يبدو أن مخاتلة الواقع، والاستغراق في قراءة مشهد الدولة الجديدة في سوريا على أنها مخرجات الثورة التي انبثقت كرافد من روافد الربيع العربي، يغفل أن الفوضى المركّبة التي تحاول الدولة الجديدة احتواءها هي من طبيعة الثورات التي تعاني إعادة بناء نظام يقوم على مؤسسات حيوية، ولم تزل تحبو في فكّ أسرها من قيود نظام سابق أمعن في تشتيت بنى الدولة وتدمير مقوماتها.
من غير شك، هناك نظام ينتمي إلى الدولة العميقة، مهما كان طابع الحكم استبداديًا، ومهما كانت تلك المؤسسات متخلفة وقمعية وفاسدة، إلا أنها واقع سلطوي يضبط حركة الدولة والمجتمع. وهذا يعني أنه من الطبيعي أن ترزح الدولة تحت وطأة أزمات معقدة تبدأ بأزمة بناء الدولة الحديثة، وتبديد وهمها بالاستقرار المخاتل، وإعادة تكوين الأمن المجتمعي والمدني والاقتصادي والسياسي، بما ينسجم مع أدلجتها الثورية الخاصة بها.
ارتجالات ترامب السياسية في دعم الدولة الجديدة لا تشكّل قطيعة جذرية مع إستراتيجية أميركا العميقة في نظرية الفوضى الخلّاقة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط
لا سيما أن أدلجة الثورة في سوريا هي مزيج غير متجانس من فكر سلفي ومعاصرة إيهامية ذات براغماتية ضبابية، وتتعلق هذه الحال بسياسة عصف الهوية الوطنية، التي تناقض استراتيجيات الرؤية السلفية للمجتمع ومختلف بنياته الفوقية والتحتية.
يكاد يُحسم الجدل حول أن إسقاط نظام الأسد جاء نتيجة تفاهمات إقليمية ودولية تهدف إلى التخلص من إدارة دموية فاشلة باتت عبئًا على حلفائها، وكان إسناد خلاص سوريا وفق هذه التفاهمات إلى أكثر الفصائل قدرة على ضبط جموع الفصائل المتناحرة التي شكّلت الثورة على مدى أربعة عشر عامًا، فُرض عليها تأمين استقرار نسبي.
كان لتركيا حصة الأسد في انتقاء هيئة تحرير الشام وفرضها، لكن بتعهدات تحويلها إلى قيادة دولة تحقق مصالح مختلف الأطراف المتصارعة على سوريا.
إذن، باتت مصالح مختلف الأطراف الفاعلة في الوضع السوري متطابقة في التخلص من سلطة الأسد، لكنها تتباين في رؤيتها لشكل الدولة الجديدة وأساليب حوكمتها. وهذا يعني أن تفاهمات إسقاط الأسد لن تنجو من تنازع في دعم استقرار الدولة الجديدة، وهو تنازع ينتهج طرقًا لا تؤدي إلى فوضى غير مضبوطة.
وتبقى المشكلة الأشد حساسية في سياسة أميركا، واختلاف أهدافها عن مختلف الفرقاء في دعم حكومة سوريا المؤقتة؛ فهي تبدي دعمًا للدولة الجديدة حذرًا من الفوضى العشوائية من جهة، ومن جهة أخرى مجاملة وإرضاء لتركيا وقطر والسعودية، كما أعلن ترامب صراحة.
ارتجالات ترامب السياسية في دعم الدولة الجديدة في سوريا لا تشكّل قطيعة جذرية مع إستراتيجية أميركا العميقة في نظرية الفوضى الخلّاقة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط
وارتجالات ترامب السياسية في دعم الدولة الجديدة لا تشكّل قطيعة جذرية مع إستراتيجية أميركا العميقة في نظرية الفوضى الخلّاقة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط. تلك الإستراتيجية لن تتصالح مع حكومة خلفيتها جهادية راديكالية، وهي قد قبلت بها كحكومة انتقالية مؤقتة تقود مرحلة الانتقال إلى دولة جديدة تحقق رغباتها، وفي آخر سلّم هذه الرغبات قضايا الحرية والتحرر الوطني. لذلك تبقى في هذه المرحلة عينها مفتوحة على تحركات هذه الحكومة ونهجها في إدارة الدولة.
لا يخفى على أحد أن سياسة أميركا تجاه حكومة سوريا المؤقتة تظهر شديدة التناقض بين خصومتها العقائدية التاريخية للحركات الجهادية، وبين مساندة أحد نماذجها في سوريا. في الحقيقة، تمثل هذه السياسة صورة من صور البراغماتية الأميركية بالغة الذكاء؛ فأميركا، وهي تعلن تأييدها ودعمها لحكومة سوريا في كل مناسبة، لا تلغي مساندتها للمكونات السورية المناهضة لحكومتها، وتتيح لتلك المكونات الأمل بدعمها وعدم التخلي عنها، لتبقي تلك المكونات المناهضة متخندقة في نزاعها مع الحكومة المؤقتة. وهذه السياسة، في عمقها الاستراتيجي، تهدف إلى خلق بيئة مستقبلية للفوضى الخلّاقة التي تقوم عليها إستراتيجيتها العميقة.
هذه السياسة ستُبقي تلك المكونات في نزاع يزداد تفاقمًا حتى يصل إلى مرحلة تكون فيها مؤهلة لإجهاض الحكومة المؤقتة من داخلها، من غير أن يؤدي ذلك إلى حروب أهلية طاحنة.
وهذا هو جوهر نظرية الفوضى الخلّاقة التي نقلتها أميركا في عهد الرئيس الأميركي جورج بوش من النظرية إلى التطبيق. وهي نظرية تعود نشأتها إلى الأدبيات الماسونية القديمة، ثم أسهم الباحث الأميركي دان براون بإضافاتٍ نظريةٍ إليها. وتُوظَّف هذه النظرية لتسويغ تدخلات أميركا بهدف إعادة ترتيب الأوضاع الجيوسياسية للشرق الأوسط بما ينسجم مع مصالحها، ومع مصالح إسرائيل التي تسعى إلى استغلال الفوضى لتحقيق أهدافها الأمنية والجيوسياسية بعيدة المدى.