عدت يوم السبت (22/11/2025) إلى مقامي في اللاذقية من سفر طويل، قضيت أغلبه بين بكين وتيانجين في الصين، وبين دبي والشارقة. وما كدت ألتقط أنفاسي، وأراجع أوراقًا وملفّات تأهبًا للعودة إلى مألوف أيامي في القراءة والكتابة، حتى كان ما كان يوم الثلاثاء (25/11/2025).
في الظهيرة، داهمتني نتف الأخبار القلقة: اعتصام في (دوّار الزراعة) ــ يبعد عن منزلي 500 م ــ استجابة لنداء الشيخ غزال غزال. الأمن والشرطة يسوّران الاعتصام. هتافات دينية تنادي الخليفة الرابع علي بن أبي طالب. هتافات سياسية تطالب بالإفراج عن المعتقلين، وباللامركزية. الاعتصام علوي، وسرعان ما قابلته مظاهرات سنيّة. الأمن منع الاحتكاك بين الطرفين. التراشق بالحجارة. جريح مسنّ. إلى اللقاء في دمّلة سورية جديدة من الدمامل الطائفية التي تتقيّح وتتفجر وتتوالد في سورية بعد النظام الأسدي.
لا، الأمر أكبر وأخطر من أن يكون دمّلة.
ليلًا، بعد العاشرة، داهمتني الهتافات تتفجر في الشارع المجاور: تكبير/ قائدنا إلى الأبد سيدنا محمد. شتائم جنسية للعلويين. خرجت إلى الشرفة المطلة على شارع فرعي، وإذا بالأفواج الشبابية تتدفق في الشارع الرئيسي. اندفع فتى وهوت عصاه على سيارة تحت الشرفة، ثم عاد إلى الحشد الهادر. اندفع شاب ضخم صوب السيارة، وجلجل صوته ليرميني بشتيمة جنسية طائفية، فانقذفت إلى الداخل وأعتمتُ البيت. أسرعتْ إليّ زوجتي بينما عدت إلى الشرفة زحفًا لأتلصص على الحشد الهادر. بعد حينٍ مضى الحشد إلى شارع آخر. أضأت البيت، لجأت إلى الاتصال بأصدقاء، وإلى التلفزيون. ساهرت الرعب ساعات، لِمَ النكران؟
في النهار التالي، سأجمع شتاتي: هذه المرة حمى الأمن والشرطة الاعتصام الطائفي المعارض. زجاج النافذة اليمنى لسيارتي مهشّم، المرآتان لسيارة جاري الدكتور منذر خدام مهشّمتان. ما من شيء يُذكر بالقياس إلى ما كان في أحياء عكرمة والمهاجرين والزهراء و… في حمص، حين تدفقت أفواج عشيرة بني خالد ثأرًا للزوجين اللذين قضيا في بلدة (زيدل) في جريمة وحشية حاول فيها المجرم ــ المجرمون تطييف وحشيتهم. لكن المعالجة الرسمية والعشائرية أطفأت النيران، ليظل السؤال معلقًا عن الجمر الذي يخفيه الرماد.
من شتات أوراقي أتيت إلى شتات روحي بملفّ فتحته منذ سنتين، عندما قرأت كتاب كارل غوستاف يونغ “الفرد والحشد”. كان الملفّ الذي عنونته بعنوان الكتاب قد اكتنز بما سأذكر بعضه. وكان أول ما أضفت إليه ــ على إيقاع اعتصام الثلاثاء، ليس فقط في دوّار الزراعة، أو دوّار الأزهري في اللاذقية، ومثلها في طرطوس، أو جبلة، أو بانياس… ــ هو السؤال عمّن نصّب الشيخ غزال غزال زعيمًا سياسيًا، هو ومن معه في هذا الذي يُسمّى المجلس الإسلامي الأعلى للعلويين، أو في المجلس الديني الذي يضمّ برئاسة غزال مئة وثلاثين شيخًا ــ يا للهول! ــ أو في المجلس التنفيذي… كل هذه المجالس! يا للهول! ويا للهول من الذين يتغندرون في الخارج ولا يألون جهدًا لإشعال الحرائق في الداخل.
في ملفّ “الفرد والحشد” سطور عمن كنت في الستينيات من العنفوان اليساري الثوري الذي يقدس الجماهير/ الحشد. وقد حشدتُ في الملفّ نتفًا عن الجماهير الحاشدة والحشود الجماهيرية التي توحدتُ بها عام 1958 عندما توحدتْ مصر وسورية في الجمهورية العربية المتحدة، وعندما زار جمال عبد الناصر اللاذقية، وعندما استقال جمال عبد الناصر إثر هزيمة 1967، وعندما عاد عن استقالته، وعندما توفي عام 1970. ومن نتف الملفّ ما يتعلق بالحشد الذي شيّع أم كلثوم، أو شيّع عبد الحليم حافظ. ومن النتف ما سجّل حيرتي ونقمتي بينما يحمل حشدٌ سيارة حافظ الأسد عندما سجن رفاقه واستولى على السلطة عام 1970. ومن ينسى الحشد عندما قضى باسل الأسد، وتهافت الشعراء على رثائه، والتبشير بالوريث بشار! من ينسى حشد القراء في معرض الكتاب في الرباط (2024) طلبًا لروايات الكاتب السعودي أسامة مسلم!
لالياس كانيتي ورقة في ملف “الفرد والحشد”. والورقة عن كتابه “الجماهير والسلطة”، وفيها عبارات متفرقة عن شجاعة المنخرط في الحشد حدّ اللامبالاة بالموت. ولأعترفْ بأنني ما كنت لأقرأ هذا الكتاب إلا لأنه لالياس كانيتي الذي أجلّه. وقد أشرت في هذه الورقة إلى كتاب غوستاف لوبون “سيكولوجيا الجماهير”.
في مكتبتي كتاب ما كان لينتظر دوره في القراءة طويلًا لولا أنه عن الجماهير. والكتاب هو “تمرد الجماهير” لخوسه أورتغا إي غاسيت. أما كتاب (يونغ) فله النصيب الأكبر في الملف. وقد أفردت بعض عتبات فصوله في حيّزٍ خاص، وأولها لنيكوس كازانتزاكي القائل: “لا ترى الحشود جنيات البحر. لا تسمع الأغاني في الهواء. عمياء صماء”. ومن عتبة طاغور:
“يذهب الإنسان إلى الحشد الصاخب ليختنق احتجاج صمته”. ومن عتبة غوستاف لوبون: “لا يمكننا مناقشة عقائد الحشود، كما لا يمكننا مناقشة الإعصار”. ويقتبس يونغ من تروتسكي قوله: “عندما يركض المرء مع الذئاب، يجب عليه أن يعوي على القطيع”. ومن بوريس باسترناك: “كل شكل من أشكال تحشّد القطيع هو ملجأ للمحرومين من الأوبئة”. ومن والتر ليبمان: “عندما يفكر كل الناس بطريقة مشابهة، فهذا يعني أنْ لا أحد يفكر”.
وفي تقديم أنتوني ستيفنز لكتاب “الفرد والحشد”، نقرأ أن محنة حضارتنا، كما شخّصها يونغ في كتابه “الإنسان المعاصر في البحث عن الروح” هي كفاح فردي من أجل النزاهة الأخلاقية والروحية ضد سيكولوجية الحشد الناتجة من التعصب السياسي والمادية العلمية والانتصار التكنولوجي عالميًا.
في المقدمة الهامة لمترجم الكتاب، إسماعيل زين العابدين، أن الحشد يسحق الشخصية الفردية بسطوة الأعداد، وأن الجموع الغفيرة تشبه مستعمرة النمل. ويتحدث المترجم الذي وصف الكتاب بأنه مليء بالاستفزاز والتحدي عن ماكينة الحشد الساحقة، وعن الطقوس الدينية التي تستولي بدورها على روح الفرد، وتجعله تابعًا متفانيًا في الحشد. ويصف المترجم الحشد بأنه أفيون الفرد، وبأنه يبدو كالفردوس، لأنه يقدم امتيازات كثيرة مخادعة، مثل الشعور بالانتماء والاحتماء. وإذا كانت الأسرة مثالًا مصغرًا لحشد ٍ ما، فتجربة الحشد هي مجرد تزييف الواقع، واستثمار ناجح في الكسل الفكري للفرد الذي يصبح كالدمية التي يحركها الحشد بتغذية الخوف، وبأوهام الحملات الانتخابية والإعلانات والإيحاءات والطبول.
أما يونغ نفسه فيرى الحشد أرضًا خصيبة للأوبئة النفسية، سرعان ما تنتشر فيه الكراهية ضد حشد آخر ــ هنا يُلحّ عليّ مما يتعلق بسورية رواية “مديح الكراهية” لخالد خليفة ــ فيتحول إلى وحش أعمى يستولي عليه جنون القتل، والشاهد على ذلك هو المجازر المروعة. ويذهب يونغ إلى أن الحشد هو من صنع هتلر في لاوعيه أولًا، فوجود دكتاتور نحمله كل المسؤولية يعفينا من مواجهة الظل الأسود فينا، وهكذا نضع خطايانا على ظهر الديكتاتور، ويصبح الزعيم نصف إله، إذ لا يمكن لقادة دولة الحشود أن يتجنبوا تأليه الحشود لهم.
يخنق التحشيد، بحسب يونغ، حرية الرأي، ويغدو تمجيد سياسة الدولة مثل عقيدة دينية، حيث ثمة حقيقة واحدة فوق النقد، وكل من يفكر بشكل مختلف هو مارق ومهرطق. وهكذا تنطفئ في التحشيد الشخصية الفردية، مما يسهّل استسلام المجتمع لديكتاتور ما.
ليس لدولة الحشد أي نية في تعزيز التفاهم المتبادل، ولا تعزيز علاقة الإنسان بالإنسان. فهذه الدولة تسعى جاهدة إلى التفتيت، وإلى عزلة الفرد النفسية، فكلما ازداد عدم ترابط الأفراد، ازداد تماسك الدولة، والعكس صحيح.
على إيقاع الاعتصامات التي دعا إليها الشيخ غزال غزال، والردود عليها، أضفتُ إلى ملف “الفرد والحشد” ورقة “الجمهور القاتل: ذلك الحشد الذي لا يُرى”، وهذا هو عنوان الكراس الذي كتبه الروائي نبيل الملحم. ومما صدّرت به الورقة قول الملحم: “الجمهور القاتل هو صورة الإنسان المهدور حين يتحول من ضحية إلى جلاد… جمهور بلا فرد، بلا عقل، بلا شك، إنه جمهور اليقين، وكل يقين قاتل. إنه الضد الكامل لفكر المواطنة، أو الفردانية، أو حتى الإنسانية”. وفي تحليليه الجديد والمثير لرواية كافكا “القلعة”، يرى نبيل الملحم أن من يسكن القلعة هو الجمهور القاتل، هو “الحشد غير المرئي الذي يتحرك ككيان واعٍ أو مقاوم، بل يعمل كداعم خفي للسلطة الغامضة… هذا الجمهور ليس ضحية فحسب، بل شريك غير مرئي في بناء شبكة الطاعة، فرديًا خلال سكوته وغيابه عن المقاومة الحقيقية”.
ثمة من يرادف بين (الحشد) و(الجماهير) و(القطيع). ومن المرادفات المتداولة في سورية وأخواتها من البلاد العربية والإسلامية: العشيرة ــ القبيلة ــ الطائفة، بل يكاد يطغى أي من هذه المرادفات على ما سبق. ومما يعزز في سورية ما تقدم من القول في الحشد نداءُ الفزعة الجهادية الطائفية التي طارت بالجحافل إلى مجازر الساحل السوري، ونداء الفزعة العشائرية الطائفية التي طارت بالجحافل إلى مجازر السويداء، وكادت أن تطير بها إلى حمص. ثم يأتيك المثقف الذي انتقل من الشراسة في معارضة النظام الأسدي الساقط إلى الشراسة في موالاة النظام الجديد، فيبرر الفزعات والتحشيد، بل وينفخ في نيرانها. لكن المثقف النقدي يقف بعيدًا عن كل ذلك، ويدفع ثمن وقفته، حيث لا استعلاء لمثقف على الحشد، ولا استخذاء أمامه، ولا يأس منه، أو انزواء عنه، بل توكيد على أن لا فكاك للسمكة من الماء.