زينه عبدي.. كاتبة
في خضم المشهد السوري ذي التعقيدات المتوارثة، تظهر العلاقة بين الكورد ودمشق كإحدى أبرز وأشد القضايا إلحاحاً في عملية تخطيط ورسم ملامح الدولة الجديدة لسوريا.
لم ولن تكون القضية الكوردية منذ قرون لاسيما في ظل النظام العفلقي والأسدي، وإلى الآن مجرد مسألة قومية ثانوية داخل صراع ذي أبعاد متعددة وأوجه متباينة، بل تعد سبراً حقيقياً لمدى تجاوز التيارات والنخب السورية منطق التهميش والتغييب والإقصاء، والعمل معاً على بلورة عقد اجتماعي قائم على أسس وطنية جامعة جديدة لا سيما الاعتراف المتبادل والشراكة الحقيقية التي عانى، ولايزال يعاني، منها الكورد، حيث إبقائهم خارج المسار السياسي الفعلي، و حرمانهم من أبسط حقوقهم المشروعة واستحقاقاتهم السياسية والثقافية على مبدأ الإنكار الممنهج.
في قلب التحول
يعتبر الوجود الكوردي في المرحلة الانتقالية أحد أهم الأطر في الصراع السياسي الدائر. فالملف الكوردي لم يعد جزئية هامشية كما السابق، بل يشكل أساساً في عملية بناء سوريا الجديدة التي ستعكس، كما هو المأمول، المرأة الحقيقية لبلد خرج لتوه من صراع استمر لأربعة عشر عاماً، تُبنى على مفهوم الدولة الوطنية بمنأىً عن أي انقسام سياسي عميق، وبالتالي تأسيس علاقة شراكة فعلية بين الكورد والسلطة الجديدة في دمشق.
تعود جذور الاستقطاب السياسي فيما يتعلق بالمسألة الكوردية إلى عقود طويلة ومريرة من الإنكار بصورة ممنهجة ومتعمدة من قبل الأنظمة السورية المتعاقبة بغية طمس الهوية والوجود الكورديين. مع بداية الثورة السورية عام 2011، عمل الكورد بصورة منظمة سياسياً وإدارياً على هيئة مشروع مؤثر في المعادلة السورية. موقف الكورد حول استحقاقاتهم المشروعة ومطالبهم الدستورية بإطار قانوني أثار مسألة الانشطار والانفصال داخل الحكومة وبعض الأطراف السورية، ما جعله أهم وأبرز صور الاستقطاب في العملية السياسية السورية.
وفي ذات السياق، إن كانت السلطة الانتقالية الحالية في دمشق تعمل لكسب شرعية بإطار وطني جامع لكل المكونات، فليس بإمكانها تجاهل الكورد إطلاقاً. المشاركة الفعلية للكورد في عملية البناء تعكس مدى التغيير الحقيقي في الحل السياسي السوري بوصفها معياراً وركيزة أساسية لشمولية هذه العملية. فالشعب الكوردي ليس جزئية محلية فحسب، بل طرفا فاعلاً في تخطيط وتقرير مستقبل البلاد الجديد، وبات إشراكهم ضرورة وإلحاحاً لإعمار جسر الثقة بين مختلف المكونات السورية. وستبقى السلطة الانتقالية تواجه خطر فقدان الشرعية أو اكتسابها داخلياً وخارجياً في حال عدم اعترافها بالوجود الكوردي دستورياً وقانونياً.
الأبعاد الإقليمية والدولية
ليس ثمة معزل عن التأثير الممكن للأبعاد الإقليمية والدولية على حالة الاستقطاب السياسي القائم بين السلطة الانتقالية والكورد، فالقرار الداخلي السوري بات عاجزاً عن صياغة أي حل وطني بمنأى عن حسابات الدول الخارجية وبشكل مستقل، والملف الكوردي قد تحول لساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية العظمى.
إقليمياً، تشكل تركيا الفاعل الأشرس بل والأهم حضوراً وتأثيراً بذات الوقت داخل المشهد الكوردي في سوريا. تعتبر أنقرة أن أي وجود كوردي بطابع إداري مستقل أو سياسي على طول الشريط الحدودي، جنوباً منها، خطراً محدقاً بأمنها القومي، على حد قولها، خشية انتقال عدوى تجربة الكورد في سوريا إلى الداخل التركي، لذا جاهدت بكل قوتها لمنع بل وإفشال بناء أي مشروع يتناول القضية الكوردية عبر ضغوط دبلوماسية وعسكرية ليلاً نهاراً مع السلطة الانتقالية الراهنة، ومع كبرى الدول عالمياً بغية تحريضها وتبنِّي خطاب الكراهية ضد الشعب الكوردي. تحاول تركيا بشتى الوسائل استخدام الملف الكوردي ورقة ضغط على السلطة الانتقالية، وفي الآونة الأخيرة أصبحت توظفها وفقاً لتعقيدات حساباتها ما بين ضرورات الشراكة الوطنية ومتطلباتها ومراعاة التوازنات الجيوسياسية المحيطة.
ومن جانبها، تبدي روسيا استعداها كوسيط يعمل بصورة متوازنة بوصفها على علم بأن استقرار سوريا الجديدة وبناءها يستوجب صياغته بشكل شامل وجامع بعيداً عن التجاهل أو الإقصاء، وإنما وفقاً لأسس المواطنة والشراكة دون الخوض في صراعات ونزاعات جديدة من شأنها بلورة حرب لا خلاص منها على الإطلاق.
وفي ذات السياق، اتخذت واشنطن، ولاتزال، الكورد شريكا فاعلاً وحقيقياً على الأرض في أحد أخطر الملفات تعقيداً فيما يتعلق بمحاربة أعتى التنظيمات الإرهابية (داعش)، وأبقت هذه الشراكة والتحالف الأميركي – الكوردي جوهر الملفات العسكرية دون تحويلها لأغراض سياسية في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا. فأميركا إلى الآن لم تتبن أي موقف صريح وواضح حول مستقبل الشعب الكوردي في سوريا رغم دعمها المستمر لقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية منذ سنوات مضت، ما يؤكد وبوضوح خشيتها من توتر العلاقات بينها وبين أنقرة. ولهذا يبقى الدور الأمريكي براغماتياً، حيث الأمن أشد أهمية من العدالة بوجهها السياسي بالنسبة لها.
وعلى المستوى الأوسع دولياً، لا تزال الرؤى والمواقف مشتتة بين الاتحاد الأوروبي و أمريكا وروسيا، ما عزز فوضى رسم الملامح المستقبلية لسوريا. التناقضات الدولية تسهم في تعميق النزاع الداخلي والرمادية بين الرفض ضمناَ والاعتراف بشكل محدود.
وبناءً على ما سبق، يمكننا الجزم بأن الأبعاد الإقليمية والدولية للاستقطاب لم تعد مجرد خلفية ترافق المشهد السوري الانتقالي، بل غدت تفصيلاً عضوياً من قاعدة أزمته العميقة. جميع التدخلات الخارجية بغض النظر عن ذرائعها، تعيد إنتاج مسار الحل السياسي الداخلي، بل ويساهم بصورة كبيرة في عرقلة التوافقات الوطنية الجامعة، لذا ستظل السلطة الانتقالية في دمشق رهينة التوازنات الخارجية إن لم تحيَّد أجنداتها وفقاً لما تتطلبه المصلحة الوطنية ومن ضمنها المصلحة الكوردية.
نحو عقد وطني
القضية الكوردية لا يعد ملفاً جزئياً أو فئوياً يتطلب التأجيل، بل هي بوابة تشكيل سوريا الجديدة يضم الجميع دون إقصاء. لذا على السلطة الانتقالية الاعتراف بالشراكة الكوردية الحقيقية ضمن مرحلة التأسيس لدولة المواطنة الفاعلة عوضاً عن الدولة أحادية الجانب. لا يمكن تجاوز حالة الاستقطاب السياسي من خلال اتفاقيات مؤقتة أو حلول إقصائية، وإنما عبر تفكير وطني جامع يعيد التعريف بمفهوم الدولة الحقيقية والمواطن على حد سواء.
إن قضية الشعب الكوردي في سوريا لا تعتبر قضية جماعة باحثة عن امتيازات، بل هي ركن أساسي لبناء وطن متوازن وعادل في البنية السياسية. وأثبتت التجارب السابقة أن أي تجاهل للكورد وحضورهم لا سيما في صنع القرار الوطني سيعيد إنتاج الانقسام والكراهية مجدداً، ما يضعف شرعية السلطة الانتقالية أو أية سلطة قادمة. بالمقابل، الاحوار والانفتاح على الآخر هو الطريق الوحيد للحد من الاستقطاب وبناء سوريا جامعة. نجاح المرحلة الانتقالية يقاس بمدى قدرتها على تجسير الهوة وإعادة بناء الثقة بين كافة المكونات لرسم علاقة متوازنة بين الحكومة والأطراف عبر دستور يجمع لا يقصي.
لكن يبقى السؤال الجوهري الذي لا مفر منه: هل ستتمكن السلطة الانتقالية في سوريا، وكذلك الأطراف السورية الأخرى رغم اختلاف انتماءاتها وتوجهاتها، من تجاوز الحسابات الضيقة لمنح الشعب الكوردي حضورهم ومكانتهم المستحقة داخل سوريا كشريك أصلي دون منازع؟.
المصدر موقع رووداو