على إيقاع الاحتفال بمرور سنة على سقوط نظام البعث الأسدي، تواتر القول في الرقابة التي تمارسها وزارة الإعلام في وضح النهار، وسواها في الظل، أو من خلف حجاب.
ففي موقع “ضفة ثالثة” كتب الشاعر والكاتب الفلسطيني راسم المدهون (في 6/12/2025): “سقوط النظام الديكتاتوري هو أيضًا سقوط الرقابة وانطلاق عصر جديد ونهاية الإحباطات، وحتى انتهاء حالة (التحايل) السابقة على الرقابة، والترميز واللجوء إلى لغة درامية مراوغة وغير واضحة ولا مفهومة في أغلب الأحيان”.
وكانت الجزيرة نت قد جمعت قبل ذلك، في 29/11/2025، عددًا من الآراء الهامة والمتناقضة في أمر الرقابة في سورية الجديدة. وتتوزع هذه الآراء بين فئة تعمل في توزيع الكتاب، وأخرى من الكتّاب.
يتحدث صاحب مكتبة النوري العريقة والشهيرة عن زوال القيود الرقابية بشكل لافت بعد سقوط النظام السيء الذكر. ويذهب ممثل دار الفكر العريقة الشهيرة أيضًا إلى أنه “لم يعد هنالك شيء مرتبط بالرقابة والرقيب الحكومي (التقليديين) والأجهزة الأمنية”. أما الشاعر علي سفر، فبعد أن يعدد الأجهزة الرقابية في وزارة الإعلام، والرقابة الدينية الرسمية، والرقابة الأمنية، يقول: “حتى الآن لا يبدو أن ثمة تراجعًا، أو تقدمًا”، ويقول: “الآن الأمور ضبابية، ويبدو أن استكشاف منطق الرقابة يحتاج للتجريب طالما أن الأمور غير منتظمة، بمعنى أننا لا نعرف السياسة التي ستتبعها مديرية الرقابة”. وعلى الرغم من ذلك، يؤكد علي سفر بأنه متفائل.
يذكّرني حديث صاحبي مكتبة النوري، ودار الفكر، بما كان يتردد في (سوق) الكتاب من تهريب الكتب من بيروت، حتى لو كانت ممنوعة رقابيًا، لأن السيارة التي تنقل المهرَّبات من كتب، أو برّادات، أو… كانت مشفوعة بكتاب من وزير الدفاع مصطفى طلاس، وبالتالي كانت السيارة تعبر الحدود معززة مكرمة. والكتب المهرّبة تُباع فقط في المكتبة التي لها صلة وثيقة بطلاس، ولأن (في فمي ماء) لن أسمّي هذه المكتبة الآن.
أما ما بلغته الرقابة خلال السنة الأولى من سورية الجديدة، فلعلّ ما يخصّ كتبي منها أن يكون بيانًا كافيًا. وكان أول ذلك قد أثلج صدري إذ وافقت الرقابة على طباعة رواياتي “جداريات الشام… نمنوما”، و”ليل العالم”، و”تحولات الإنسان الذهبي”. وكانت الرقابة الأسدية قد منعت توزيع الرواية الأولى التي صدرت طبعتها الأولى عام 2014 في الإمارات، ثم منعت توزيع الرواية الثانية التي صدرت طبعتها الأولى عام 2016 في الإمارات أيضًا، ثم منعت توزيع الرواية الثالثة التي صدرت طبعتها الأولى في عمّان عام 2022. لكن فرحتي بالموافقة على طباعة الروايتين في سورية أخيرًا، وبعدما صدرت منهما طبعات أخرى في دبي والقاهرة وإسطنبول، لم تطل، إذ دفعني حُسْن الظن ــ لماذا لا أقول: دفعني الطمع ــ فأسرعتُ بطلب الموافقة على طباعة كتابين آخرين لي، هما: “طغيانياذا: حفريات في التاريخ الثقافي للاستبداد”، و”في التباب ونقضه”. وكان الأول قد صدر في طبعة أولى في الدوحة عام 2018، بينما صدر الثاني في طبعة أولى في القاهرة عام 2020، وقد منعت الرقابة الأسدية توزيع الكتابين في سورية.
لم يطل بي الانتظار قبل أن تفاجئني الرقابة بسماحها بطباعة الكتابين، ولكن (بعد التقيد بالملاحظات)، فما هي هذه الملاحظات، وبالتالي ما هو هذا السماح؟
“في التباب ونقضه”
قدمتُ للرقابة صورة عن الكتاب المطبوع. وفي فقرة (علمي هويتي)، وصفٌ مشفوع بالصور الملونة لاثني عشر علمًا، هي ما عرفتْ سورية من الأعلام منذ 27/9/1917 عندما حلّ في دمشق محلّ العلم العثماني علمُ الحكومة العربية في عهد الأمير/ الملك فيصل، والمعروف بعلم الثورة العربية الكبرى. وقد فاتني في هذه الفقرة أن أضيف العلم 13 الذي رفعته الثورة عام 2011، وصار العلم الرسمي بعد إسقاط النظام البعثي الأسدي في 8/12/2024، وهو نفسه، كما وضحتُ في هذه الفقرة، العلم السوري منذ 1932 حتى الاستقلال والجلاء 1946، ثم صار علم الجمهورية السورية حتى الوحدة السورية المصرية، ومن بعدها في ما عُرف بالانفصال (1961 ــ 1963).
طلب الرقيب الذي لم أتبين اسمه في الحقل المخصص له أن أضيف العلم رقم 13، فوجب عليّ شكره على هذا التصحيح. كما وجب عليّ شكره على تصحيح آخر يتعلق بفترة حكم حزب البعث في سورية، إذ كتبتُ “منذ خمس وخمسين سنة”، أي سنة 2018، سنة كتابة هذا الشطر من كتابي، فتم التصحيح على هذا النحو: “الذي حكم في سورية منذ 8/3/1963 حتى فجر 8/12/2024”. ومن بعد توالت ما سماها الرقيب (ملاحظات) لا بد من التقيد بها كي يصحّ السماح بالطباعة:
1 ــ طلب الرقيب حرفيًا: “حذف الجملة المشار إليها في الصفحة 13، وتشير لدور تركيا السلبي في إدخال الإسلاميين الجهاديين للقتال في سورية، ثم احتلال تركيا للشمال السوري، وهذا لا يتناسب مع السياسة الحالية للحكومة السورية”.
أما السياق فهو قولي إن الهوية/ الهويات المضطربة في سورية منذ الإعلان القانوني عن الدولة السورية قد ازدادت اضطرابًا منذ 2011 مما عبرت عنه مخيمات اللاجئين السوريين، على الحدود وفي السوار الحدودي التركي من جهة، والتدخل التركي في الزلزال السوري. وهنا أنقل حرفيًا المطلوب حذفه: “ابتداءً من فتح الحدود أمام الإسلاميين القادمين من شتى البلدان للجهاد في سورية، إلى الاحتلال السافر”.
أليس للمرء أن يتساءل، إذًا، عما إن كان الإسلاميون الجهاديون الذين قدموا من تونس، أو مصر، أو ليبيا، أو الصين، أو… قد نزلوا بالمظلات في الرقة مثلًا؟ وهل يعني الرقيب هنا أن المسموح بنشره هو فقط “ما يتناسب مع السياسة الحالية للحكومة السورية”؟
2 ــ في الملاحظة الخامسة كتب الرقيب: “أقترح حذف الفقرة الرابعة ص 35، وهي عبارة عن تحليل لرواية “عين الشرق” لإبراهيم الجبين، والتي تعد رواية مثيرة للفتن ومليئة بالتحريض الطائفي والإساءات الضمنية والتشويه لمذهب الطائفة العلوية، لأن كاتبها يصر على التعميم، وخصوصًا أن الفكرة التي يريد الكاتب إيصالها للقارئ، وهي فكرة (تأليه الديكتاتور) قد شرحت بما يكفي من خلال الفقرات السابقة واللاحقة. تنويه: هذه الفقرة تسيء لذكر الإمام علي بن أبي طالب، وتذكر أن ابن تيمية “قام بالدعوة في فتاويه لقطع رؤوس العلويين لأنهم كفاّر”.
لنلاحظْ هنا أن كتابة الرقيب تخلو من علامات الترقيم (!). ولعل للمرء أن يقدّر أن الرقيب سيمنع نشر أو توزيع رواية “عين الشرق” لو حاولتْ أن تعود من المنفى إلى الوطن.
3 ــ تطلب الملاحظة السادسة حذف كلمة (النصرة)، ويعلل الرقيب طلبه بأنه تمّت تسوية (النصرة) بتنظيم داعش الإرهابي. وتطلب الملاحظة الثامنة حذف جملة بدعوى أنها “تتهم جبهة النصرة بأنها ذراع لتنظيم القاعدة الإرهابي في سورية”.
أما الأصل في ما كتبت فهو: “مبكرًا أخذ صوت الأسلمة والطائفية يعلو مشتبكًا مع صوت المظاهرات السلمية، ومع العسكرة بوجهيها الحاكم والمعارض”. وهنا تأتي الجملة المطلوب حذفها: “قبل أن تختم جبهة (النصرة) سنة 2011 بحضورها المدوي كذراع سورية للقاعدة”. والحديث، إذًا، هو عن نهاية عام 2011، والإعلان عن (جبهة النصرة لأهل الشام)، وليس عن التطورات المعروفة لهذه الجبهة في ما بعد. وهنا يلحّ السؤال عما إذا كان الرقيب مصححًا للأخطاء التاريخية ومدققًا في المعلومات، أم ماذا؟
4 ــ وهذا السؤال نفسه يلحّ عندما يأتي ذكر الإخوان المسلمين. ففي الملاحظة العاشرة يطلب الرقيب حذف الفقرة التالية: “كما أن الإرهاب المتلفع بالإسلام يتفاقم، وفي صميمه الإخوان المسلمون، بماضيهم وحاضرهم، بالمعتدل منهم وبالمتطرف، مثلهم مثل أصنائهم من مختلف المذاهب أو الأديان: تعددت الأسماء والأسباب والموت واحد”.
وقبل ذلك، طلب الرقيب في الملاحظة التاسعة حذف فقرة. وقبل أن أنقل هذه الفقرة، أذكر ــ للأهمية ــ ما سبقها، وهو أن مصطفى السباعي (1915 ــ 1964) المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية، والمعروف باعتداله، هو من قال “إذا عهدنا إلى إسقاط شخص عملنا معه ما لا يستطيع الموساد أن يعمله”. وقد كتبت عقب هذا القول المتداول والمنسوب للسباعي الفقرة المطلوب حذفها: “فإن كان الموساد يخطف ويعذب ويقتل و… فما الذي يعجز عنه، بينما الإخواني المعتدل قادر عليه؟ وما هو الإرهاب إن لم يكن كذلك؟ وهل يكون حديث الاعتدال الإخواني، والاعتدال في الإسلام السياسي، إذن، هو حديث الإرهاب؟”.
لقد رأى الرقيب أن هذه الفقرة تسيء “بشكل كبير لحزب الإخوان المسلمين”، فهل ملاحظته هذه، وما سبقها من ملاحظاته المتعلقة بالإخوان المسلمين والمتعلقة بجبهة النصرة، هي تصحيح وتدقيق، أم هي حماسة في الدفاع، وتحيّز سياسي، وتكميم ــ بالتالي ــ لأي انتقاد، أو رأي يخالفه؟ هل مهمة الرقابة ما زالت تكريس وجهة نظر محددة بعينها؟ وهل الرقابة هي المنوط بها تكريس وجهة النظر الرسمية للحكومة، كما سبق للرقيب أن ذكر، وليس وجهة النظر الرسمية للدولة؟ أم إن الدولة والحكومة واحد؟
5 ــ تطلب الملاحظة الأخيرة (الحادية عشرة) حذف فقرة يرى الرقيب أنها “تروّج أن الحكومة العثمانية هيأت لعساكرها أماكن لممارسة الدعارة بدعم فتوى شيخ الإسلام أبو حنيفة!! كما تسيء الفقرة نفسها للجالية اليهودية وتصفها بأنها تعد البغاء تجارة مشروعة”.
ينتزع الرقيب هذه الفقرة من سياقها. والسياق هو عرض لكتاب (بيوت الخفاء في حلب الشهباء خلال القرن العشرين: خزائن لم تفتح) لصاحبه إياد جميل محفوظ. وقد صدر هذا الكتاب عام 2017، ونقلتُ عنه ما ذكر من أنه وقع على اليسير المحدود عن دور البغاء في حلب في المراجع التالية:
1 ــ “إعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء” ــ تأليف الشيخ محمد راغب الطباخ.
2 ــ “نهر الذهب في تاريخ حلب” ــ تأليف الشيخ كامل الغزي.
3 ــ “بحسيتا… حكاية بيوت المتعة في حلب” ــ تأليف علاء الدين السيد.
ويذكر إياد جميل محفوظ أن محدودية المصادر دفعته لأن يتقفى الروايات الشفاهية والتجارب الشخصية عبر ذاكرة أصدقاء وأطباء ورجال دولة متقاعدين، و…، وأنه غربل هذا المصدر الشفاهي، وأخضعه لتقاطعات كما يليق بالبحث العلمي. وأما الفقرة التي يطلب الرقيب حذفها فهي:
“في عام 1900، وعندما كان عدد سكان حلب مائة ألف، فتحت الحكومة العثمانية أكثر من مائتي بيتًا حملت اسم (المنزول) ــ عدا عن مئات البيوت غير المرخّصة ــ لممارسة الدعارة المنظمة، وذلك لتوفير الخدمة الجنسية للعسكر، وبموافقة وإفتاء شيخ الإسلام أبو حنيفة، بدعوى درء الحد عن واطئ المستأجرة، وذلك كما ينقل محفوظ عن الشيخ كامل الغزي. وبعدما كانت (بيوت الفحش) سرية في منطقة (كرم الكسمة) المجاورة لقشلة الترك ــ وهي ثكنة هنانو اليوم ــ صارت علنية في داخل السور، في (بحسيتا). ويعلل محفوظ اختيار هذا الحي (العريق الآهل) بوجود غالبية من الطائفة اليهودية فيه، والتي تعد البغاء تجارة مشروعة. ويضيف المؤلف أن تلك سمة الجاليات اليهودية في العالم (؟)”.
ألا يكون الرقيب، بطلبه حذف هذه الفقرة، قد نصّب نفسه محاميًا عن الحكومة العثمانية، متجاهلًا البحث العلمي لصاحب كتاب “بيوت الخفاء…” ومصادره العلمية؟
خاتمة
يبدو أن حكايتي مع الرقابة متواصلة منذ عام 1972، عندما منعت الرقابة طباعة روايتي “السجن”، فنشرتها في بيروت، وعادت الرقابة فسمحت بطباعتها بعد أكثر من عقد. وقد تحدثت من قبل عن منع رقابة النظام البعثي الأسدي لتوزيع رواياتي التي طبعت في الخارج (جرماتي ــ المسلّة ــ جداريات الشام ــ ليل العالم ــ تاريخ العيون المطفأة ــ تحولات الإنسان الذهبي)، وعن منع كتاب “في التباب ونقضه”، وكتاب “طغيانياذا: حفريات في التاريخ الثقافي للاستبداد”. ومع كل منع، كما اليوم، أستحضر تجربة الكتّاب الديمقراطيين الروس مع الرقابة في أواخر القرن التاسع عشر، حيث كان بينهم من ينفذ طلب الرقيب بحذف جملة، أو سطور، أو كلمة، ويعلل الكاتب استجابته (رضوخه) للرقيب بتفضيله أن يصدر الكتاب بعد الحذف الذي لا يقوّضه، على ألّا يصدر البتة. وفي التعليل، أيضًا، أن عمر الكتاب أطول من عمر الرقيب والرقابة، وسيأتي يوم يصدر فيه الكتاب كاملًا بلا حذف.
هكذا سوف أستجيب (أرضخ) لملاحظات الرقيب، وأحذف ما طلب حذفه، حرصًا على صدور طبعة من الكتاب في سورية الجديدة، سورية غير الأسدية، سورية التي آمل أن تلغى فيها الرقابة نهائيًا. ولست أدري كيف يستقيم أن يطلب الرقيب مني ما طلب، أو أن يطلب رقيب آخر ــ وربما الرقيب نفسه ــ من خليل صويلح حذفًا وتعديلًا لروايته “جنة البرابرة”، بينما يصدر في دمشق مثلًا ملحق العربي الجديد الأسبوعي، وفيه غالبًا نقود عميقة ودقيقة وموجعة للحكومة التي لم يكتف الرقيب بالدفاع عنها، أو عن تركيا، أو عن العثمانية، أو عن الإخوان المسلمين، بل صحّح لي كلمة صحيحة هي كلمة (مأسسة)، فأخطأ إذ طلب أن تُكتب (مؤسسة)، فماذا نقول للفعل (مأسس)، وللمصدر (مأسسة)؟ أما حديث صديقي راسم المدهون: “سقوط النظام الديكتاتوري هو أيضًا سقوط الرقابة” فليته يصحّ، بينما واقع الحال ما زال يضيق بالرقابة القديمة في سورية الجديدة.
ضفة ثالثة