رووداو ديجيتال
قال زعيم حزب العمال الكوردستاني، عبد الله أوجلان، في رسالته إلى “المؤتمر الدولي للسلام والمجتمع الديمقراطي” في إسطنبول، إن “الوقت قد حان اليوم للسير نحو التحرر الديمقراطي على أساس اشتراكية المجتمع الديمقراطي”.
وعدد أوجلان ثلاثة مبادئ في إطار قانون التكامل الديمقراطي.
انطلقت أعمال “المؤتمر الدولي للسلام والمجتمع الديمقراطي” الذي نظمه حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (دام)، في إسطنبول.
في المؤتمر الذي سيستمر لمدة يومين، قُرئت رسالة زعيم حزب العمال الكوردستاني، عبد الله أوجلان.
قرأ الرسالة ويسي آكتاش، الذي أُطلق سراحه في شهر تموز بعد أن أمضى 10 سنوات في سجن إمرالي.
جاء في الرسالة التي حملت عنوان “لنستعِدِ الاشتراكية من جديد عبر بناء السلام والمجتمع الديمقراطي” ما يلي:
“لنستعِدِ الاشتراكية من جديد عبر بناء السلام والمجتمع الديمقراطي
أيها المفكرون الأفاضل، الرفاق الأعزاء، المندوبون الكرام، وجميع من لا يزالون يؤمنون بالاشتراكية:
أخاطبكم في وقت استؤنفت فيه المفاوضات مع الدولة مجدداً في جزيرة إمرالي، في ظل ظروف عزلة دامت 26 عاماً، سعياً للوصول إلى حل سلمي ومجتمع ديمقراطي للقضية الكوردية في تركيا. إنه لأمر ثمين وذو معنى كبير بالنسبة إليّ أن أخاطبكم اليوم هنا في المؤتمر الدولي للسلام والمجتمع الديمقراطي حول إعادة بناء الاشتراكية.
بصفتنا كورداً، لقد أكملنا نضال حزب العمال الكوردستاني من أجل الوجود والكرامة الذي دام 52 سنة، وندخل الآن حقبة جديدة سيُعاد فيها بناء الجمهورية الديمقراطية والمجتمع الديمقراطي.
لقد أدى حزب العمال الكوردستاني مهمته التاريخية بضمان الوجود القومي للشعب الكوردي، وفي الوقت نفسه كشف عن الجمود الذي أصاب اشتراكية الدولة القومية. لقد ظهرت اشتراكية القرن العشرين بوصفها خطوة ثورية سلبية، لكنها لم تتمكن من ملء الفراغ. في التسعينيات، عندما كان معظم الناس يهربون من الاشتراكية، قلت إن ‘الإصرار على الاشتراكية هو إصرار على الإنسانية’، وكرست حياتي كلها لإعادة بناء هذا الأمل. هذا النضال، الذي خُضناه بأثمان باهظة، صار اليوم إرثاً تشكّل من خلال النقد النظري والعملي. ولكي نحافظ على هذا الإرث بشكل صحيح، يجب علينا تحويل الاشتراكية من مجرد ذكرى إلى قوة اجتماعية حية يتردد صداها مع الشعب.
ينبغي اعتبار التقليد الاشتراكي في التاريخ إرثاً لكل من بناء السلام والمجتمع الديمقراطي، والطريق لتحقيق ذلك ممكن عبر إنجاز المهمات الأممية نظرياً وعملياً.
مع أن الاشتراكيين الطوباويين والماركسيين قد انتقدوا النظام الرأسمالي المهيمن على نطاق واسع منذ القرن التاسع عشر، إلا أنهم لم يتمكنوا من تطوير موقف يؤدي إلى نتائج. لم تعد الرأسمالية المعاصرة مجرد أزمة، بل وصلت إلى مستوى المرض الذي يهدد الجنس البشري. ويعد احتكار العنف في شكل الدولة القومية عاملاً حاسماً في هذا الانهيار.
كما لا يمكن تفسير الرأسمالية بالأسس الاقتصادية وحدها، لا يمكننا أيضاً تفسير فشل الحركات الاشتراكية بالقمع الرأسمالي فقط. فالأخطاء التاريخية والحالية حاسمة أيضاً في هذا التراجع.
يجب فهم انتقاداتي للماركسية بشكل صحيح. أنا لا ألوم ماركس؛ ففي عصره، لم يكن التاريخ قد أُنير كما هو اليوم، ولم تكن هناك أزمة بيئية، وكانت الرأسمالية في أوج صعودها. على الرغم من كل هذا، كان ماركس منظّراً واثقاً بنفسه جداً وكان ينتقد نفسه دائماً. لقد رأى تحرير المرأة، ولكن لأنه فسّره بشكل سطحي ولم يفهم عمقه، اعتقد أنه سيتحقق التغلب عليه إذا جرى تجاوز الاستغلال الاقتصادي. لقد حاول تفسير التاريخ الاجتماعي فقط من خلال الطبقة ولم يتمكن من تحليل الدولة والدولة القومية بشكل كافٍ. ولهذا السبب، ظهرت عواقب وخيمة. ومع كل هذه الانتقادات، أريد أن أضيف أنني أحترم عمل ماركس، وليس لدي شك في نواياه، وأقيّم الماركسية بشكل منفصل عن ماركس. وعلى الرغم من أننا ننتقد الماركسية والاشتراكية الواقعية في بعض القضايا الأساسية، فإن ما نشعر به بصفتنا اشتراكيين هو نقد ذاتي.
يجب على القوى المناهضة للنظام إعادة تقييم المادية التاريخية لتتوافق مع حقيقة المجتمع البشري. من المهم أن نفهم أن الرأسمالية لم “تسقط من السماء” في القرن السادس عشر، فجذورها تمتد إلى تطور الحضارة على مدى 10,000-12,000 عام في بلاد ما بين النهرين الأدنى. وتوضح مراكز مثل غوبَكلي تَبَه وكاراهان تَبه هذه البداية التاريخية. لهذا السبب، أجد أنه من الأصح تسمية نظام الحضارة الحالي بـ”النظام الطبقي القاتل للمجتمع”. تشير الأدلة الأثرية والأنثروبولوجية إلى أن طبقات الصيادين الذكور، باستخدام تقنيات القتل التي طوروها، قمعت مجتمعات العشائر التي تتمحور حول المرأة واستعبدت النساء. هذا هو أعمق شرخ في تاريخ البشرية. وهي في الوقت نفسه ثورة مضادة كبرى حددت جميع التطورات الحضارية التي سبقتها.
إن تحليل الرأسمالية من منظور تاريخي سيوسع آفاقنا إلى حد كبير. فهذا النظام لا يؤجج التناقضات الداخلية داخل المجتمع فحسب، بل يدمر الطبيعة أيضاً من خلال تطوير أنظمة أسلحة كيميائية وذرية قادرة على تدمير الكوكب، ومن خلال تلويث المناخ ونهب الموارد الطبيعية فوق الأرض وتحتها، وبذلك يقود البشرية إلى نهايتها. ومن المهمات الأممية الأساسية، بناءً على هذه الحقيقة، تقديم تحليل جديد للرأسمالية للبشرية.
تجب دراسة تاريخ المضطهَدين من منظور الكومونات التي هي بنية للدفاع الذاتي تتجاوز الطبقة. وهذا يتطلب منظوراً تاريخياً يرى في العشائر الأولى بداية للكومونات، وصولاً إلى الطبقة التي نسميها اليوم البروليتاريا، أو إلى جميع الشعوب المضطهَدة.
على هذا الأساس، نقول إن التاريخ لا يقتصر على الصراع الطبقي. بل إنه يشمل ذلك، ومن الأصح قراءة التاريخ بوصفه عملية تفاعل وصراع بين التطور الكومونالي والتطور المناهض للكومونات، الذي يمتد تاريخه إلى حوالي 30 ألف عام.
أعتقد أن مؤتمركم سيطور نقاشات مهمة على أساس التحليلات النظرية التي قدمتُها، والتي ستسهم في فهم جديد للبرنامج والتنظيم السياسي. المنهج الأساسي في هذه العملية هو المادية الجدلية. لكنْ، يجب تجاوز عيوب الجدلية الكلاسيكية. يجب ألا نرى التناقضات بوصفها أجزاء يدمر بعضها بعضاً، بل بوصفها ظواهر اجتماعية يعزز بعضها بعضاً. لأنه لا توجد دولة من دون كومونة، ولا توجد بروليتاريا من دون برجوازية. لذلك، يجب أن نتعامل مع التناقضات لا بعقلية تدميرية، بل بمنظور تاريخي تحويلي.
تُظهر التطورات العلمية أيضاً أن المنهج الجدلي أداة فعالة في التحليل الاجتماعي طالما أنه لا يتم إطلاقه. في هذا السياق، من الضروري تحديث جدلية الكومونة-الدولة والطبقة-الدولة. لقد نشأ فشل الاشتراكية القائمة في القرن العشرين من التفسير الخاطئ لهذه الجدلية التاريخية: فمع أن الاشتراكية الدولتية امتلكت الدولة، إلا أنها فشلت في النهاية أمامها. وبربطها حق تقرير المصير للأمم بالدولة القومية، حصرت نفسها داخل حدود السياسات البرجوازية. لم ينتج مفهوم “الدولة القومية البروليتارية” أي نتيجة سوى إنتاج عقلية الدولة.
لقد فسرت هذه الحقيقة بشكل صحيح وقلت: اشتراكية الدولة القومية تقود الإنسان إلى الهزيمة، واشتراكية المجتمع الديمقراطي تقود الإنسان إلى النصر. اليوم هو وقت السير نحو الخلاص الديمقراطي على أساس الاشتراكية الديمقراطية.
في هذا الطريق، أعتقد أننا سننتصر بمنظور الجمهورية الديمقراطية، والأمة الديمقراطية، وبنموذج المجتمع الديمقراطي التحرري للمرأة، والبيئي، والديمقراطي، بصفته بديلاً للدولة.
لقد أوصلت هذه العقلية حركتنا إلى التحديث الأيديولوجي والسياسي، وإلى الديناميكية التنظيمية والشعبية، ووجهتها نحو برنامج اشتراكي قادر على الاستجابة لمتطلبات العصر.
تتشكل علاقة الاشتراكية الديمقراطية بالدولة من جديد في سياق عملية السلام والحل. وإنني، أُعرّف علاقتي بالدولة على أنها علاقة تحول ديمقراطي. ففي مفهوم الجمهورية الديمقراطية، من الضروري ألا تكون الدولة قوة إلهية فوق المجتمع، بل أن تعمل مع المجتمع في إطار اتفاق ديمقراطي. ومن خلال الإستراتيجية السياسية الديمقراطية، يمكن إحداث تغيير وتحول داخل الدولة وإعادة بناء المجتمع على أسس ديمقراطية.
إن إرساء هذه الإستراتيجية على أسس قانونية سيخلق أساساً دائماً للسلام. فالقانون، بوصفه آلية لحماية وتوازن العلاقة الديمقراطية بين الدولة والمجتمع، هو أداة للحل تمنع العنف. وفي الوقت نفسه، سيؤدي دوراً في إضفاء الطابع المؤسسي على بناء وشرعية الجمهورية الديمقراطية وإعادة هيكلة النظام الاجتماعي.
كانت إحدى الحجج التي قدمتها بوصفها إستراتيجية أساسية للنضال هي الاندماج الديمقراطي ومفهومه القانوني. إن قانون الاندماج الديمقراطي، الذي تتحقق فيه إعادة هيكلة القانون لصالح المجتمع من خلال المعايير الفردية والعالمية والحقوق الجماعية، يجب أن يُبنى على ثلاثة مبادئ أساسية:
– قانون المواطنة الحرة.
– قانون السلام والمجتمع الديمقراطي.
– قوانين الحرية.
سيقوم قانون الاندماج الديمقراطي بتحويل الدولة إلى دولة معايير، وفي الوقت ذاته سيضمن بشكل مؤسسي الوجود المكتسب للمجتمع، وبالتالي تحقيق حريته. إن عملية “نداء السلام والمجتمع الديمقراطي” التي بدأتها هي عملية حوار. ففي منطقة مثل الشرق الأوسط حيث تتداخل الإثنيات والأديان والمذاهب، هناك الكثير مما يمكن تحقيقه من خلال الحوار والمفاوضات الديمقراطية. في الحقيقة، أعتقد أن الاشتراكية ذات المعنى، بدلاً من أن تكون مقاربة ثورية عنيفة، هي أنسب لتنظيم نفسها بوصفها نظاماً إيجابياً للبناء والوجود، وتحقيق ذلك من خلال الحوار الديمقراطي. من الصعب الاعتقاد بأن الاشتراكية، حتى لو تحقق بناؤها، يمكن أن تكون دائمة دون أن ترتكز على حوار ديمقراطي واسع وعميق.
وكما قال لينين: “لا يمكن بناء الاشتراكية من دون ديمقراطية واسعة ومتقدمة”.
بِذَيْنِ الفكرة والاعتقاد، أتمنى أن يكون اجتماعنا ناجحاً وأقدم لكم تحياتي ومحبتي الرفاقية اللامتناهية”.