إبراهيم الحامد
في المشهد السوري المعقّد، لم يعد الصراع يدور حول حقوقٍ سياسية أو مطالب اجتماعية أو حتى كرامة وطنية حقيقية. اليوم، نعيش زمناً تتقدّم فيه رفاهية السياسة على رفاهية العيش، وتعلو فيه منابر التفاوض بين القوى المتصارعة فوق أنين شعبٍ يبحث عن رغيف خبز ودواء ودفء وكرامة.
تحت شعارات متناقضة من فقدان الشرعية الدولية لكسب شرعية محلية أو خسارة الشرعية الشعبية مقابل اعتراف خارجي أو سلطة مناطقية تُفرض بقوة السلاح مع غياب الشرعية الوطنية والدولية معاً، تشكلت خريطة سياسية مشوهة في سوريا. قوى تتجاذب وتتنافر، تتحالف وتتحارب، لا بحثاً عن العدالة ولا سعياً لرفع الظلم أو تحسين حياة الناس، بل في سباق محموم على النفوذ والسلطة، بينما يُترك الشعب السوري وحيداً في معركة الحياة اليومية.
الحوار واللقاءات السياسية القائمة اليوم ليست إلا شكلاً من أشكال الرفاهية السياسية، رفاهية تُمارس على وقع معاناة المواطن السوري الذي يفتقد لأبسط مقومات العيش الكريم. شعبٌ يلهث خلف بقائه قبل أن يطالب بحريته، بعدما تحوّلت وعود الحياة الكريمة إلى رماد، وصار البقاء نفسه رفاهية قد لا تُتاح للجميع.
وفي خضم هذا المشهد، يُرفع شعار “السيادة الوطنية” في الخطابات السياسية، بينما يجلس السوري مع السوري على طاولة تفاوض برعاية الخارج ومظلة النفوذ الأجنبي. فكيف لمن يطالب بالسيادة أن يفاوض على أرض تُقسم ولاءات وقوى عابرة للحدود؟ وكيف لمن يتحدث عن وحدة سوريا ألا يضع شرطاً أولياً وأساسياً بانسحاب كل قوة أجنبية من الأراضي السورية إلى ما قبل خطوط عام 2011؟
هل هي مفاوضات لإنقاذ وطن؟ أم تقسيم للنفوذ واقتسام لـ”الكعكة السورية” بين المتصارعين وداعميهم؟ سؤال لم يعد صعب الإجابة عليه أمام واقعٍ يزداد قتامة يوماً بعد يوم.
إن السوريين – بكل مكوّناتهم إلا من ندر من المستفيدين – لم يعد هاجسهم الأول رفع المظلومية السياسية أو القومية أو الطائفية، رغم أهمية هذه القضايا وعدالتها. فقد تحوّلت تلك العناوين إلى أدوات سياسية ورفاهية نخبوية تُمارس فوق ركام الواقع الإنساني المنهار. اليوم، صار السوري الذي بقي في وطنه يفضّل الرحيل أو حتى الموت على أن يرى ما تبقّى من أولاده وكرامته يذوي على يد من وعدوه بـ”عيش كريم بعد سقوط النظام”.
إنها مأساة وطن تُختزل في جملة واحدة:
حين يتنعّم الساسة بالترف السياسي، يُسحق الناس تحت عبء العيش… وتضيع سوريا بين شرعيات متصارعة وإنسان منسي….
Wien – 2/12/2025