
دمشق – «القدس العربي»: فتحت الساعات الأولى لسقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر الماضي، الباب واسعاً أمام النازحين واللاجئين السوريين، للعودة إلى ديارهم التي هجّروا منها تحت نيران القصف بمختلف أنواع الأسلحة، خصوصا وقد انتهى كابوس الأجهزة الأمنية والعسكرية. الحرب الشرسة على حواضن معارضي الأسد، والملاحقات الأمنية، وسوق الشباب إلى الخدمة الإلزامية، وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بشكل خطير، دفع، وفقاً لإحصائيات أممية، أكثر من 13.7 مليون سوري إلى مغادرة بلداتهم ومدنهم قسراً، منهم 7.2 ملايين نازح داخلياً، و6.5 ملايين لاجئ أو طالب لجوء في دول مختلفة، وهؤلاء شكلوا أكثر من نصف عدد سكان البلاد.
اليوم، وبعد مرور نحو عام على سقوط نظام الأسد، فإن الأرقام المحلية والدولية تتحدث عن عودة ما يقرب من 1.5 مليون لاجئ من خارج البلاد، ونحو مليوني نازح داخلياً إلى مناطقهم الأصلية، أو إلى مواقع مختارة داخل البلاد.
العائدون من دول الجوار
الهروب من سوريا بمختلف السبل، شكّل العامل الضاغط الأكبر على دول الجوار التي تحولت إلى مظلة حماية للاجئين إليها، وإن لم تكن مثالية. وتتحدث أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عن أن عدد اللاجئين السوريين المسجلين في الدول المجاورة حتى كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي، بلغ 4.8 مليون شخص. وكانت تركيا تستضيف العدد الأكبر بأكثر من 2.9 مليون شخص بنسبة 61%، تليها لبنان في المرتبة الثانية إذ كانت تستضيف 768.3 ألف لاجئ بنسبة 15.9%، أما الأردن فاحتل المرتبة الثالثة حيث كان يستضيف حوالي 619.5 ألف لاجئ، بنسبة 12.9%، في حين كانت تستضيف مصر نحو 148.4 ألف لاجئ سوري بنسبة 3.1%. وإضافة إلى الأرقام السابقة كان هناك نحو 2.3 مليون لاجئ في دول مختلفة منهم 1.22 مليون في ألمانيا وحدها، حسب دائرة الإحصاء الفيدرالية الألمانية، التي قالت إن 19% منهم وُلدوا في ألمانيا و24% حصلوا على الجنسية الألمانية. وحتى نهاية عام 2024 كان هناك 713 ألف سوري يعيشون في ألمانيا تحت بند الحماية.
وحسب الأرقام الرسمية التي كشفها مازن علوش مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا لـ»القدس العربي»، فإن عدد المهجرين السوريين العائدين طواعية إلى البلاد منذ سقوط النظام وحتى نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي بلغ نحو 1.4 مليون مواطن، 42% منهم من تركيا وحدها. وقال علوش إن عدد العائدين من دول الجوار بلغ 894.641 مواطناً، منهم من تركيا 581.953 عائداً، ومن لبنان 175.427 عائداً، ومن الأردن 116.256 عائداً، ومن العراق 21.005 عائدين، موضحاً أن هذه الأرقام تشمل حالات العودة الطوعية للسوريين اللاجئين في دول الجوار فقط، يضاف إليها قرابة نصف مليون سوري، بشكل تقديري، عادوا للاستقرار النهائي من مكان إقامتهم في دول الخليج العربي وأوروبا وباقي دول العالم. وبيّن أن الإحصاءات الشهرية تشير إلى أنّ وتيرة العودة بقيت مستقرة في الربع الأول من العام الجاري، ثم شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال أشهر أيار/ مايو وحزيران/ يونيو وتموز/ يوليو وآب/ أغسطس، حيث تجاوز عدد العائدين الشهري 100 ألف شخص، قبل أن تتراجع الوتيرة نسبياً مع بداية فصل الخريف بسبب الأحوال الجوية ومواسم المدارس. وتابع: يُظهر المعدل العام أنّ حركة العودة تتجه نحو الاستقرار عند حدود 70 إلى 90 ألف عائد شهرياً، مع توقعات بارتفاعها مجدداً خلال الربع الأول من العام المقبل مع تحسّن الظروف المعيشية والأمنية.
وتحدث علوش عن تسهيلات تقدم للعائدين، قائلا: تُمنح العائلات تسهيلات كاملة على مدار 24 ساعة في جميع المنافذ الحدودية، تشمل الإعفاء من أي رسوم جمركية، أو مالية تتعلق بأمتعتهم الشخصية، والسماح بإدخال الأثاث المنزلي الكامل دون أي رسوم، وتخصيص ممرّات إنسانية خاصة للعائدين مزودة بفرق طبية وإغاثية، وتخصيص حافلات لنقل المسافرين ضمن المعابر الحدودية، وتخصيص ورش عمل لحمل الحقائب والأمتعة عن المسافرين، مع تقديم واجب الضيافة، مشدداً على أنه لا تُفرض على العائدين، أي رسوم أو غرامات، حيث يتم التعامل معهم باعتبارهم مواطنين عائدين إلى وطنهم الأم. وأوضح أنه تتم عمليات العودة ضمن تنسيق مباشر مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. كما تعمل عدة منظمات على تأمين وسائل النقل الداخلي، ولكن ليس في جميع المعابر، بالتعاون مع المحافظات المعنية ومكاتب التنمية المحلية.
تجميد للبلاغات
وأكد مدير العلاقات في المنافذ البرية والبحرية، تقديم التسهيلات كافة للعائدين، الذين لا يحملون وثائق رسمية بسبب التلف أو الضياع، أو لعدم استصدارها لأطفال ولدوا خلال سنوات التهجير. وقال: في هذه الحالات، يتم تشكيل لجنة مشتركة من إدارة المعبر والشؤون المدنية في وزارة الداخلية، تُعنى بتثبيت الهوية الشخصية عبر البيانات المتوفرة في السجل المدني أو الوثائق البديلة، وتُمنح بطاقات مرور مؤقتة للعائلات، التي لا تملك أوراقاً رسمية لحين استكمال الإجراءات داخل سوريا، كما يجري توثيق الأطفال حديثي الولادة فور دخولهم الأراضي السورية. وفي ما يتعلق بمن صدرت بحقهم بلاغات ملاحقة أو مراجعة، أو حجز على أملاكهم، منذ عهد النظام السابق، قال علوش إن «هذه الحالات تُتابع عبر لجنة قانونية خاصة في وزارة العدل، وهي لجنة تمّ تشكيلها عقب سقوط النظام لإعادة النظر في البلاغات والقرارات الصادرة سابقاً، لاسيما ذات الطابع السياسي، أو الانتقامي». وتابع: «يُسمح للعائدين بالدخول إلى البلاد، دون أي إجراء ميداني، مع تجميد البلاغات مؤقتاً لحين مراجعة الجهات المختصة، وقد تمت خلال الأشهر الماضية تسوية أوضاع مئات المواطنين وإلغاء قرارات المنع والمصادرة بحقهم، في إطار النهج القائم على المصالحة الوطنية وطيّ آثار المرحلة السابقة».
منح مالية
لطالما شكل ملف اللاجئين السوريين قضية إشكالية لدى الدول المستضيفة، وتم استغلالها سياسيا بين الأحزاب المتنافسة، وهو الأمر الذي ظهر بقوة في الداخل التركي ووصل ذروته في الانتخابات البلدية الأخيرة. وبالذهنية ذاتها تم استغلال ملف اللاجئين السوريين في العديد من الدول الأوروبية، وفي المقدمة منها ألمانيا، حيث ظهرت حركات مناهضة وعنصرية أحيانا مطالبة بإغلاق باب قبولهم والدفع باتجاه ترحيلهم. ومع سقوط نظام الأسد وتقييم العديد من الدول باعتبار سوريا، أو معظم المدن التي تقع تحت سيطرة الحكومة الانتقالية، بأنها باتت «آمنة»، ويمكن إعادة اللاجئين إليها، ظهر تحرك لتشجيع العودة.
وفي هذا الإطار عمدت دول أوروبية، مثل النمسا وألمانيا والدنمارك وإيطاليا وفرنسا وهولندا وفنلندا والسويد، إلى تجميد القرارات المتعلقة بطلبات اللجوء المقدمة من السوريين، كما بدأت دول بتقديم منح مالية فكان أول المبادرين في هذا الإطار النمسا والدنمارك، وكذلك اتجهت مفوضية اللاجئين أخيراً لاعتماد هذا الأسلوب.
وبعد أقل من أسبوع واحد من رحيل النظام السوري السابق، عرضت النمسا ألف يورو على اللاجئ السوري كـ»مكافأة عودة»، وهو ما يعادل 1160 دولاراً، معتبرةً أن سوريا تحتاج إلى مواطنيها لإعادة بنائها. وإغراء العودة كان أكبر لدى الحكومة الدنماركية التي كثّفت جهودها لإعادة اللاجئين السوريين حيث قدمت 27 ألف يورو لكل شخص بالغ، إضافة إلى 6700 يورو عن كل طفل، مقابل عودتهم إلى سوريا.
وبداية تشرين الثاني/ نوفمبر أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن افتتاح التسجيل عبر مكاتب «منظمة شفق» الناشطة في ريف محافظتي حلب وإدلب، عن بدء استقبال طلبات حجز الدور للحضور والتسجيل على منحة مالية بقيمة 600 دولار مخصصة للعائلات العائدة طوعاً من تركيا إلى سوريا منذ 29 نوفمبر 2024 وحتى تاريخه من دون أن تشمل المنحة العائدين من لبنان أو الأردن أو أي دولة أخرى.
تحديات العودة
وفي دولة دمرتها وأنهكتها آلة حرب النظام الراحل والمعارك على امتداد 14 عاماً، سرعان ما بدأ الأهالي وبإمكاناتهم الذاتية، عملية إعادة البناء انطلاقاً من منازلهم أولاً ثم انتقالاً إلى حارتهم وأحيائهم وبلداتهم، وكان من بين أبرز التحديات عدم مواكبة الإدارات والمؤسسات المحلية أو المركزية، لحركة العودة المتنامية فغابت الإحصائيات الدقيقة واستعيض عنها بالتقديرات، وإن كان حصر أعداد العائدين ممكنة، أو متاحة عبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو عبر الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا، إلا أن هذه الإحصاءات على مستوى المحافظات والإدارات المحلية الأصغر كانت شبه غائبة، فالأرقام بالنسبة لريف العاصمة تتحدث تقديرياً عن مئات الآلاف من العائدين، وقد يكون الرقم قد تجاوز الـ600 ألف عائد، سواء ممن كان يعيش في مخيمات النزوح شمالاً، أو من اللاجئين العائدين من دول الجوار، خصوصا من تركيا ولبنان والأردن.
وحسب مصادر رسمية تحدثت لـ«القدس العربي»، فإن آلاف العائلات التي هجرها النظام المخلوع، بدأت منذ الأيام الأولى لسقوطه، بالعودة إلى منازلها في بلدات ومدن محافظة ريف دمشق، مؤكدة أن العودة ما زالت متواصلة، على الرغم من أن بعض الأسر وجدت منازلها مدمرة، لكنها أصرت على البقاء وإعادة تأهيلها ولو بالحد الأدنى، حتى تستطيع العيش فيها، والإقامة خلال هذه الفترة في منازل أقارب لها أو لأصدقاء من قرى مجاورة أو في خيم وبراكيات مؤقتة. المصادر أكدت أنه لا توجد أرقام دقيقة عن أعداد العائدين لأنه لم يتم بعد إجراء إحصاء لهم، وأوائل العائلات العائدة كانت من الملاحق أبناؤها من النظام المخلوع، نتيجة مواقفها السياسية المعارضة له، وشكّل نموهم السريع ضغطاً على مناحي الحياة كتأمين الدقيق المخصصة لأفران الخبز.
وتحدثت المصادر عن الدمار الذي طال الريف، وبينت أن حجمه يختلف من منطقة إلى أخرى، ووصلت نسبة الدمار في الغوطة الشرقية إلى 25%، في بعض المدن والبلدات، بينما وصلت في منطقة داريا في الغوطة الغربية إلى 50%، وفي بعض أحياء مدينة الحجر الأسود إلى 80%.
العودة القسرية
ومع استمرار تشكيل ملف اللاجئين السوريين عامل ضغط على حكومات الدول المستضيفة لهم، حذرت المفوضية السامية للاجئين في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، من خطورة «العودة القسرية» للاجئين السوريين من عدة دول، بينها ألمانيا، مؤكدةً أن سوريا بلغت حدّها الأقصى في قدرتها على استيعاب العائدين. وقال رئيس بعثة المفوضية في سوريا، غونزالو فارغاس يوسا، في تصريح لصحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية، إن نحو مليون لاجئ سوري عادوا إلى بلادهم هذا العام من الدول المجاورة، مع توقعات بعودة مليون آخرين العام المقبل، محذراً من أن إعادة المزيد من اللاجئين من أوروبا قد تفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية الصعبة أصلاً. وأضاف أن الوضع في سوريا لا يزال غير مستقر، ما يجعل العودة القسرية غير مستدامة في كثير من الأحيان، لافتاً إلى أن عدداً من العائدين يضطرون لمغادرة البلاد مجدداً نحو الأردن ولبنان، أو لخوض رحلات محفوفة بالمخاطر مجدداً باتجاه أوروبا. كما اعتبرت نائبة رئيس بعثة المفوضية السامية للاجئين في سوريا، عسير المضاعين، في مداخلة لقناة «الجزيرة» أن عودة اللاجئين ستكون صعبة في بعض المناطق المتضررة جراء النزاع، نظرا للدمار الكبير ونقص الخدمات الأساسية. وقالت، إن المفوضية لا تشجع على العودة الطوعية للاجئين السوريين، بل تعمل على تسهيلها للراغبين، مشددة على أن «الأعباء والتحديات الميدانية الكبيرة تحول دون إطلاق أي برنامج لتشجيع العودة»، كما أن «العائق الأكبر أمام المفوضية هو غياب الخدمات الأساسية للعائدين».
نزوح جديد
وبالتوازي مع عودة ملايين السوريين إلى منازلهم وبلداتهم خلال العام الماضي، تحدثت مصادر متقاطعة عن عملية نزوح جديدة حصلت خلال الفترة ذاتها داخل البلاد.
وقالت الأمم المتحدة في تقرير لها إن عملية النزوح كانت «بسبب مزيج من العنف الطائفي وأعمال الانتقام والنزاعات على الممتلكات». وذكر تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية نشرته في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر، أنه عندما انتهت الحرب الأهلية السورية بعد 14 عاماً في 2024، بإطاحة المستبد بشار الأسد، ابتهج العديد من السوريين بفرصة العودة أخيراً إلى منازلهم وأراضيهم التي هجروا منها. لكن، وفق الصحيفة، في خضمّ عملية انتقال السلطة الصعبة إلى قيادة جديدة، تشهد البلاد موجات جديدة من النزوح، بسبب أعمال الانتقام، والعنف الطائفي، والنزاعات على الممتلكات التي استمرَّت عقوداً من الزمن، إضافة إلى الاحتلال الإسرائيلي للأراضي في جنوب سوريا. وتابعت: منذ سقوط النظام نزح أكثر من 430 ألف سوري داخل بلدهم وفقاً للأمم المتحدة، ولم تنجُ أي فئة من الطوائف الدينية والعرقية المتنوعة في البلاد من الاضطرابات، التي امتدَّت إلى عدَّة مناطق، وكانت أكبر عمليات النزوح من محافظة السويداء الجنوبية، حيث اندلعت اشتباكات دامية في الصيف الماضي بين الدروز، وهم أقلية دينية تهيمن على السويداء، وجيرانهم البدو. وأوضحت الصحيفة نقلاً عن الأمم المتحدة والشرطة المحلية وجماعات حقوق الإنسان، أنَّ من بين أسباب النزوح الجديدة النزاع على الأراضي، حيث حاول أشخاص استعادة ممتلكات سابقة لهم، وعلى إثرها هرب نهاية آب/أغسطس، مئات العلويين من ضاحية السومرية في دمشق بعد حملات مداهمة.
وقالت إنه وفي محافظة القنيطرة جنوب البلاد، غزت قوات إسرائيلية بلدات سورية بعد أيام من الإطاحة بالنظام ومنذ ذلك الحين، وسعت إسرائيل احتلالها للمنطقة، ودمرت المنازل وشرَّدت المدنيين، ونزحت عشرات العائلات نتيجة لذلك».