اتخذ لبنان أخيرا خطوة في الطريق الصحيح وذلك عبر تعيين شخصية سياسية مستقلّة هي المحامي سيمون كرم على رأس وفده في ما يسمّى آلية “الميكانزم” وهي اللجنة العسكريّة، برئاسة ضابط أميركي. ولدت اللجنة من رحم اتفاق وقف النار الأخير مع إسرائيل في 27 تشرين الثاني – نوفمبر 2024.
لا يمكن الاستخفاف بالخطوة التي اتخذها رئيس الجمهورية جوزف عون في ضوء مشاورات مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي ورئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام. يعني ذلك بكلّ وضوح موافقة ضمنية لـ”حزب الله” على الخطوة نظرا إلى أن رئيس مجلس النواب ما كان ليغطي خطوة رئيس الجمهورية من دون ضوء أخضر من الحزب ذي العلاقة العضوية مع إيران. على الرغم مما يبدو موافقة ضمنية من الحزب على خطوة رئيس الجمهوريّة، ستكشف الأيام الأسابيع المقبلة الموقف الحقيقي لإيران. كان الخطاب الأخير لنعيم قاسم الأمين العام للحزب تعبيرا عن هذه الموافقة الضمنية إذ اكتفى بالحديث عن “سقطة أضافيّة” للحكومة التي على رأسها نواف سلام.
عاجلا أم آجلا، سيظهر هل لبنان قادر على الدفاع عن مصلحته الخروج ومدى تخلّصه من الوصاية الإيرانيّة؟
كان لافتا مسارعة إسرائيل إلى تعيين شخصية مدنية على رأس وفدها. ممثل إسرائيل هو يوري رسنيك مدير السياسة الخارجية في مجلس الأمن القومي. يشير ذلك إلى أن الدولة العبريّة تولي أهمّية خاصة لاجتماعات آلية “الميكانزم”. عبّر عن ذلك رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الذي تحدث عن الجانبين السياسي والاقتصادي في المفاوضات مع لبنان وبعدهما من دون أي إشارة إلى وقف للعمليات العسكريّة في لبنان.
توجد ملاحظات عدّة يبدو مفيدا التوقف عندها في ضوء الخطوة اللبنانية. بين تلك الملاحظات أنّ وقوع الخيار على سيمون كرم لم يكن صدفة وذلك بغض النظر عن الجهة التي دفعت في هذا الاتجاه. هناك على الأقل شخصية لبنانية سياديّة تعرف في الوقت ذاته في السياسة الداخلية وما يدور حول لبنان وما يدورفي هذا العالم. يأتي هذا الخيار في وقت يمكن فيه القول إنّ عدد السياسيين والديبلوماسيين اللبنانيين الذي يعرفون في مثل هذه الأمور قليل جدا، بل يعتبر هؤلاء عملة نادرة في بلد وصل فيه اشخاص من طينة إميل لحود أو ميشال عون إلى موقع رئيس الجمهوريّة!
إضافة إلى ذلك كلّه، يبدو مفيدا الإشارة إلى أنّه سبق لسيمون كرم المشاركة في مفاوضات لبنانيّة إسرائيلية في العامين 1991 و1992 في الفترة القصيرة التي كان فيها سفيرا للبنان في واشنطن. كان عضوا في وفد لبناني فاوض إسرائيل في مرحلة ما بعد مؤتمر مدريد. كان الوفد برئاسة السفير الراحل سهيل شمّاس الذي كان عليه أن يأخذ في الاعتبار وجود لبنان في تلك المرحلة تحت وصاية النظام السوري وضرورة استرضاء دمشق. يشير ذلك إلى أنّها ليست المرة الأولى التي يفاوض سياسيون ودبلوماسيون لبنانيون إسرائيل منذ التوصل إلى اتفاق 17 أيّار في العام 1983. الفارق الأساسي أنّ لبنان يفاوض إسرائيل في أواخر 2025، بينما المنطقة تغيّرت كلّيا بما في ذلك سوريا التي لم تعد جسرا للعبور الإيراني إلى لبنان. أكثر من ذلك، توقف “الهلال الشيعي” في بغداد ولم يعد يربط بين طهران وبيروت، مرورا بدمشق.
من الباكر الحديث عن تطبيع واتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل. كلّ ما هو مطلوب في الوقت الحاضر تأكيد لبنان أن خياره هو السلام وأن هدفه تحقيق الانسحاب الإسرائيلي
الأهمّ أنّ الوصول إلى مفاوضات مع إسرائيل أمر طبيعي وثمرة عملية سياسية كان في صلبها الخطاب الواقعي والمدروس بدقّة الذي القاه رئيس الجمهوريّة، من جنوب لبنان، عشيّة عيد الاستقلال في 22 تشرين الثاني – نوفمبر الماضي.
أورد جوزف عون في ذلك الخطاب خمس نقاط تعتبر خريطة طريق للتوصّل إلى ترسيم للحدود مع إسرائيل وانسحابها من المواقع الخمسة التي ما زالت تحتلّها في جنوب لبنان. تجاوبت إسرائيل، جزئيا، مع طرح لبنان بعدما تأكّدت من جدّية هذا الطرح. وهي جّدية برهن عنها تكليف سيمون كرم المشاركة في اجتماع لجنة “الميكانزم” ورئاسة الجانب اللبناني فيها بحضور المبعوثة الأميركيّة مورغان أورتيغوس وضباط أميركيين وفرنسيين وممثلين للقوة الدولية… إضافة إلى وفد إسرائيلي سياسي وعسكري في آن.
كشفت أوساط سياسية أنّ لبنان يعرض تقسيم الجنوب إلى مربعات عدة على أن يتولى الجيش اللبناني تنظيف المربع تلو الآخر من سلاح “حزب الله”. بعد تنظيف كلّ مربع تتولى عناصر عسكرية من “الميكانزم” ومن القوة الدولية الموجودة في جنوب لبنان (يونيفيل) التحقق من خلو مساحة المربّع من أي سلاح غير سلاح الجيش اللبناني. مع انتهاء التحقّق تبدأ محاولات جدّية لإعادة إعمار المساحة التي خضعت لعملية التنظيف ويحصل الانسحاب الإسرائيلي الموعود به بشكل تدريجي.
من الباكر الحديث عن تطبيع واتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل. كلّ ما هو مطلوب في الوقت الحاضر تأكيد لبنان أن خياره هو السلام وأن هدفه تحقيق الانسحاب الإسرائيلي تمهيدا لمرحلة ينعم فيها الجنوب بالأمن والاستقرار ويعود أهل القرى المدمرة إلى أرضهم تمهيدا لمباشرة جهود إعادة الإعمار وإن بصورة متواضعة.
لا مفرّ من العودة إلى السؤال الأساسي: ماذا تريد “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران؟ هل لا تزال تمتلك في لبنان ما يكفي من النفوذ لعرقلة أيّ مفاوضات جدّية بين لبنان وإسرائيل، مفاوضات تؤدي إلى تفادي حرب جديدة ذات طابع كارثي على البلد كلّه وعلى أبناء الطائفة الشيعية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبيّة لبيروت خصوصا؟
لا تشجّع التصرفات الأخيرة لإيران في العراق على التفاؤل. وضع النفوذ الإيراني في بغداد الحدّ سريعا لمحاولة حكوميّة عراقية لوضع “حزب الله” والحوثيين في قائمة الإرهاب وتجميد الأصول التابعة لهاتين المجموعتين. تراجعت الحكومة العراقيّة، بطريقة مضحكة مبكية، في ما يشبه الاعتذار من الحزب والحوثيين… وإيران!
عاجلا أم آجلا، سيظهر هل لبنان قادر على الدفاع عن مصلحته الخروج ومدى تخلّصه من الوصاية الإيرانيّة؟ معنى ذلك أن يمارس فعلا سياديّا وأن يكون على شاكلة سيمون كرم، ابن الجنوب اللبناني، الذي لم يخف يوما أراءه الصريحة في شأن كلّ ما يتعلّق بالسيادة والاستقلال بعيدا عن التهور والمزايدات…