منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 وما تبعها من قمع دموي ممنهج، ظلّ مطلب العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية أحد أبرز تطلعات السوريين. ومع انسداد المسارات الدولية الرسمية بفعل الفيتو الروسي–الصيني في مجلس الأمن، بدا وكأن الإفلات من العقاب هو المصير الحتمي، وأن الزمن يعمل لصالح المجرمين.
غير أن جهود محامين وناشطين سوريات وسوريين، لاسيما في المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، بالتعاون مع منظمات حقوقية في البلدان الأوروبية، نجحوا بفتح ثغرة في هذا الجدار وإطلاق مسار قضائي غير مسبوق منذ العام 2017 عندما أصدرت السلطات القضائية الألمانية مذكرة توقيف بحق اللواء جميل حسن، الرئيس السابق لإدارة المخابرات الجوية، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. بدا الأمر حينها لكثيرين مجرد خطوة رمزية. إلا أن تلك الخطوة كانت في الواقع الشرارة التي أطلقت سلسلة من المحاكمات امتدت من ألمانيا إلى فرنسا وهولندا والسويد والنمسا وبلجيكا والولايات المتحدة. ومع كل جلسة وشهادة وحكم، بدأ يتضح أن هذا المسار ليس ثانوياً ولا رمزياً، بل بدأ يعيد رسم مفهوم العدالة الممكنة بالنسبة للسوريين.
في قاعات المحاكم الأوروبية، جلس ناجون من التعذيب والحصار ليحكوا قصصهم أمام قضاة ومحامين وصحفيين. هذه الشهادات لم تعد مجرد روايات شخصية، بل أصبحت جزءاً من سجلات قضائية رسمية، وأثبتت أن التعذيب والقتل والتجويع كانت سياسة ممنهجة وليست حوادث فردية.
بالنسبة للضحايا، كان ذلك لحظة استعادة للكرامة، ورسالة بأن العالم لم يغضّ الطرف عن معاناتهم. كثيرون منهم قالوا إنهم شعروا للمرة الأولى أن أصواتهم مسموعة، وأن العدالة ليست مجرد شعار سياسي بل مسار فعلي يمكن أن يُغيّر المستقبل. هذه القيمة الرمزية لا تقل أهمية عن الأحكام نفسها، لأنها تُعيد الثقة المفقودة بين الضحايا وفكرة العدالة.
الأحكام التي صدرت في ألمانيا ضد أنور رسلان (15 سنة)، علاء موسى (مؤبد)، موفق الدووا (مؤبد)، وإياد الغريب (4 سنوات)، ومصطفى الداهودي بالسجن 12 سنة، وفي فرنسا صدرت مذكرات توقيف بحق علي مملوك وجميل حسن وعبد السلام محمود. وتوجت مؤخرا بصدور مذكرات توقيف بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر، هذه الأحكام وتلك المذكرات لم تقتصر على رأس النظام النظام السابق بل شملت مسؤولين وضباط كبار، وأطباء وعناصر ميليشيات، ما يعكس شمولية الملاحقات. ومؤخرا وسعت محكمة كوبلنز الألمانية نطاق الجرائم الملاحقة لتشمل جريمة التجويع كجريمة حرب، وهو تطور مهم يفتح الباب لمساءلة مرتكبي جريمة حصار الغوطة وحمص ومخيم اليرموك وغيرها من المناطق. هذه السوابق القانونية تُعطي القضاء السوري المستقبلي قاعدة جاهزة يمكن البناء عليها، بدل البدء من الصفر.
كما أن الأحكام التي صدرت تُظهر أن العدالة لم تقتصر على محاسبة من نفذ تلك الجرائم بل وأيضا من أصدر الأوامر، من الرئيس ومسؤوليه إلى الطبيب الذي شارك في التعذيب والعنصر الذي أطلق النار على المدنيين. هذا يرسّخ مبدأ أن المسؤولية الجنائية فردية، ولا يمكن لأي شخص أن يختبئ خلف ذريعة “تنفيذ الأوامر”.
هذه المحاكمات والأحكام أرسلت رسالة واضحة: زمن الإفلات من العقاب قد انتهى. لم يعد بإمكان رئيس النظام السابق ومسؤوليه وعناصره أو حلفائه الادعاء أن الجرائم كانت “أخطاء فردية” أو “ضرورات أمنية”. الأحكام القضائية الموثقة هي من منعت إعادة دمج النظام السابق سياسياً أو تبييض صفحته دولياً قبل سقوطه الأخير.
هي أيضاً رسالة ردع لمن ما يزال يرتكب الجرائم، العدالة قد تتأخر، لكنها ستصل. وهذا البُعد الردعي مهم جداً في سوريا، حيث كان كثير من السوريين يخشون أن أي حل سياسي قد يُعيد المجرمين إلى السلطة. المحاكمات تقول بوضوح: لا مستقبل لسوريا من دون محاسبة. كل هذه المحاكمات أنتجت أرشيفاً قضائياً لا يُقدّر بثمن. شهادات الضحايا، صور قيصر، الأدلة الرقمية، كلها خضعت للتدقيق القضائي وأصبحت جزءاً من سجلات رسمية. هذا الأرشيف يُحصّن الذاكرة السورية ضد الإنكار والدعاية المضادة.
كما أظهرت المحاكمات كيف يمكن بناء قضايا معقدة عبر التعاون بين المدّعين العامين الأوروبيين والمنظمات الحقوقية السورية والدولية. المحامون السوريون الذين شاركوا في هذه القضايا راكموا خبرة عملية في التحقيق، حماية الشهود، إدارة الأدلة الرقمية. هؤلاء يمكن أن يكونوا نواة لتدريب القضاة والنيابة في سوريا الآن في المستقبل.
وفي المستقبل، يمكن تحويل المحاكمات والأحكام إلى مستودع وطني للعدالة الانتقالية، يُستخدم في المحاكم الوطنية، وفي لجان الحقيقة والمصالحة، وفي المناهج التعليمية والإعلام. بهذه الطريقة، تصبح العدالة ليس فقط محاسبة الماضي، بل أيضاً ضماناً لعدم تكرار الجرائم.
نموذج حماية الشهود في أوروبا (إخفاء الهوية، الدعم النفسي، تأمين الإقامة) يجب أن يُدمج في أي منظومة عدالة انتقالية سورية. كذلك، استخدام الأدلة المفتوحة المصدر (فيديوهات، صور، محتوى رقمي) أثبت فعاليته، ويجب أن يصبح جزءًا من أدوات التحقيق الوطني.
كما أن التعاون بين أجهزة قضائية مختلفة (ألمانيا، السويد، فرنسا، هولندا) يُقدّم نموذجاً عملياً لسوريا حول كيفية بناء شراكات قضائية عابرة للحدود، خاصة أن الجرائم السورية ارتُكبت بمشاركة ميليشيات عابرة للحدود مثل حزب الله وفصائل عراقية وإيرانية.
بالطبع، هذه المحاكمات ليست كاملة. معظم القضايا طالت أفراداً من مستويات متوسطة أو دنيا، في حين أن كبار المسؤولين لم يُحاكموا بعد. الإجراءات القضائية طويلة ومعقدة، وقد تستغرق سنوات قبل صدور الأحكام. والعدالة في المنفى تبقى جزئية، ولا يمكن أن تُعالج كل الجراح السورية.
لكن هذه التحديات لا تُلغي القيمة التأسيسية لهذه المحاكمات، بل تُظهر الحاجة إلى البناء عليها وتوسيع نطاقها. العدالة الحقيقية يجب أن تتحقق داخل سوريا عبر قضاء وطني مستقل، لكن المحاكمات الأوروبية والأميركية تُقدّم نموذجاً عملياً يمكن الاستفادة منه من خلال الإجراءات التالية:
- تشريع جديد: إدراج الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في القانون السوري، وضمان عدم شمولها بالعفو.
- محاكم وطنية متخصصة: إنشاء دوائر قضائية للنظر في الجرائم الدولية، مع قضاة مدرّبين على المعايير العالمية
- حماية الشهود والضحايا: اعتماد برامج دعم نفسي وقانوني، كما جرى في أوروبا.
- أرشفة وطنية: تحويل الأدلة والشهادات إلى مركز وطني للعدالة الانتقالية.
- شراكات دولية: الاستفادة من خبرة الدول التي أجرت المحاكمات لنقل المعرفة والأدلة.
- تثقيف عام: استخدام هذه المحاكمات كسرد قضائي موثّق لتثبيت الذاكرة الجماعية ومنع الإنكار.
- برامج جبر وتعويض: وضع آليات لتعويض الضحايا ماديًا ومعنويًا، وإعادة الاعتبار لهم.
- إصلاح المؤسسات: إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والقضائية على أسس الاستقلالية والنزاهة، مع ضمان الرقابة المدنية.
المحاكمات الأوروبية والأميركية لم تكن مجرد محاسبة أفراد، بل كانت إدانة منهجية للنظام السوري بأكمله، ورسالة واضحة بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى. هذه المحاكمات، التي بدأت قبل سقوط النظام ومازالت مستمرة بعده، تُشكّل اليوم الركيزة الأساسية لبناء العدالة الانتقالية في سوريا. فهي لم تكتفِ بتثبيت المسؤولية الجنائية الفردية، بل ربطت الجرائم بالمنظومة الأمنية والسياسية التي أنتجتها، لتُظهر أن ما جرى لم يكن سلسلة أخطاء، بل سياسة ممنهجة هدفها سحق المجتمع وإخضاعه.
إن القيمة الكبرى لهذه المحاكمات أنها كسرت وهم الحصانة الذي عاش عليه نظام الأسد لعقود، وأثبتت أن القانون الدولي يمكن أن يجد طريقه حتى حين تُغلق أبواب مجلس الأمن. لقد تحولت قاعات المحاكم في برلين وكوبلنز وفراكفورت وفيينا وباريس ولاهاي واستوكهولم وواشنطن إلى ساحات بديلة للعدالة، حيث جلس الضحايا ليواجهوا جلاديهم، وحيث تحولت الشهادات الفردية إلى حقائق قضائية موثقة. هذا الأرشيف سيبقى شاهداً على الجرائم، وسيُشكّل حجر الأساس لأي مسار عدالة داخل سوريا.
لكن الأهم من ذلك أن هذه المحاكمات تُقدّم خريطة طريق عملية للسوريين: كيف يمكن بناء قضاء مستقل، كيف تُدار حماية الشهود، كيف تُستخدم الأدلة الرقمية، وكيف تُصاغ التشريعات لتمنع الإفلات من العقاب. هي ليست مجرد دروس نظرية، بل خبرة عملية متراكمة يمكن أن تُترجم إلى مؤسسات وطنية، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والبيئة الآمنة.
العدالة الانتقالية في سوريا لن تكون سهلة، ولن تُختزل في المحاكمات الجنائية وحدها. هي مسار طويل يجمع بين المحاسبة، الحقيقة، الجبر، والإصلاح المؤسسي. لكن هذه المحاكمات تقول لنا إن البداية ممكنة، وإن العدالة ليست حلمًا بعيدًا بل مسارًا بدأ بالفعل، وإن كان في المنفى.
إنها جسر مزدوج: بين زمن الإفلات من العقاب وزمن المحاسبة، وبين العدالة في المنفى والعدالة الوطنية التي يجب أن تُبنى داخل سوريا. وإذا كان السوريون قد أثبتوا أنهم قادرون على فتح ثغرة في جدار الصمت الدولي، فإنهم قادرون أيضًا على تحويل هذه السوابق إلى منظومة عدالة وطنية تُعيد للضحايا كرامتهم، وتُحصّن المجتمع ضد تكرار الجرائم.
وبذلك، تصبح هذه المحاكمات ليست فقط إدانة للنظام، بل بداية لعدالة سورية جديدة، تُبنى على الحقيقة، وتستند إلى القانون، وتُعيد للضحايا حقهم، وللمجتمع أمله في مستقبل لا مكان فيه للمجرمين.
تلفزيون سوريا
