رائد صالحة
في خطوة تاريخية غير مسبوقة منذ استقلال سوريا عن الانتداب الفرنسي، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الإثنين الماضي في البيت الأبيض، في لقاء استمر نحو ساعتين.
وتمثل هذه الزيارة أول زيارة رسمية لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ عقود، وتأتي في وقت يتسم بتحولات سياسية ودبلوماسية عميقة بعد رفع الإدارة الأمريكية للعقوبات والتصنيف الإرهابي عن الشرع، وهو قرار استثنائي يعكس تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية تجاه دمشق.
وقد وافقت إدارة ترامب على تعليق العمل بمعظم عقوبات «قانون قيصر» لمدة 180 يومًا، فيما تستعد سوريا للانضمام رسميًا إلى «التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش». وشهد اللقاء حضور كبار مستشاري ترامب في السياسة الخارجية، بمن فيهم نائب الرئيس دي. جيه فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين، ما يعكس أهمية هذه الزيارة رمزيًا واستراتيجيًا على حد سواء.
وقال محللون أمريكيون إن الاجتماع يمثل خطوة لتوطيد سلطة الشرع داخليًا، وإن الدعم العلني من ترامب يرسل رسالة لمنافسيه المحليين بتأييد واشنطن، لكنه شدد على ضرورة وضع معايير واضحة لضمان تحرك سوريا نحو الاستقرار وتجنب الانزلاق نحو الفوضى.
الباحثة أروى دامون لاحظت أن قضايا حساسة مثل دمج «قوات سوريا الديمقراطية» في مؤسسات الدولة، وملفات إسرائيلية لم تُناقش خلال الاجتماع، وهو ما قد يُفسّر على أنه تحرك تكتيكي لتفادي نسف الانفراجة الدبلوماسية. بينما رأى الباحث التركي عمر أوزكيزلجيك أن الزيارة تمثل «قفزة نوعية في مسار الشرعية الدولية لسوريا»، وأن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش يعزز موقعها الإقليمي، ويفتح المجال لترتيبات أمنية جديدة وفرص استثمارية لإعادة إعمار الاقتصاد السوري.
الإجراءات الاقتصادية والدبلوماسية
قبل ثلاثة أيام من اللقاء، أُزيل اسم الشرع من قائمة الإرهاب الأمريكية، وتم تمديد تجميد معظم عقوبات قانون قيصر لمدة 180 يومًا، رغم استمرار معارضة بعض أعضاء الكونغرس لتخفيف هذه العقوبات. وانضمت سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي ضد داعش، لكن الاتفاق الحالي يقتصر على الجوانب السياسية دون الالتزامات العسكرية المباشرة، فيما لا تزال المفاوضات مستمرة مع القوات الكردية حول دمجها في الجيش السوري.
وقد حضر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في خطوة تعكس دور أنقرة في الضغط على دمشق لتسريع دمج القوات الكردية، مع خطط لاجتماع ثلاثي بين وزارات خارجية تركيا وسوريا والولايات المتحدة، يركز على الملف الكردي وتعزيز الاستقرار في شمال شرق سوريا.
تزامنت زيارة الشرع مع تصاعد الهجمات الإعلامية على منصات المعارضة وبعض وسائل الإعلام، حيث أعيدت روايات قديمة عن «الجهاد» واتهامات الإرهاب، مستهدفة التشكيك في قدرة الشرع على الانخراط الدبلوماسي واستغلال رفع العقوبات لدعم المعارضة.
وتشمل الجهات الدافعة لهذه الحملات قوى إقليمية تخشى فقدان نفوذها، والمعارضة التقليدية، وبعض الجماعات الجهادية. ويأتي توقيت هذه الهجمات بالتزامن مع فرص دمشق للانضمام للتحالف ضد داعش وتخفيف محتمل للعقوبات، ما يزيد من قلق خصومها ويضع الحكومة السورية أمام تحديات إعلامية وسياسية كبيرة.
وتظل عقوبات قانون قيصر الاقتصادية من أبرز التحديات أمام إعادة إعمار سوريا، إذ تمنع معظم الشركات الأجنبية من الاستثمار في البلاد. وعلى الرغم من تعليق العقوبات مؤقتًا، فإن أي رئيس أمريكي مستقبلي يمكن أن يعيد فرضها فورًا، وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين.
كما يواجه ترامب تحديًا داخليًا، إذ يحتاج إلى إقناع الكونغرس، خصوصًا مجلس النواب، بمنح الشرع فرصة، رغم المخاوف المتعلقة بماضيه العسكري والجهادي. وبالرغم من ذلك، بدأت جهود ترامب تؤتي ثمارها بالفعل، حيث التقى الشرع بعضو مجلس النواب براين ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس، ووصف اللقاء بأنه إيجابي وبنّاء، ما يعكس بداية لتقارب برلماني محتمل بشأن ملفات العقوبات.
في الملفات الاستراتيجية
تتشابك مصالح سوريا مع الولايات المتحدة بشكل أكبر منذ تولي الشرع الحكم، خاصة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية الذي حاول اغتياله مرتين مؤخرًا. وأشار مسؤولون سوريون إلى استعداد الشرع لقبول استمرار الوجود العسكري الأمريكي في سوريا لدعم جهود مكافحة الإرهاب، وربما نشر قوات أمريكية جديدة في قاعدة جوية بدمشق.
كما تمثّل العلاقة مع القوات الكردية (قوات سوريا الديمقراطية) تحديًا استراتيجيًا آخر. فالتاريخ الطويل للشراكة الأمريكية-الكردية يشير إلى أن الأكراد غالبًا ما يُتركون بدون دعم، ما يجعل دمج هذه القوات في الجيش السوري ملفًا حساسًا، لكنه أصبح أكثر قابلية للحلّ بفضل الجهود الدبلوماسية المكثفة بين الشرع وموفد ترامب توم باراك. ويمثّل لقاء الشرع مع ترامب انتصارًا كبيرًا للرئيس السوري على المستوى الرمزي والسياسي. فالعلاقات الشخصية تحتلّ أهمية قصوى في السياسة الخارجية الأمريكية، ومعرفة الشرع وفريقه بأهمية حضوره إلى الولايات المتحدة ولقائه بترامب تمنحه نفوذًا كبيرًا في رسم مسار التعاون المستقبلي. كما يُعدّ الدعم العلني من الرئيس الأمريكي مؤشرًا واضحًا على قبول واشنطن بشرعية الشرع، بعد أن كان اسمه مصنفًا على قائمة الإرهاب قبل أيام قليلة فقط.
وقال محللون أمريكيون إن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع تشكّل نقطة تحوّل دبلوماسية مهمة، إذ تعكس توجه سوريا نحو إعادة إدماج تدريجي في الساحة الدولية، مع الحفاظ على دورها كشريك فاعل في ملفات حساسة مثل مكافحة الإرهاب ومواجهة النفوذ الإيراني.
ويعتمد نجاح المرحلة المقبلة على عدة عناصر رئيسية، أبرزها إدارة التحوّل السياسي داخليًا، من خلال ضمان استقرار مؤسسات الدولة وتعزيز ثقة الشعب بالحكومة الجديدة. كما يتطلب مواجهة الضغوط الإعلامية بحكمة، إذ تعكس الهجمات الإعلامية خوف خصوم سوريا من نهاية العزلة وبداية حقبة جديدة تقوم على الواقعية السياسية والاعتراف الدولي. ومن ناحية أخرى، يشمل التركيز على الانخراط الاستراتيجي دوليًا تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وإيجاد صيغ تفاهم تضمن الاستقرار الإقليمي.
وفيما يتعلق بالتحديات الاقتصادية، ورغم تعليق العقوبات مؤقتًا، يتعين على سوريا العمل على حلول اقتصادية داخلية لتعزيز الاستثمار وإعادة الإعمار، مع التركيز على جذب الاستثمارات الدولية وفق المعايير الأمريكية والدولية، لضمان دعم المرحلة الانتقالية واستدامتها.
وفي الختام، تمثل زيارة الشرع إلى واشنطن علامة فارقة في تاريخ العلاقات الأمريكية-السورية، إذ تجمع بين البعد الرمزي والعملي في الوقت ذاته. هي خطوة نحو إعادة سوريا تدريجيًا إلى المجتمع الدولي، لكنها محفوفة بالتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، التي ستحدد نجاح هذه المرحلة الجديدة في المنطقة.
إن قدرة سوريا على الاستفادة من هذه الفرصة ستتوقف على مهارات قيادتها في إدارة التوازن بين المطالب الداخلية والضغوط الخارجية، وبين المصالح الاستراتيجية والشراكات الدولية، مع الالتزام بمسار سياسي واضح يضمن استقرار البلاد على المدى الطويل.
واشنطن ـ «القدس العربي