مهما بدا أننا نتقدم، ومهما أوهمتنا المظاهر بأننا تحررنا من كل وحش فكري قديم، يبقى “الفيل في الغرفة” حاضرًا. ذلك الفيل الذي يعيش بيننا، يضغط على أنفاسنا، يثير جنوننا وهو هادئ ساكن، يحرّك سلوكنا دون أن نعترف بوجوده: بقايا الفكر الذكوري المترسخ في الوعي الجمعي، الذي لم تمت وحوشه بعد، بل تغيّرت أشكالها فحسب.
نعيش في زمن التكنولوجيا والانفتاح والعولمة، لكن حين نلتفت إلى واقع النساء، ندرك أن التطور لم يبلغ بعد جوهر العدالة. ما زالت النساء في أماكن كثيرة يُقتلن على خلفيات “الشرف” أو السيطرة أو “العيب”. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، تُقتل سنويًا نحو 5 آلاف امرأة حول العالم بذريعة “جرائم الشرف”. كل ذلك يجري بينما تغيب المحاسبة الجدية، وتبقى القوانين عاجزة أو متواطئة، والدول لا تبذل جهدًا حقيقيًا لتغيير التشريعات أو لبناء منظومة قادرة على حمايتهن.
نعيش في عالم نادرًا ما نرى فيه النساء يتقلدن مناصب التخطيط والتأثير وصنع القرار. ففي معظم البرلمانات العربية، لا يتجاوز تمثيل النساء 20% في أحسن الأحوال، وفقًا لتقارير الاتحاد البرلماني الدولي (IPU) لعام 2024. وفي الولايات المتحدة، فشلت مرشحتان بارزتان مثل هيلاري كلينتون وكامالا هاريس في الوصول إلى الرئاسة، رغم خطاب المساواة المعلن. تخيل أن المجتمع الأميركي فضّل دونالد ترامب — رجل الأعمال النخبوي الرأسمالي الذي حوّل السياسة إلى مسرح هزلي — على مرشحتين، كانتا تمثلان، كلٌ بطريقتها، اختبارًا حقيقيًا لفكرة المساواة، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياستهما.
بعض المجتمعات لا تزال تنظر إلى المرأة الناجحة بعين الشك وتتعامل مع استقلالها كتهديدٍ للمنظومة الاجتماعية وعندما تُطرح مسألة النساء المستقلات يأتي الرد: “لكنها في النهاية تبحث عن رجل”
وفي عالم الشركات، ما تزال النساء يتقاضين أجورًا أقل من الرجال، حتى في الوظائف نفسها، بالرغم من أنهن أصبحن أفرادًا فاعلين ومنتجين في المجتمع بشكل رسمي، يحملن على أكتافهن مسؤوليات، ويفتحن بيوتًا لوحدهن، ويعلن عائلات. فوفق منظمة العمل الدولية (ILO) والمنتدى الاقتصادي العالمي، تبلغ الفجوة العالمية في الأجور بين الجنسين نحو 20%. في الدول المتقدمة تتراوح بين 10%–18%، وفي الدول النامية والعربية بين 20%–30.%
وحين يُفتح النقاش حول هذا الخلل، يأتي الرد المعتاد: “لكن النساء اليوم كثيرات في سوق العمل”! لا أحد يقول مثلًا: “الرجال كثيرون في سوق العمل” ثم يبدأ البعض بتعداد أسماءٍ محددة لنساء في مناصب عليا، وكأن الاستثناءات الفردية كافية لإثبات المساواة. لكن المساواة الحقيقية لا تتحقق بوجود “أمثلة”، بل عندما يصبح حضور النساء في مراكز التخطيط والقيادة أمرًا طبيعيًا، لا يحتاج إلى تبرير أو نقاش حول الجدارة. وفق تقرير UN Women لعام 2025، فقط 26% من أعضاء البرلمانات في العالم نساء، وفقط 28% من المناصب الإدارية العليا في الشركات تشغلها نساء.
لذا، ما نريده ليس تمثيلًا شكليًا، بل تمكينًا حقيقيًا يجعل وجود المرأة في السياسة والاقتصاد والثقافة أمرًا بديهيًا، نابعًا من كفاءتها، لا من رغبة المؤسسات في التجميل الإعلامي أو استيفاء الحصص. نريد احترام عقلها قبل مظهرها، كفاءتها قبل أنوثتها، وجودها قبل صفتها الاجتماعية كأخت أو زوجة أو ابنة. فالمرأة ليست ملحقًا اجتماعيًا، بل فرد كامل الأهلية، يجب أن يُنظر إليه بذات المعايير التي يُقاس بها الرجل.
يُطلب من النساء أن يعملن ويكدحن ويشاركن في إعالة الأسرة، بينما يُتوقع منهن في الوقت نفسه أن يبقين “لطيفات”، صامتات، غير مزعجات. الرأسمالية تريد منهن أيدي عاملة، والمجتمع يريد منهن ديكورًا منزليًا، وفي الحالتين تُلغى إرادتهن الفردية. والأفظع… أنهن يدفعن ثمن الحروب والاضطرابات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية، ثم يُحاسبن على رغبة مشروعة في الاستقلال والحرية.
في كل أزمة سياسية أو اقتصادية أو أخلاقية، تكون المرأة هي الضحية الأولى والأكثر صمتًا. في الحروب، تُنتهك أجسادهن وكرامتهن، وعواطفهن وأنفسهن… كما يحدث اليوم في غزة، حيث تُستهدف النساء والأطفال، وفي السودان، حيث تُغتصب النساء في مناطق النزاع، وفي أفغانستان، حيث تُسجن الفتيات داخل منازلهن باسم الدين. وفي السلم، تُقيد حرياتهن بقوانين تمييزية في الميراث والزواج والعمل والوصاية.
في غزة، وثّقت تقارير الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان انتهاكات مروعة ضد النساء والأطفال. وفي السودان، أصدرت هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة تقارير متعددة عامي 2023–2024 عن الاغتصاب والعنف ضد النساء في مناطق النزاع. وفي أفغانستان، فرضت حركة طالبان قيودًا شاملة على تعليم وعمل النساء منذ عام 2021 حتى الآن.
بل إن بعض المجتمعات لا تزال تنظر إلى المرأة الناجحة بعين الشك، وتتعامل مع استقلالها كتهديدٍ للمنظومة الاجتماعية، لا كدليلٍ على نضجها. وعندما تُطرح مسألة النساء المستقلات، يأتي الرد الساذج: “لكنها في النهاية تبحث عن رجل”! وكأن نجاح الرجل واستقلاله لا يمنعانه من الزواج، بينما استقلال المرأة يصبح مدعاة للتساؤل أو الشك. هل عمل الرجل خارج المنزل، وكونه مستقلًا ومعيلًا وقادرًا على الإنتاج في سوق العمل وتحقيق أحلامه في السلطة والثروة، كان عائقًا أمامه للبحث عن زوجة حنونة؟ عن شريكة تسانده في رحلة الحياة؟ ما العلاقة بين أن يسند الإنسان نفسه في منظومة عالمية رأسمالية تطحن الجميع، وتجبرهم على العمل كالفئران للصمود والنجاة، وبين إيجاد شريك وسند؟ أي حوار غير منطقي هذا! إن حاجة الإنسان العقلية والنفسية والعاطفية لوجود شريك أو عدم وجوده لا علاقة لها باحترام الفرد وتحقيق عدالته.
ربما لم نعد نحرق النساء في الساحات، لكننا ما زلنا نحرق أحلامهن في القوانين، وحقول العمل، والمناصب. يُحرقن في أحكام المجتمع وتوقعاته منهن، وفي تدخل المجتمع الدولي بقراراتهن الفردية
المرأة تُعاقب لأنها نجحت. تُدان لأنها طالبت بحقوقها. يُشكك بأهليتها العقلية إن غضبت، وتُتهم بالحساسية إن بكت، وبالذكورية إن لم تطلب مساندة. وكلما رفعت صوتها، وُصفت بالجنون. عليها أن تقبل التهميش، والإقصاء، والإهمال، والصمت العقابي. وإن طالبت باحترام كيانها، ورفض أي ممارسات نفسية تقلل من شأنها وتجرح كرامتها، تُتهم بالمبالغة والحساسية المفرطة.
ألا يبدو أنها ذات الممارسات القديمة التي كانت تُحرق بها النساء في القرون الماضية بتهمة السحر، لكنها اليوم ترتدي قناعًا حديثًا اسمه “الواقعية الاجتماعية”.
ما زال العالم، رغم كل التقدم التقني والاقتصادي، يخاف من النساء الواعيات، الصريحات، المستقلات، القويات، أكثر مما يخاف من أي خطر آخر. لأنه يعلم أن الوعي النسوي لا يطالب بمكان على الطاولة فحسب، بل يعيد بناء الطاولة من الأساس.
ربما لم نعد نحرق النساء في الساحات، لكننا ما زلنا نحرق أحلامهن في القوانين، وحقول العمل، والمناصب. يُحرقن في أحكام المجتمع وتوقعاته منهن، وفي تدخل المجتمع الدولي بقراراتهن الفردية. يُحرقن من خلال تفاصيل الحياة اليومية التي تُقصيهن بصمتٍ بارد.
الفيل في الغرفة ما زال هنا… متخمًا، ساكنًا، لكنه يملأ المكان. ولن يغادر إلا حين نمتلك الشجاعة لنسمي الأشياء بمسمياتها: التمييز. حينها فقط يمكن أن نبدأ من جديد. أن نفهم أن النساء ما زلن بحاجة لتحقيق عدالتهن من خلال قوانين تحميهن، ومناهج تعليمية تربي على احترامهن، ورجال يرون في النساء شريكات لا ملحقات، ونساء يبدأن بأنفسهن في مقاومة كل فكرٍ يقصيهن أو يقلل من قيمتهن.
لأن العدالة لا تتحقق بالشعارات، بل حين تتغير البُنى القانونية الفكرية الثقافية التي تجعل المرأة هدفا سهلا لكل ظلمٍ متوارث. ولأن من واجب المنظومة حماية النساء وتقديرهن وتطبيع فكرة أن هناك ما يسمى حقوق إنسان.. دون تمييز بين نساء ورجال.