طالما شكّل الموقع الجغرافي لسوريا محوراً أساسياً في جعلها مركزاً للتجارة العالمية، إذ تقع بلاد الشام على مفترق طرق بين الشرق والغرب، ما جعلها محطة رئيسية على طريق الحرير ومعبراً للقوافل التجارية التي حملت البضائع من الصين والهند إلى البحر المتوسط. هذا الموقع الاستراتيجي منح المدن السورية مثل دمشق وحلب مكانة بارزة كمراكز تجارية مزدهرة، حيث كانت الأسواق تعج بالمنسوجات والمعادن والتوابل والمنتجات الزراعية، وأصبحت التجارة جزءاً من الهوية الاقتصادية والاجتماعية للسوريين.
لكن جذور الدور التجاري لا تقتصر على الطرق البرية، بل تمتد إلى الفينيقيين الذين ازدهرت حضارتهم على السواحل السورية واللبنانية منذ الألفية الثانية قبل الميلاد. فقد كان الفينيقيون من أوائل الشعوب التي جعلت البحر المتوسط فضاءً للتبادل التجاري والثقافي، حيث أسسوا موانئ مزدهرة مثل أوغاريت وصور وأرواد، وربطوا عبر سفنهم الساحل السوري بمصر وقبرص واليونان وصولاً إلى تونس وإسبانيا. اشتهروا بتجارة الأخشاب، وخاصة خشب الأرز، وصناعة الأرجوان الذي أصبح سلعة فاخرة في العالم القديم، إضافة إلى الزجاج والمعادن. هذه التجارة البحرية لم تكن مجرد نشاط اقتصادي، بل ساهمت في نشر الأبجدية الفينيقية التي شكلت أساس الأبجديات اليونانية واللاتينية لاحقاً، ما جعل التجارة وسيلة لنقل المعرفة والثقافة إلى جانب السلع.
إذا كان الماضي قد أثبت أن التجارة كانت وسيلة السوريين للتواصل مع العالم، فإن الحاضر يعيد صياغة هذه الحقيقة في شكل جديد يمكن أن نسميه “دبلوماسية التجارة”
في الحقبة العثمانية، تعزز دور التاجر السوري كفاعل اقتصادي واجتماعي، إذ ارتبطت التجارة بالنسيج الديني والاجتماعي، وظهر نموذج خاص من الرأسمالية الحضرية التي جعلت التاجر شريكاً في إنتاج الشرعية السياسية وتوزيع النفوذ. لم يكن دوره مقتصراً على السوق، بل امتد إلى التأثير في السلطة التنفيذية والتشريعية، ما جعل التجارة جزءاً من البنية السياسية للدولة. ومع استقلال سوريا عام 1946، ظل التجار قوة مؤثرة في الاقتصاد والسياسة، حيث ساهموا في تشكيل التحالفات الوطنية ودعم المؤسسات المالية والمصرفية الناشئة، لكن مع الانقلابات العسكرية وتحوّل الحكم نحو المركزية تراجع دورهم نسبياً، وإن ظلوا جزءاً أساسياً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي.
ولعل أبرز ما يجسد هذا الدور الحيوي للتاجر السوري في الحياة العامة، ما قاله الملك فيصل الأول في أحد خطاباته: “إن التاجر الدمشقي لا يبيع سلعة فقط، بل يبيع صورة عن بلده، عن أخلاقه، عن حضارته.” هذا القول يعكس كيف كانت التجارة وسيلة لتمثيل الهوية الوطنية والثقافية، لا مجرد فضاء اقتصادي. وفي السياق ذاته، ورد في مذكرات شكري القوتلي، أول رئيس للجمهورية السورية: “دمشق لا تُحكم بالسيف، بل تُدار بالحكمة، والتاجر فيها هو أول من يفهم نبض الناس.” وهو تعبير دقيق عن مكانة التاجر كوسيط بين السلطة والمجتمع، وكصاحب بصيرة في فهم التحولات الاجتماعية والسياسية.
من الناحية الثقافية، ارتبطت التجارة بالحياة اليومية للسوريين، إذ شكّلت الأسواق التقليدية مثل سوق الحميدية في دمشق وسوق حلب القديم فضاءات اجتماعية وثقافية إلى جانب كونها مراكز اقتصادية. هذه الأسواق لم تكن مجرد أماكن للبيع والشراء، بل ساحات للتفاعل الاجتماعي وتبادل الأخبار وبناء العلاقات بين مختلف الطوائف والقبائل. حتى في العصر الحديث، ظلّت التجارة جزءاً من الهوية السورية، فمعرض دمشق الدولي الذي تأسس في خمسينيات القرن الماضي كان رمزاً لمكانة سوريا التجارية، حيث استحضر المسؤولون تاريخ البلاد كبيئة آمنة للقوافل التجارية ومركزاً لصناعات النسيج والمعادن ومكاناً للتبادل الثقافي والاقتصادي بين الشرق والغرب.
اليوم، رغم الحرب والانقسامات التي عصفت بسوريا منذ عام 2011، يبقى للتجارة دور حيوي في حياة السوريين، فهي وسيلة للبقاء ومصدر رزق أساسي وأداة للتواصل مع العالم الخارجي. ومع محاولات إعادة الإعمار، يُنظر إلى التجارة كأحد المفاتيح لإعادة بناء الاقتصاد واستعادة مكانة سوريا التاريخية كمركز للتبادل التجاري والثقافي. وهكذا، فإن التجارة لم تكن مجرد نشاط اقتصادي في سوريا، بل كانت ركيزة للهوية الوطنية والاجتماعية والسياسية، من الفينيقيين على السواحل إلى طريق الحرير عبر الداخل، ومن دور التجار في السياسة إلى الأسواق التقليدية ومعرض دمشق الدولي، لتبقى قصة تداخل الاقتصاد بالثقافة والسياسة جزءاً لا يتجزأ من تاريخ السوريين وحياتهم اليومية.
سوريا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتوظيف إرثها التجاري الطويل في خدمة مستقبلها السياسي. فإذا كانت التجارة قد شكّلت عبر العصور هوية السوريين، فإن دبلوماسية التجارة اليوم يمكن أن تكون جسرهم نحو الاستقرار
وإذا كان الماضي قد أثبت أن التجارة كانت وسيلة السوريين للتواصل مع العالم، فإن الحاضر يعيد صياغة هذه الحقيقة في شكل جديد يمكن أن نسميه “دبلوماسية التجارة”. الحكومة السورية الحالية، بقيادة أحمد الشرع، تدرك أن الاقتصاد ليس مجرد وسيلة للعيش، بل هو أداة سياسية ودبلوماسية قادرة على فتح الأبواب المغلقة، وتخفيف حدة الخصومات، وتحويل المصالح المشتركة إلى أرضية للحوار. لذلك تحرص على عدم قطع “الشعرة الأخيرة” التي تربطها مع حكومات كانت تناصر النظام السابق وتدعمه في مجلس الأمن، لأن هذه الخيوط، مهما بدت ضعيفة، قد تكون جسوراً لإعادة بناء العلاقات في المستقبل.
هذه السياسة تعكس وعياً تاريخياً عميقاً، فهي تستلهم من مدرسة معاوية بن أبي سفيان، الذي اشتهر بقدرته على إدارة التوازنات الدقيقة وحفظ الخيوط حتى مع الخصوم، عبر ما عُرف بـ”شعرة معاوية”. فإذا كان أعضاء الحكومة الحالية وعلى رأسهم أحمد الشرع تلامذة حقيقيين لهذه المدرسة، فإن مستقبل سوريا يمكن أن يكون في أيادٍ أمينة، لأنهم يدركون أن السياسة ليست فقط مواجهة أو صدام، بل هي أيضاً فن إدارة المصالح وتوظيف التجارة كأداة للنفوذ الناعم.
إن دبلوماسية التجارة التي تتبناها الحكومة الحالية قد تكون المدخل الأهم لإعادة سوريا إلى محيطها العربي والدولي، عبر مشاريع اقتصادية مشتركة واتفاقات تجارية تفتح المجال أمام الاستقرار السياسي. فالتاريخ يثبت أن التجارة كانت دائماً وسيلة السوريين للتواصل مع العالم، من الفينيقيين الذين نشروا الأبجدية عبر البحر، إلى التجار الذين صنعوا أسواق دمشق وحلب، وصولاً إلى معرض دمشق الدولي الذي جسّد هوية سوريا التجارية الحديثة. واليوم، يمكن لهذه الدبلوماسية أن تعيد صياغة صورة سوريا كدولة قادرة على التفاعل مع محيطها، لا كعبء سياسي أو أمني.
إن ربط الاقتصاد بالسياسة ليس جديداً على السوريين، لكنه اليوم يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً في ظل الحاجة إلى إعادة الإعمار، واستعادة الشرعية الدولية، وتجاوز الانقسامات الداخلية. فالتجارة، التي كانت يوماً وسيلة لنقل السلع والمعرفة، أصبحت الآن وسيلة لإعادة بناء الثقة بين سوريا والعالم، ولإعادة صياغة موقعها في الخريطة الإقليمية والدولية. وإذا نجحت الحكومة في هذا المسار، فإنها ستعيد لسوريا دورها التاريخي كمركز للتبادل، ليس فقط التجاري، بل الثقافي والسياسي أيضاً.
في النهاية، يمكن القول إن سوريا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتوظيف إرثها التجاري الطويل في خدمة مستقبلها السياسي. فإذا كانت التجارة قد شكّلت عبر العصور هوية السوريين، فإن دبلوماسية التجارة اليوم يمكن أن تكون جسرهم نحو الوحدة والاستقرار. وإذا كان أحمد الشرع ورفاقه ينهلون من مدرسة معاوية في فن التوازن وحفظ الخيوط، فإن سوريا قد تكون بالفعل في أيادٍ أمينة، قادرة على تحويل التاريخ إلى قوة دفع نحو المستقبل، وإعادة بناء وطن يستحقه شعبها الذي عانى ما يكفي.
المصدر العرب اللندنية