تكتسب ذكرى “التحرير” في السياق السوري أهمية رمزية وسياسية كبيرة، لكنها تحمل في طياتها بُعدًا يجب إعادة قراءته وتحليله نقديًا لفك شيفرة معناه الحقيقي، بعيدًا عن الرؤى المبسطة أو الخطابات الدعائية. في التداول الشعبي والسياسي، يُختزل مفهوم التحرير غالبًا في مشهد مجرد يرتكز على إسقاط النظام السياسي ونهاية المواجهات المسلحة، وظهور سلطة جديدة أو سيطرة لقوى معينة على الأرض. لكن هذا التصور السطحي يفتقر إلى عمق الفهم السياسي والديموغرافي والاجتماعي الذي تؤسسه تجربة الأزمة السورية متعددة الأبعاد.
في الواقع، لا يمكن حصر التحرير أو اختزاله في لحظة تصنع تغييرًا ميدانيًا أو انكسارًا عسكريًا، بل هو عملية تراكمية طويلة الأمد تمتد إلى ما بعد انتهاء النزاع المسلح. وما يميز التحرير الحقيقي هو البناء السياسي والاجتماعي الذي يؤسس لدولة حديثة تُجسد مبادئ المواطنة والحرية والعدالة، بحيث تُكسر من خلالها دوائر الاستبداد والفساد والتهميش التي سادت لعقود. فالتحرير الحقيقي يشترط إعادة تشكيل الدولة بوصفها كيانًا سياسيًا مؤسسًا على حكم القانون، وعلى نظام تعددي يضمن مشاركة كافة مكونات المجتمع السوري على اختلافها العرقي والديني والطائفي.
علاوة على ذلك، يتطلب التحرير استقرارًا سياسيًا وأمنيًا يشكل أساسًا لبناء مؤسسات الدولة الحديثة، القادرة على توفير الخدمات وتحقيق التنمية، وعلى خلق بيئة سياسية واجتماعية تدفع باتجاه المصالحة الحقيقية والعدالة الانتقالية. وهذا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على إدارة التنوع السوري في إطار وفاق سياسي يجسد الهوية الوطنية الجامعة.
لا يمكن حصر التحرير أو اختزاله في لحظة تصنع تغييرًا ميدانيًا أو انكسارًا عسكريًا، بل هو عملية تراكمية طويلة الأمد تمتد إلى ما بعد انتهاء النزاع المسلح
من هنا، يطرح مفهوم التحرير تحديات شديدة تتجاوز مجرد الساحة العسكرية، لتشمل مشروعات سياسية وثقافية واجتماعية تتطلب حوارًا وطنيًا شاملًا يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويعيد توجيه البوصلة نحو دولة تحرر المواطن، لا تحتكره أو تقيده. لذلك، يتوقف تحقيق التحرير الحقيقي على بناء توافق وطني قادر على مواجهة إرث الاستبداد وفشل الدولة، وعلى تبني مبادرات إصلاح جذرية ترتكز على مبادئ الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان.
بمعنى آخر، غياب هذه الرؤية التراكمية الشاملة يهيئ مجالًا لاستمرار الأزمات وتآكل ما تحقق، بل قد يدفع البلاد نحو إذكاء دوامة العنف والانقسام، ولا سيما في ظل التدخلات الإقليمية والدولية التي تستغل هشاشة البنية السياسية السورية. لذا، فإن “التحرير” الذي لا يترافق مع بناء فعلي ومستدام للدولة المدنية الديمقراطية سيظل مجرد شعارات سياسية تخفي بين طياتها تصورات ضيقة أو مصالح لحظية غير قادرة على خلق السلام الدائم.
في لحظة تحرر سوريا والسوريين من ربقة النظام القديم، يظل السؤال الأكبر المحيّر: هل تحررت سوريا حقًا؟ التحرير ليس حدثًا لحظيًا أو إنجازًا عسكريًا فحسب، بل هو بداية مسار طويل ومركّب لإعادة بناء دولة تستند إلى أسس الحرية الحقيقية والعدالة الاجتماعية والتعددية السياسية التي تحتضن التنوع السوري بكل أبعاده. كما أن تجاوز المرحلة الأولية لسقوط النظام وأشكال السيطرة الفردية إلى بناء مؤسسات دولة ديمقراطية راسخة هو التحدي الجوهري الذي يواجه السوريين اليوم. وهنا ثمة نقاط ست يجب الإضاءة عليها والتعمق في مضامينها:
أولًا: مفهوم التحرير الذي غالبًا ما يُروّج له في اللحظات المفصلية السياسية يحمل مخاطرة تحويله إلى شعار يُغري المجتمع السوري بأنهم قد وصلوا إلى قمة الحرية بمجرد سقوط هيئة حكم معينة. وهذا الوهم خطير، لأنه يُلهي عن تعقيد الانتقال السياسي الحقيقي الذي يتطلب جهودًا شاملة لبناء مؤسسات دولة تلتزم بحقوق الإنسان، وتحترم التنوع الاجتماعي والعرقي، وتعزز حكم القانون كقاطرة للعدالة والاستقرار.
ثانيًا: الحرية الحقيقية في السياق السوري لا تقتصر على الخروج من ظل النظام السياسي الفردي أو الاستبدادي، بل تتطلب تجسيد مفهوم المواطنة التي لا تُميّز بين السوريين على أساس دينهم أو مذهبهم أو إثنيتهم أو مناطقهم الجغرافية. فبناء الدولة الحديثة يعني العمل على تفكيك هيمنة المحاصصة الطائفية أو الجماعية، واستبدالها بنظام سياسي يعمل على فرض قواعد ديمقراطية عامة تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
من الضروري أن تتحول الذكرى إلى نقطة انطلاق نحو مراجعة نقدية وتقييم موضوعي لمسيرة الأزمة السورية ومساعي حلها، حيث يكون التحرير بوصفه مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا مستدامًا هو الهدف الأسمى
ثالثًا: الدولة الحديثة التي يسعى السوريون إليها يجب أن تكون دولة قانون لا دولة أفراد، بمعنى أن القوى السياسية والاقتصادية كافة ملزمة بالعمل ضمن إطار مؤسساتي واضح، يحكمه دستور جامع يشمل الجميع، ويؤسس لحقوق وحريات مكفولة قانونيًا. وبدون مؤسسات قوية ومستقلة، تبقى الدولة هشّة، عرضة للانقلابات والتدخلات والمحاصصات التي تعيد إنتاج الضعف والتمزق.
رابعًا: التعددية السياسية والثقافية ليست خيارًا قابلًا للنقاش في الحالة السورية، بل هي شرط لنجاة الدولة ولتحقيق استقرارها. فالتعددية تسمح للأفراد والجماعات بالتعبير عن هوياتهم ومصالحهم بشكل مشروع داخل نظام سياسي يسمح بالتنافس السلمي والتسويات السياسية. وتقبّل الآخر المختلف لا يعني التنازل عن الهوية، بل تأكيد احترامها ضمن إطار المواطنة المشتركة.
خامسًا: عملية التحرير السياسي العملي تتطلب استراتيجية وطنية واضحة تمر عبر حوار سياسي شامل يربط بين مختلف مكونات المجتمع السوري، بحيث يمكن بلورة توافق على أسس الحكم والضوابط التي تحكم انتقال المؤسسة السياسية من حالة التمزق والصراع إلى حالة الاستقرار والازدهار. وهذا الحوار يتطلب تحكيم العقل والابتعاد عن الخطابات الانفعالية والشعارات التي تفضي إلى تعميق الانقسام والصراع.
سادسًا: بناء دولة حديثة في سوريا لا يغني عن إعادة بناء النسيج الاجتماعي والاقتصادي، بحيث يُؤسس لحقوق اقتصادية واجتماعية متساوية، تُخفّض من نسب الفقر وتوفّر فرص عمل وحياة كريمة. وهذا بدوره يعزز الاستقرار السياسي والاجتماعي. فالدولة ليست فقط كيانات سياسية، بل هي منظومة متكاملة تضم قضايا التنمية والاستثمار في الإنسان.
في ضوء النقاط الست، يتضح أن التحرير الحقيقي في سوريا هو مشروع طويل الأمد يتجاوز مظاهر التغيير السريع إلى ممارسة سياسية وثقافية واقتصادية معقدة تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. وإذا فُهِم التحرير على أنه مجرد سقوط نظام أو انتهاء حرب، فسيكون ذلك بمثابة وهم يُبعد السوريين عن المسار الصحيح نحو بناء وطن شامل ومستقر وعادل يعكس طموحاتهم الكبرى في الحرية والكرامة.
في الختام، من الضروري أن تتحول الذكرى إلى نقطة انطلاق نحو مراجعة نقدية وتقييم موضوعي لمسيرة الأزمة السورية ومساعي حلها، حيث يكون التحرير بوصفه مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا مستدامًا هو الهدف الأسمى، لا مجرد لحظة رمزية تعكس نصرًا عابرًا أو استقرارًا هشًا. وهذا يتطلب مخططات واستراتيجيات متكاملة تربط بين الأمن والاستقرار والتنمية السياسية والاجتماعية، بحيث تتجسد قيمة التحرير في بناء مستقبل متين يقوم على احترام الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية لكل السوريين.