
يبدو أن تصاعد حدة الأحداث الأخيرة نتيجة للهجوم الأخير على حقل كورمور للغاز الطبيعي في العراق، وما رافقه من إدانات عراقية وعالمية، إشارة واضحة لا يمكن تجاهلها، نظرا لتزامنها مع فترة انتهاء الانتخابات التشريعية، التي رجحت كفة الأحزاب القريبة من إيران، وجعلت من أذرعها المسلحة، أسلوبا جديدا في التأثير على السياسة الداخلية والخارجية في علاقة النظام السياسي العراقي مع الأخرين، ناهيك من تقاطعها مع مهمة الإدارة الأمريكية، التي حملها المبعوث الخاص بإعادة بناء الثقة، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن، في ظل التدخل الإيراني المستمر في شؤون البلاد الداخلية.
وعلى الرغم من أن الهدف الرسمي الأمريكي المعلن، يتمثل في العمل مع جميع الأطراف السياسية والدينية والاقتصادية لضمان عراق مستقر ومزدهر، يمكنه أن يكون شريكاً حقيقياً، بعيداً عن الصراعات الإقليمية، ويُمثل رسالة واضحة لدعم عراق قوي وموحد، بيد أن التطورات والمتغيرات الأخيرة في الشرق الأوسط، قد تساهم في ترجيح كفة ميزان الإقليم الكردي، إذا أخذنا بعين الاهتمام العلاقة الجيدة التي تربط الزعماء الكرد مع الغرب الأمريكي والأوروبي، ومقارنتها في الشكل والمضمون مع علاقة الأحزاب العقائدية الحاكمة في بغـداد، مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وأثرها في رسم الاستراتيجية للدولة في العراق الجديد.
يبدو أن تصاعد حدة الأحداث الأخيرة نتيجة للهجوم الأخير الذي تعرضت له إيران، وما رافقها من تغيرات استراتيجية عميقة في لبنان وسوريا، إشارة واضحة لا يمكن تجاهلها في أي حال من الأحوال، وبالتالي حتمية تأثير هذه التغيرات والتحولات على المشهد السياسي العراقي الداخلي، فثمة تغيرات واضحة طرأت على الاستراتيجية الغربية في تعاملها مع الملف العراقي باختيارها لإقليم كردستان، وجعله مكاناً آمنا لبقاء قواتها القتالية، بعد تنفيذ قرار البرلمان في بغداد بانسحاب القوات الأمريكية من العراق، وهذا ما يجعل من حكومة إقليم كردستان الغنية بالنفط والغاز، نقطة استقرار وحليفا وشريكا اقتصاديا للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية. وهنا لا بد من الإشارة للأهمية التي يبديها الغرب للكرد العراقيين، في سلم درجة هرم النظام السياسي الجديد، الذي ضمن لهذا المكون، الحرية القومية والسياسية الكاملة في إدارة الإقليم، وكفل لهم دورا محوريا مهما في الحكومة الاتحادية، من خلال بنود الدستور الجديد الذي جاء به بول برايمر، في إعادة تكوين المشهد السياسي الجديد، وعملية تمثيل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية في حكم الدولة الجديدة. وقد لا يبدو هذا التفاوت في هذه العلاقة أمرا غريبا للكثير من العراقيين، نتيجة للأهمية التي تبديها الولايات المتحدة لهذا الإقليم العراقي. حيث يعود للغرب الدور المهم في تحويله وتطويره منذ عدة عقود إلى كيان شبه مستقلّ، وساهم في الحفاظ على مستوى رفيع من التواصل مع القيادات الكردية، على الرغم من اختلاف الأنظمة التي حكمت العراق.
من هنا تميزت زيارة نوري المالكي الأخيرة لإقليم كردستان بخصوصيتها الجديدة، لما تحمل من مؤشرات ودلالات لتغيرات عديدة مقبلة على المشهدين الداخلي والخارجي، قد يكون لهما تأثير على مستقبل العراق بشكل خاص والمنطقة عموما. فعلى المستوى الداخلي كان عام 2025 عاما سيئا على الصعيد السياسي العراقي، حيث وصلت حدة أزمة صراع النفوذ بين إسرائيل وإيران إلى مستويات خطيرة، لم تشهدها المنطقة من قبل، إلى درجة تلاشي جميع الآمال ببقاء عراق موحد وديمقراطي مسالم في ظل حكم النظام الثيوقراطي الحالي، لتبدو في النهاية أكثر بعدا من أي وقت مضى. كما تميز مشهد استقبال الزعماء الكرد لحليف طهران القادم من بغداد في تزامنه مع فترة مهمة من أحداث وتحولات سياسية داخلية، لم تشهد لها مثيلا، الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ سنوات طويلة.
ثمة من يرى في أسباب هذه الزيارة المفاجئة، تحصيل حاصل للتغير في ميزان القوى النافذة في المنطقة، وهو أشبه بملامح تسوية فُرضت مع الجانب الكردي لتغيير المعادلة السابقة، من خلال التوافق على إناطة منصب رئاسة الجمهورية إلى حزب البارزاني، بدلاً من حزب الاتحاد الوطني القريب من إيران، كما جرت العادة في الدورات السابقة، مقابل دعم حكومة كردستان للمالكي في الحصول على منصب رئاسة الوزراء، وهذا يعني إن صحت هذه الرؤية، الأهمية التي وصلها المكون الكردي في المعادلة الجديدة التي فرضتها التداعيات الأخيرة، التي لم تعد تبدو في صالح ما سمي بالدولة العميقة في بغـداد. وبغض النظر ما إذ كان الهدف هو العمل على دعم المكون الكردي للإطار التنسيقي في العملية السياسية، نتيجة لقرب نهاية الدور الإيراني، والشروط الأمريكية لاختيار رئيس وزراء جديد، التي حملها مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تتمثل في قدرته على إنهاء دور الميليشيات الولائية، أو كهدف لدعم نوري المالكي شخصيا لمنصب رئاسة الوزراء، إذا أخذنا بعين الاعتبار تزامن هذه الزيارة مع ما أعلن رسميا في ما يتعلق بالآلية الجديدة لاختيار الشخصية العراقية المؤهلة في حكم الدولة، نتيجة عزم الإدارة الأمريكية على بدء العمل على تغيير جوهري في الشرق الأوسط، والإشراف على تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ناهيك من الاحتمالات والتوصيات السرية لإعادة ترشيح محمد شياع السوداني الذي يحظى على ما يبدو بدعم القوى الغربية الفاعلة من جهة، وقربه من الرؤى الأمريكية التي حملها المبعوث الأمريكي الجديد.
لا شك في أن جدية التغيرات والأحداث الإقليمية الأخيرة، وما رافقها من تحالفات إقليمية، رجحت كفة إقليم كردستان، وجعلت منه الحليف السياسي والعسكري الثابت للولايات المتحدة، من خلال دعم قوات البيشمركة لجهود أمريكا في وجودها المستمر في العراق منذ عام 1990 مقارنة بموقف الأحزاب الموالية لمشروع الهلال الشيعي الإيراني، المنافس للوجود الأمريكي ومصالحه في العراق، الذي ينفذه الحرس الثوري الإيراني بإشراف الولي الفقيه، وهذا ما يدفع كل من له بصيرة وطنية إلى قراءة جديدة لطبيعة العملية السياسية المقبلة وما تبقى من دور إيران، وما تملكه من نفوذ في الحكومة العراقية والحركات والأحزاب السياسية الفاعلة في العملية السياسية، ومراكز صنع القرار، الأمر الذي قد يُصعب عليها التأثير في تشكيل الحكومة المقبلة نتيجة لعمق التطورات المقبلة على العراق، خلافا للمؤشرات الملموسة في إقليم كردستان الغني بالنفط والغاز، الذي استطاع أن يكون الحليف والحارس الأمين الذي يضمن للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية، الحفاظ على المصالح العليا في مواجهة المد الصيني الذي تدعمه إيران، والتي لم تعد تمثل القوة البارزة القادرة والمؤثرة في بناء النظام السياسي الحاكم في العراق.
كاتب عراقي..
المصدر القدس العربي