الحكم الذاتي في سوريا ليس حلاً، بل وصفة للتفكك، خاصة في ظل التركيبة الديموغرافية المتشابكة التي تجعل تطبيقه ضربًا من الجنون السياسي. واليوم، وبينما تعيش سوريا حالة انتقالية صعبة تتطلب التماسك والتوحد، يعود الحديث عن الحكم الذاتي ليطفو على السطح، مدفوعًا بتجارب شمال شرق البلاد، حيث فرضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نموذجًا إداريًا خاصًا بها. وبينما يطالب البعض بتكرار هذا النموذج في مناطق أخرى، مثل الساحل السوري، فإن هذا الطرح لا يبدو واقعيًا ولا قابلًا للتطبيق دون أن يحمل في طياته بذور تفكيك الدولة.
من حق أبناء الطائفة العلوية أن يخرجوا للتظاهر، وأن يطالبوا بوقف الاعتداءات بحقهم، وبإطلاق سراح المعتقلين من أبنائهم. هذا حق مدني وإنساني لا جدال فيه. لكن الخطورة تكمن حين يُستغل هذا الحق لتمرير مشاريع سياسية مشبوهة، كأن يُدفع هؤلاء إلى تبني فكرة الحكم الذاتي في الساحل، في فخ تنصبه لهم قسد أو أطراف أخرى تسعى لتفتيت سوريا.
دعونا نرسم خريطة قرى الساحل السوري، من الشمال وحتى الحدود اللبنانية. سنجد قرى وبلدات تتداخل فيها الطوائف والإثنيات والأعراق بشكل لا يسمح بأي فصل إداري أو سياسي منطقي. الأرمن في كسب، التركمان في عشرات القرى، الأكراد في الحفة وسلمى ودورين والمارونيات، المسيحيون موزعون في عشرات القرى وفي طرطوس واللاذقية، جزيرة أرواد يقطنها السنة، والعلويون في معظم المناطق. هل يمكن تقسيم هذه الفسيفساء إلى كيانات ذاتية الحكم؟ وهل نمنح كل حي أو شارع حكومته الخاصة؟ في اللاذقية مثلًا، نمنح حي الأزهري والرمل الشمالي للعلويين، ونمنح المسيحيين شارع الأمريكان لإقامة حكم ذاتي، والرمل الجنوبي وحي الصليبة ومشروعه للسنة؟ هذا ليس مشروع حكم ذاتي، بل وصفة لحرب أهلية.
الحل لا يكمن في تقسيم سوريا. يمكن اعتماد لامركزية إدارية موسعة تسمح بإدارة محلية فعّالة ويمكن تعزيز التمثيل السياسي للمكونات المختلفة شرط ألّا يتحول ذلك إلى محاصصة طائفية
في شمال شرق سوريا، حيث فرضت قسد نموذجًا للحكم الذاتي منذ عام 2014 مستندة إلى سيطرة عسكرية ودعم دولي، فإن التجربة لا تصلح للتعميم. ورغم أن هذا النموذج أتاح بعض الاستقرار المحلي، إلا أنه خلق أيضًا توترات مع المكونات العربية والآشورية والتركمانية، التي شعرت بالتهميش. الاتفاق الأخير بين الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، والذي يقضي بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن الدولة السورية، يعكس إدراكًا متأخرًا بأن الحكم الذاتي لا يمكن أن يكون حلًا دائمًا.
عبدي، الذي أُسقط من يده وأُجبر بضغط من الرئيس ترامب على الدخول في تفاوض واتفاق مع الحكومة السورية، يحاول الالتفاف عن طريق تحريض الدروز والعلويين للمطالبة بحكم ذاتي؛ ليس تعاطفًا معهم، بل لخلق حالة من الفوضى، متجاهلًا أن هذه المطالب لو تحققت ستشكل مرحلة انتقالية قصيرة قبل أن تندلع النزاعات وتتحول إلى حرب أهلية من جديد.
يجب أن نقبل حقيقة أن الجغرافيا والديمغرافيا السورية عائق أمام الفدرلة. سوريا ليست بلدًا شاسعًا يمكن تقسيمه إلى أقاليم مستقلة. إنها بلد صغير المساحة، لكنه غني بالتنوع الديني والعرقي. في دمشق، يعيش السنة والمسيحيون والعلويون والدروز جنبًا إلى جنب. في حلب، تتداخل الأحياء بين العرب والأكراد والشركس. في الجنوب، تتجاور القرى الدرزية والسنية والمسيحية. أي محاولة لتطبيق الحكم الذاتي ستصطدم بجدار الديمغرافيا، وستحوّل كل حي إلى ساحة نزاع على الهوية والسيادة.
وكما تشير تقارير عديدة، فإن الفدرالية واللامركزية تثير قلقًا واسعًا في الأوساط السياسية، إذ يخشى كثيرون أن تكون مجرد قناع لمشروع تقسيمي. حتى اللامركزية الإدارية، التي تبدو خيارًا أكثر اعتدالًا، تحتاج إلى ضمانات قوية كي لا تتحول إلى بوابة لتفكيك الدولة.
التاريخ لا يرحم من يعبث بالوحدة. لقد عاش السوريون معًا لمئات السنين، في تحاب وتآخي، رغم اختلافاتهم. لم تكن الطائفية يومًا هي الحاكمة، إلى أن زرع الاستعمار الأوروبي فتنة التقسيم في العقول. ورغم الشعارات الكبيرة التي رفعها حزب البعث عن القومية العربية، إلا أن الواقع كشف عن تعميق للانقسامات الطائفية خلال فترة حكم، لا تجاوزها.
اليوم، لا يمكن لسوريا أن تتحمل مزيدًا من التجارب الفاشلة، كما في تجربة الوحدة مع مصر وتجربة البعث. الحكم الذاتي ليس حلاً، بل خطر يهدد وحدة البلاد. وإذا كان البعض يرى فيه وسيلة لحماية الأقليات، فإن الحماية الحقيقية لا تأتي من الانعزال، بل من بناء دولة مدنية عادلة، تضمن الحقوق للجميع دون الحاجة إلى كيانات منفصلة.
الحل لا يكمن في تقسيم سوريا إلى كانتونات طائفية أو إثنية، بل في صياغة عقد اجتماعي جديد، يعترف بالتنوع، ويؤسس لمواطنة متساوية. يمكن اعتماد لامركزية إدارية موسعة، تسمح بإدارة محلية فعّالة، دون أن تمس بوحدة الدولة. ويمكن تعزيز التمثيل السياسي للمكونات المختلفة، دون أن يتحول ذلك إلى محاصصة طائفية.
ما ينطبق على الساحل ينطبق على كل سوريا: لا يمكن تقسيم بلد بهذا التنوع دون أن يتحول إلى ساحة صراع دائم. الوحدة ليست شعارًا، بل ضرورة وجودية. والحكم الذاتي، مهما بدا مغريًا للبعض، هو طريق محفوف بالمخاطر، لا سيما في بلد لم يتعافَ بعد من جراح الحرب.