إلى النفي، في خطوة نادرة. أصابع أخرى تشير نحو خلايا نائمة، نحو مجموعات ناقمة، نحو ورثة فكر الجولاني الذين يرون التعاون مع التحالف “ردّة كبرى” لا تُغتفر. بدا المشهد كأن دمشق تدخل مرحلة جديدة: دولة تبحث عن شرعية دولية، وجماعات متشددة ترى في الخطوة خيانة لـ”الذاكرة الجهادية” التي صنعت جزءاً من تاريخها الدموي.
الانفجار كان صغيراً… لكن صداه كان كبيراً. ليس لأنه استهدف المزة، الحيّ الذي يختلط فيه الأمني بالمدني، بل لأنه جاء بعد ساعات من إعلانٍ قلب موازين السياسة. فجأة، عاد كتاب أنس خطاب “تحالف عباد الصليب” إلى الواجهة، كأن النص الجهادي القديم خرج من سباته ليحاسب أصحابه أنفسهم. وزير داخلية سابق في النصرة يتحول إلى حارسٍ لمشروع دولة، بينما منصات تكفيرية تحاول استعادة الماضي لتخريب الحاضر.
الجدل تمدد إلى “إكس” وتلغرام، حيث تحولت الحسابات المتشددة إلى خنادق مفتوحة للتكفيريين ومناوئيهم. كلمات حادة تسابق صواريخ بدائية، وكأن المعركة انتقلت من الميدان إلى حرب المفاهيم.
هجوم المزة بدا ـ في جوهره ـ ورقة اختبار: قدرة على ضرب العاصمة، ولو بوسيلة بدائية. تنبيه بأن الخلايا التي تربّت على فقه الدم لم تمت. رسالة إلى الشرع: الطريق نحو التحالف يمر فوق حقل ألغامٍ أيديولوجي، وأن لإعادة بناء الدولة أعداءً يتقنون إطلاق الصاروخ كما يتقنون إطلاق الفتاوى.
دمشق تقف اليوم بين انفجارٍ صغير وحربٍ فكرية كبيرة. بين دولة تريد أن تُولَد من جديد، وجماعات تريد أن تُعيدها إلى زمن الخراب. وفي هذا التوازن الدقيق، تبدو كل “كاتيوشا” قادرة على كتابة فصلٍ جديد في معركة لم تُحسم بعد.