
بدا واضحاً منذ دقائق اليوم 12 والأخير (الأحد 8 من كانون الأوّل 2024)، أن المشهد في سوريا يتّجه نحو لحظة تاريخية غير مسبوقة، فإيقاع الأحداث كان أسرع، حدّة الانهيار داخل بنية نظام الأسد كانت أوضح، أمّا صوت المدن السورية وهي تتحرّر كان أعلى من أن يُحجب.
مع دخول ليل هذا اليوم وقبل بزوغ فجره، دخلت “ردع العدوان” ساعاتها الأكثر حسماً منذ انطلاقها، قبل 12 يوماً، كان واضحاً أنّ نظام الأسد يتفكّك ويتحلّل من الداخل، وأنّ العاصمة دمشق، التي شكّلت مركز ثقله الأمني والعسكري منذ نصف قرن، توشك أن تخرج منه ويخرج منها.
ومع حلول الساعة 05:08 فجراً -اللحظة التي وثّقتها منصّات “تلفزيون سوريا” أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” بشكل مؤكّد لا رجعة فيه: “سقوط نظام بشار الأسد” وهروبه من دمشق، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ سوريا.
تفاصيل اليوم الأخير رتّبتها مجريات وأحداث اليوم السابق (السبت 7 من كانون الأول 2024)، وهو “اليوم 11″، الذي لم يكن مجرد حلقة جديدة في مسلسل الانهيارات، بل يوم خرجت فيه حمص من قبضة نظام الأسد، وتحرّرت درعا والقنيطرة والسويداء، على وقع هروب جماعي لـ”قوات الأسد” وحلفائه، واستنفار إقليمي ودولي غير مسبوق استعداداً لـ”سقوط الأسد”.
تحرير حمص وفتح الطريق نحو العاصمة
مع دخول ليل الأحد-الإثنين (7-8 من كانون الأوّل 2024)، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” بدء توغّل قواتها في مدينة حمص وتمشيط أحيائها، بعد انهيار كامل لدفاعات “قوات الأسد” وفرار جماعي لعناصرها باتجاه الساحل السوري (طرطوس واللاذقية).
وخلال التقدم، دخلت فصائل “ردع العدوان” سجن حمص المركزي، وحرّرت أكثر من 3500 معتقل وسجين، قبل أن تُعلن في الواحدة والربع ليلاً، السيطرة على كامل المدينة، وسط احتفالات واسعة في “ساحة الساعة الجديدة”.
وبعد ساعات، أعلنت سيطرتها على مدينة القصير غربي حمص، بعد انسحاب مئات العناصر من ميليشيا “حزب الله”، إلى داخل الأراضي اللبنانية، تقلّهم أكثر من 150 مركبة مدرعة.
وفي ريف حمص الشرقي، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” قطع الطريق الدولي (دمشق-دير الزور)، عقب سيطرتها على منطقة السخنة.
ريف دمشق.. “سقوط سجن صيدنايا”
عند الساعة الرابعة فجراً، وصل آلاف الأهالي إلى “سجن صيدنايا” أحد أعتى سجون الإجرام الأسدي قمعاً وأكثرها تحصيناً، قبل أن تُنشر بعد ذلك بدقائق، تسجيلات تُظهر بدء خروج مئات المعتقلين، في لحظةٍ لم تشهدها سوريا، خلال نصف قرن من حكم “عائلة الأسد”.
هذا الحدث تحديداً -السيطرة على سجن صيدنايا- كان أحد أهم المؤشرات على تلاشي كامل نظام الأسد، وسط انهيار تام لـ”قدرة” قواته العسكرية والأمنية في محيط العاصمة دمشق.
كذلك، أفاد موقع “صوت العاصمة”، حينذاك، بأنّ قيادة سجن عدرا المركزي أطلقت سراح عشرات السجناء بتصرفات فردية ومن دون الرجوع لأحد، وذلك قبل وصول فصائل المعارضة إلى المنطقة، مشيراً إلى تعليمات بإفراغ السجن بعد الانتهاء من عملية الافراج.
العاصمة دمشق.. انسحابات واسعة لـ”قوات الأسد”
شهدت العاصمة دمشق، خلال الساعات التي سبقت لحظة السقوط فجر الأحد، واحدة من أوسع عمليات الانسحاب التي نفّذتها “قوات الأسد” منذ اندلاع الثورة، حيث أخلت تشكيلات عسكرية وأمنية كاملة مواقعها الرئيسية داخل المدينة، في حين ألقى مئات العناصر أسلحتهم في الشوارع.
وبحسب مصادر تلفزيون سوريا، حينذاك، فقد انسحبت جميع وحدات “الحرس الجمهوري وقوات تأمين الرئاسة” من المالكي والمهاجرين ومحيط القصر الجمهوري، بينما تخلّت مجموعات عسكرية عن نقاطها في أحياء “أبو رمانة، المزة، كفرسوسة، القابون، البرامكة”، وسط حالة ارتباك وانعدام تواصل بين الضباط وغرف العمليات.
وأفرغت الأجهزة الأمنية مقارّها في مناطق متفرقة من العاصمة، وجرى نقل بعض الملفات والوثائق بسرعة باتجاه طريق بيروت ومناطق في ريف دمشق الغربي قبل انهيار السيطرة بالكامل، كما أُخليت مباني الأركان والإدارات العسكرية، مع خلو مطار دمشق الدولي بالكامل من الموظفين وقوات الأمن.
هذا الإخلاء والانسحاب الشامل ترك العاصمة دمشق، بلا أي وجود فعلي لـ نظام الأسد وقوّاته، لحظة دخول الفصائل، ما سرّع من تحرير العاصمة وأكّد الانهيار الكامل للنظام.
اللحظة المفصلية.. دخول دمشق و”سقوط الأسد”
عند الساعة 4.45 فجراً، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” بدء دخول قواتها إلى العاصمة دمشق من الجهة الشمالية، بعد سيطرتها على عشرات المدن والبلدات على الطريق الدولي (M5)، أبرزها النبك ودير عطية، بالتزامن مع إعلان “غرفة عمليات الجنوب” دخول قواتها من المحور الجنوبية.
وكشف المقدم حسن عبد الغني -الناطق باسم “إدارة العمليات العسكرية”- عن وجود تنسيق لانشقاقات بين كبار مسؤولي النظام، ما سرّع انهيار الثقة داخل قياداته.
“05:08 – لحظة السقوط الرسمية”
عند الساعة 05:08 فجر الأحد (8 من كانون الأول 2024)، وثّقت منصّات تلفزيون رسمياً، لحظة “سقوط نظام بشار الأسد” وهروبه من العاصمة، التي أصبحت محرّرة بالكامل، في مؤشرٍ على نهاية حقبة امتدت لنحو 54 عاماً.
وعند السادسة وربع، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” تحرير دمشق بالكامل، مؤكّدةً أنّ “دمشق حرة من الطاغية بشار الأسد”، مشيرةً إلى هروبه، ورصدها مكافأة “عشرة مليون دولار” لمن يدلي بمعلومة تساعد في القبض عليه.
كذلك، أصدرت الإدارة بياناً دعت فيه كلّ المهجرين السورين في مختلف أرجاء العالم، قائلةً لهم: “الطاغية بشار الأسد هرب.. سوريا الحرة تنتظركم”، مشيرةً إلى “نهاية الحقبة المظلمة وبداية عهد جديد لـ سوريا”.
المشهد داخل دمشق بعد “سقوط الأسد”
علت مآذن الجوامع بالتكبيرات والتهليلات، واحتشد آلاف السوريين في ساحة الأمويين، بينما توجّه آخرون لإسقاط تماثيل حافظ الأسد، أبرزها تمثال ساحة عرنوس الذي حُطّم وديس بالأقدام.
كان إسقاط التماثيل وتحطيمها، إعلاناً صريحاً عن ولادة سوريا الجديدة “من دون طاغية”، وانتهاء مرحلة “تقديس الفرد”، التي رسّخها نظام الأسد لعقود.
وتزامن ذلك، مع إضرام مجهولين النار في مبنى الهجرة والجوازات بمنطقة الزبلطاني وسط دمشق، حيث أظهرت تسجيلات مصورة حريقاً ضخماً التهم معظم أجزاء المبنى.
وأصدر رئيس الوزراء في “حكومة الأسد” (محمد غازي الجلالي) بياناً مصوّراً قال فيه: “أتمنى أن يسود عهد جديد وسأكون في مجلس الوزراء صباحاً ومستعد لأي إجراء للتسليم”.
وبعد ذلك بنحو ساعة، أصدر أحمد الشرع، بياناً حذّر فيه قوات “إدارة العمليات العسكرية” الاقتراب من المؤسّسات العامة، مؤكّداً بقاءها تحت إشراف “الجلالي” حتى انتقال السلطة رسمياً.
وفي مساء اليوم، وصل أحمد الشرع، إلى الجامع الأموي في دمشق، بعد وقت قصير من دخوله الأوّل للمدينة، عقب إعلان “سقوط نظام الأسد” في سوريا.
“توسيع رقعة السيطرة”
بالتوازي مع لحظة “سقوط الأسد”، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” دخول قواتها إلى مركز محافظتي طرطوس واللاذقية، كما دخلت مدينة جبلة، في مؤشّر على انهيار آخر معاقل نظام الأسد في الساحل السوري.
وواصلت “إدارة العمليات العسكرية” تقدّمها شرقي سوريا، معلنةً السيطرة على دير الزور، بعد استسلام مئات العناصر من “قوات الأسد”.
تزامن ذلك أيضاً، مع سيطرة فصائل “فجر الحرية” على كامل مدينة منبج وعشرات البلدات والقرى جنوبها في ريف حلب الشرقي، عقب معارك مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
بعد “سقوط الأسد”.. غارات إسرائيلية جنوبي سوريا
خلال الساعات الأولى التي تلت “سقوط الأسد”، نفّذت طائرات الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات على “مطار المزة، ثكنات الحرس الجمهوري، لفرقة الرابعة” في ريف دمشق.
كذلك، نفّذت غارات على “تل حمد وتل الثعالب” في ريف درعا، بالتزامن مع توغّل دبابات إسرائيلية داخل الأراضي السورية وصولاً إلى “جسر الرقاد” في ريف القنيطرة، قبل أن يُسيطر لاحقاً على كامل “جبل الشيخ”.
وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد أفاد، قبل يوم من “سقوط الأسد”، بأنّه صدّق على “خطط هجومية ودفاعية” لمواجهة “أي تهديدات محتملة” من سوريا.
وفي اليوم التالي، أعلن جيش الاحتلال انتهاء العمل باتفاق وقف إطلاق النار مع سوريا، الموقّع عام 1974، قائلاً: إنّ “اتفاق فصل القوات بين إسرائيل وسوريا لعام 1974 (قد مات)”.
مواقف إقليمية ودولية بعد “سقوط الأسد”
أفاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنّ “الأسد فرّ بعدما فقد دعم روسيا”، في حين أكّدت “البنتاغون” والبيت الأبيض، أنّ وجود القوات الأميركية شرقي سوريا “لا علاقة له بالجوانب الأخرى للصراع”.
وأشارت إلى أنّ الأولوية الآن “منع عودة تنظيم الدولة (داعش)، ومنع كارثة إنسانية في سوريا”، بالتزامن مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، استهداف أكثر من 75 موقعاً لـ”داعش” وسط سوريا.
البنتاغون: وجودنا شرقي سوريا لا علاقة له بجوانب أخرى للصراع
أمّا المفوضة الأوروبية، فقد وصفت نهاية “الأسد” بأنّها “تطور إيجابي طال انتظاره”، مؤكّدةَ أولوية ضمان الأمن والاستعداد لمرحلة إعادة إعمار معقدة وطويلة.
بالنسبة لـ تركيا، أفاد وزير خارجيتها هاكان فيدان بأنّ “الشعب السوري سيعيد تشكيل مستقبله، وأنّ هناك تعاون مرتقب مع الإدارة الجديدة”، مشيراً إلى أنّ “حقبة عدم الاستقرار انتهت بسقوط نظام الأسد، وأنّه لا معلومات مؤكّدة عن مكان بشار”.
وأفادت إيران -عبر وزير خارجيتها- بأنّ “عجز الجيش السوري وسرعة التطورات كانت مفاجئة”، وأنّ “بشار الأسد كان يستغرب من أداء جيشه وافتقاره للدافع، وأنّه بات أسيراً لحربٍ نفسية”، مشيرةً في الوقت عينه إلى أنّ “إيران وروسيا وتركيا، أصبحت دولاً ضامنة للسلام والهدوء في سوريا”.
أمّا روسيا، فقد أكّدت على استمرار التواصل مع المعارضة السورية ودعم العملية السياسية وفق “القرار 2254″، مع إشارتها إلى إخلاء جزء من عتادها في “قاعدة حميميم”، مؤكّدةً في الوقت عينه، أنّ بشار الأسد وعائلته غادروا سوريا.
غموض حول “مصير الأسد”
تعدّدت الروايات بعد “سقوط النظام” عن مصير المخلوع بشار الأسد، حيث أشارت وكالة “رويترز” إلى أنّه “غادر دمشق إلى وجهةٍ غير معلومة”، وسط أنباء عن احتمال مقتله في تحطّم طائرة شوهدت تتجه نحو الساحل السوري، ثم اختفت عن الرادار.
ولكنّ روسيا حسمت الأمر، في نهاية اليوم، مؤكّدةً أنّه غادر سوريا، قبل أن أن يتبيّن لاحقاً بأنّها هي أيضاً مَن نقلته -وعائلته- عبر طائراتها إلى العاصمة موسكو، معلنةً تقديم اللجوء لهم لـ”دواعٍ إنسانية”.
خاتمة “ردع العدوان”.. 12 يوماً بين “استشهد حمودي وسقط الأسد”
مع حلول مساء (8 من كانون الأوّل 2024)، كانت معركة “ردع العدوان” قد ختمت يومها الـ12 والأخير بإسقاط “نظام الأسد”، الذي حكم البلاد بقبضة أمنية خانقة لنحو 54 عاماً.
تحرّرت سوريا، فُتحت السجون، وانفرط عقد المنظومة الإجرامية التي جثمت على صدور السوريين لأكثر من خمسة عقود، ورغم ضخامة اللحظة، إلّا أنّ الطريق أمام السوريين بدا مليئاً بالتحديات: إدارة المرحلة الانتقالية، تثبيت الأمن، وتحقيق العدالة لضحايا 14 عاماً من الثورة.
لكن ما بدا واضحاً أكثر، أنّ سوريا لم تعد كما كانت قبل “الساعة 05:08” من فجر الأحد (8 من كانون الأوّل 2024)، اللحظة التي انتهت فيها “منظومة الأسد” إلى الأبد، وبدأت قصة جديدة يحكيها الشعب والبلد.
وفي اليوم الأخير، ظلّ صدى اليوم الأوّل يتردّد، ذلك الصوت الذي انتشر مع بدايات “ردع العدوان”، حين قال أحدهم لصديقه بصوتٍ ثابت لا انكسار فيه: “حمودي ابني استشهد أبو زكور، استشهد ع الجبهة الأولى”، كان صوتاً يمثّل الثمن الحقيقي للتحرير، دم دفعه السوريون في طريق الثورة الطويل.
وبعد 12 يوماً ومن شمالي حلب، صرخ شاب بكل ما بقي من هواء في صدره: “يا أهل الحارة.. بشار سقط!”، صرخة شقّت الليل كلّه إلى دمشق، مؤكّدة أنّها الصدى لـ”استشهاد حمودي”، وأنّها النتيجة الطبيعية لكل الذين سالت دماؤهم على هذه الأرض.
وبين هاتين الصرختين، وُلدت سوريا جديدة، تقف للمرة الأولى منذ عقود أمام مرآة لا يخاف الناس النظر إليها، فالبلاد التي خُنقت طويلاً بالدم والدمع والصمت، بدأت تُنطق من جديد وتكتب قصتها بيدها، بلا وصّي وبلا طاغية.. نعم “استشهد حمودي وسقط الأسد”.
طبعاً، طيلة ساعات اليوم الأخير، كانت سوريا كلّها تحتفل بـ”سقوط الأسد”، خرج السوريون إلى الشوارع بلا تنسيق، بلا دعوة، حيث امتلأت الساحات بالأغاني والهتافات، وارتفعت الأعلام، وبقيت المدن تهتف حتى صباح اليوم التالي، كأنّها تخشى أن تستيقظ وتجد أن الأمر كان حلماً، كانت تلك الاحتفالات إعلاناً عملياً لولادة سوريا جديدة “سوريا من دون الأسد”.
المصدر: “تلفزيون سوريا”