لم تتوقّف الاحتفالات في الجنوب يوماً على الرغم من الأحداث الأمنية التي عصفت به، سواء تلك المرتبطة بـ”حرب الإسناد” أو “حرب أيلول”. صحيح أن وتيرة الأنشطة كانت تتراجع في بعض الفترات، إلا أنها لم تغِب بالكامل، وبقيت مظاهر الحياة حاضرة حتى في أصعب اللحظات.
اليوم، وبعد مرور عام على عودة الجنوبيين إلى أرضهم واستعادة جزء كبير من استقرارهم اليومي، يمكن القول إن الحياة عادت إلى مجراها الطبيعي رغم استمرار بعض الملفات السياسية العالقة، والاعتداءات شبه اليومية التي يشنّها العدو وتهديداته التي تطال مناطق مأهولة.
ومع ذلك، لم تتبدّل طبيعة الجنوبي؛ فهو بطبعه محبّ للحياة، شغوف بالفرح والسهر والاحتفالات. زيّن شوارعه، أضاء شجرته، ويتحضّر للاحتفال بيومي الميلاد المجيد ورأس السنة.
يقول صاحب منتجع شمس الأصيل حسن حطيط عبر موقع “لبنان الكبير” إن: “الجنوب يمرّ بمرحلة بالغة الحساسية على مختلف المستويات، والضائقة الاقتصادية تُلقي بظلالها الثقيلة على جميع القطاعات من دون استثناء”، مشدداً على أن “فريق العمل في المنتجع اعتاد مواجهة الصعوبات بالعمل لا بالاستسلام، وبابتكار الحلول لا التوقّف عند العوائق”.
ويُبيّن حطيط أن الانعكاسات الراهنة طالت حركة المنتجع والسياحة الداخلية، “إذ بات كثيرون يتردّدون في التنقل، فيما تتقلّص القدرة المالية لدى شريحة واسعة من الناس. ومع ذلك، استطاع المنتجع الحفاظ على مستوى الخدمة وجودتها عبر خطوات مدروسة بعناية، ليبقى مكانًا يشعر فيه الزائر بالأمان والطمأنينة، ويستعيد فيه بعض الهدوء بعيدًا عن ضغوط الحياة الخانقة”.
ويلفت حطيط إلى أن: “فترة الأعياد في الجنوب لا تفقد معناها مهما اشتدّت الظروف، بل تصبح حاجة ملحّة للناس الباحثين عن فسحة أمل. ومن هنا، أعدّ المنتجع برنامجًا احتفاليًا يوازن بين متطلبات الفرح وواقع الأزمة. ويتضمّن برنامج عيد الميلاد حفلة مخصّصة للأطفال تعيد إليهم بهجة المناسبة، إلى جانب سهرة فنية للكبار تحافظ على روح العيد. أمّا ليلة رأس السنة، فسيُنظَّم احتفال يستمر حتى ساعات الصباح الأولى، بمشاركة ثلاثة مطربين هم شربل حدّاد، مايا وهبي، وأحمد الجيّاب، وهم الفنانون الذين اعتادوا مرافقة المنتجع أسبوعيًا”.
ويُؤكّد حطيط أن: “خيار الاعتماد عليهم جاء انسجامًا مع الظروف الاقتصادية، إذ لا تسمح المرحلة باستقدام أسماء من الصف الأول نظرًا للكلفة المرتفعة التي يتعذّر تغطيتها”.
ويضيف: “تزايد الاتصالات الواردة للاستفسار عن هذه الحفلات يعكس رغبة واضحة لدى الناس في استعادة الفرح”، مؤكّدًا أن “التفكير بالاستمرار في تنظيم الأنشطة صائب، لأن الجنوب ليس ساحة أزمات فقط، بل أرض حياة وضيافة، والجنوبي يصنع الفرح رغم كل شيء”. ويختم حطيط: “باقون في المنتجع لنؤمّن للزوّار تجربة جميلة وآمنة، لأن الجنوب يحمل روحًا لا تنطفئ مهما اشتدّت العواصف”.
تؤكد متعهّدة الحفلات صباح فيّاض، المعروفة بـ”الصبوحة”، عبر “لبنان الكبير” أن الجنوب لا يفقد نبض الفرح مهما اشتدّت الظروف، فـ”الاحتفالات فيه لا تنطفئ، في المناسبات كما في الأيام العادية”.
وتشير فيّاض إلى أن الجنوب سيحتضن هذا العام سلسلة واسعة من حفلات الميلاد ورأس السنة، يحييها فنانون اعتاد الجنوبيون رؤيتهم في أبرز السهرات، وهم أصحاب أصوات مميّزة وحضور محبّب.
وتكشف أن الحفلات ستقام في كافولينو، لا كوستا، خيال، بلبل، شمس الأصيل، أونيل إيريش بب، وغيرها من الوجهات التي باتت ثابتة على خارطة السهر الجنوبي.
في الجنوب حفلات عامرة لا تنطفئ، وفي الجنوب أيضًا صوت خافت يراقب المشهد بحذر. فثمّة شريحة اعتادت الإيقاع الأمني وتعايشت معه بلا خوف، وثمّة شريحة أخرى لم تألف هذا الواقع بعد، ولا تزال تنتظر لحظة الاستقرار النهائي. وإلى أن تأتي تلك اللحظة، يفضّل البعض ملازمة منازلهم على المجازفة والخروج إلى الحفلات.
هذا الواقع لا يقتصر على أبناء الجنوب فحسب، بل يطال أيضًا الفنانين أنفسهم، ما ينعكس مباشرة على المنتجعات التي تعتمد عليهم لإحياء أمسياتها. وقد ظهر ذلك جليًا في منتجع الريست هاوس، أحد أشهر وجهات السهر في المنطقة، والذي لطالما تميّز بأجوائه المنافسة لأكبر الحفلات في الجنوب.
وتوضح إدارة المنتجع عبر “لبنان الكبير” أن: “كان من المفترض أن نلتقي أمس بشخص معيّن للاتفاق النهائي، لكنه لم يحضر. يبدو أن ظرفًا طارئًا حال دون وصوله إلى الجنوب، وبالتالي لا جديد يُذكر حتى اللحظة. أمّا في العمق، فالعائق الأساس معروف: الوضع العام”.
وتشير إلى أن: “منذ عامين ونحن نعيش الظروف نفسها تقريبًا. ومع ذلك، يحاول المرء أن يبادر، أن يقوم بخطوة تكسر ثقل الأيام، باحثًا عن بصيص أمل أو عن نبض حياة، رغم كل الضغوط المحيطة. وندرك كذلك أن معظم الناس، عندما تُطرح فكرة السهر أو أي نشاط ترفيهي، لا تختار الجنوب أولًا، بل تتوجه نحو بيروت، أو حتى تفكر بالسفر. فالمشهد الجنوبي لا يزال حساسًا، والناس تتشوّق لعودة الحياة، لكن الواقع الأمني يفرض حذره، إذ إن أي تطوّر قد يحدث في لحظة غير متوقعة. هذه الهواجس مجتمعة تشكّل الإطار الذي نعمل ونخطّط ضمنه اليوم”.
لا تزال الأفراح في دياركم عامرة، والجنوب بدوره لا يزال عامرًا بحضور الناس ونبض الحياة، واستمرار الحفلات والسهرات فيه كما في سائر المناطق اللبنانية على الرغم من كل التحديات.