رحّب السوريون بحرارة بالتصويت على إلغاء القانون الأمريكي، الذي أُطلق عليه الاسم الرمزي» قانون قيصر» في الأسبوع الماضي، والصادر في عام 2019، في ذروة أزمة النظام وبداية نهايته، التي كان لذلك القانون دور مهم فيها. إلغاء القانون لا يحرّر أيدي السلطة المؤقّتة الجديدة من قيوده ويساعدها على عملية الخروج من الحفرة العميقة، التي ترك نظام الأسد سوريا فيها وحسب، بل سيساعد أيضاً على تحسين الظروف المعيشية الخانقة، التي يمرّ بها السوريون.
فقد فقدت سوريا ثلثي ناتجها الوطني بعد عام 2010، وخسرت الليرة السورية حتى وصل الدولار إلى ما يقارب 300 ضعف من قيمته خلال الفترة ذاتها، كما وصلت أعداد المواطنين تحت خط الفقر إلى أكثر من 90% من مجمل عديد الشعب، منهم 25% في حالة العوز والعجز الشديد. وحين عاد قسم من النازحين واللاجئين إلى قراهم وأحيائهم، لم يجدوا إلّا الركام مكان بيوتهم، فأعادوا نصب الخيام بقربه بانتظار ترميم شيء ممّا كان.
بالطبع حصل بعض التحسّن من حيث توفّر المواد التموينية والغاز والكهرباء، ومن حيث الدخل والتقاعد، بمساعدة مباشرة من قطر والسعودية وتركيا خصوصاً، ولكنّ ذلك ما زال بعيداً عن ما كان الوضع سابقاً، فكيف به عن ما ينبغي أن يكون.
وقد تمّ إلغاء قانون قيصر في صلب قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، وجاء على أربع فقرات فقط، ثلاثٍ منها تكاد تكون من جملة واحدة، والفقرة (ب) الأساسية التي احتلّت معظم جسم القرار، نصّت على وجوب تقديم الرئيس الأمريكي لتقرير أولي بعد 90 يوماً، ثمّ تقرير دوري كلّ 180 يوماً، لمدة أربع سنوات، ربّما كانت تتوافق مع عمر الحكومة الانتقالية كما حدّده «الإعلان الدستوري» الذي أصدره الشرع، بما صدر من تحفّظات واعتراضات عليه.
جاءت الفقرة (ب) لتذكر ما يحتويه ذلك التقرير، ويلتزم بتقديمه الرئيس، وعدّدت نقاطاً تسعاً، على الحكومة السورية الالتزام بها حتى يرى الكونغرس الإجراء المناسب، منها ما يتعلّق بالقضاء على «داعش» و»القاعدة» بالشراكة مع الولايات المتحدة، وبعزل المقاتلين الأجانب من المناصب العليا، وبمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، وبتصنيع المخدّرات وتوزيعها. إلّا أن الفقرات الأكثر أهمّية هي الأرقام (3) و(4) و(5) و(7)، وأهمّيتها تلك، لا تنبع إلّا من كونها أساساً موضوعياً بين شروط الاتّجاه الذي ستسير فيه البلاد.
تنص تلك الموادّ على التزام الحكومة السورية «بحقوق الأقليات الدينية والعرقية في سوريا، بما في ذلك ما يتعلق بحرية العبادة والمعتقد، وتسمح بتمثيل عادل ومنصف في الحكومة، بما في ذلك الوزارات والبرلمان (الفقرة 3)» وعلى أنه «يُلاحق قضائيًا وبشكل نشيط أولئك الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دوليا منذ 8 ديسمبر 2024، بمن فيهم المسؤولون عن مذبحة الأقليات الدينية (الفقرة 7)»، وعلى أنه « لا تتخذ أي إجراءات عسكرية أحادية الجانب وغير مبررة ضد جيرانها، بما في ذلك دولة إسرائيل، وتواصل إحراز تقدم نحو اتفاقيات أمنية دولية، حسب الاقتضاء (الفقرة 4)، وكذلك «تُتخذ خطوات ملموسة وذات مصداقية لتنفيذ اتفاقية 10 مارس 2025، كما تم التفاوض عليها بين حكومة سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، بما في ذلك تدابير اندماج قوات الأمن والتمثيل السياسي بشكلٍ متناسب بالحجم والمستوى (الفقرة 5)».
ينبغي الإضاءة على السبب الذي من أجله تشكّل الفقرات المذكورة أساساً موضوعياً للاتّجاه، الذي ستسير عليه البلاد، بغضّ النظر عن تلبيتها الضرورية للشروط الأمريكية التي ستكرّر التفتيش عن حالتها مراراً. ذلك يتعلّق بالطرف الآخر، لكن هناك ظروفاً موضوعية تبعث على الالتزام بتلك الشروط، بل وتعميقها حتى أسسها.
لن تستقيم حالة البلاد وتستقرّ على مسار صحّي إلّا مع إعادة البناء التي تحتاج أعمالها إلى حالة من سيادة القانون لا لبس فيها والتزام بحماية حقوق الإنسان
لن تستقيم حالة البلاد وتستقرّ على مسار صحّي إلّا مع إعادة البناء التي تحتاج أعمالها إلى حالة من سيادة القانون لا لبس فيها والتزام بحماية حقوق الإنسان، حتى تشعر الأطراف التي ستنجز تلك العملية بالأمان والحماية، وحتى تُحاصر مزارع الفساد التي يمكن أن تزدهر.. وقد بدأت. ذلك بدوره غير ممكن إلّا في حالة طمأنينة الناس إلى حكومتهم، ومشاركتهم فيها من خلال جوهر القرار 2254، وتمكين القضاء الوضعي المدني والجزائي من العمل باستقلال كافٍ. قد يكون ذلك وغيره في إطار «إعادة بناء» الدولة ذاتها. لكنّ ذلك يحتاج أيضاً إلى حلّ مشكلة الأمن والتعايش، من خلال حماية الأقليات والدخول في مسار يجعلها تشعر بالمشاركة في دولتها، وتطبيق العدالة الانتقالية بشكل مؤسساتي وحديث معروف الأسس، ليشمل جرائم النظام السابق، والانتهاكات الخطيرة التي حدثت بعد انهياره. وكلّ ما ورد في النقاط المذكورة أعلاه يمكن أن يكون من بين عوامل الضغط السياسي على السلطة المؤقّتة في الزمن المقبل. ولعلّ مسألة الأقلّيات من أخطرها، بعد ما مرّ بالبلاد من أزمات دامية تخصّ الأقلّيتين الدينيتين من الدروز والعلويين.
فلا تزال القضية الدرزية حية وساخنة جداً، من خلال ارتفاع الحالة الصدامية مع قوى على الأرض، مسلحة ودينية واجتماعية، اندفعت باتجاه الحدود القصوى تحت تأثير بشاعة المجزرة التي ارتُكبت في الماضي، وقطعت الحدود أيضاً عندما دخل عاملان من الجهة الإسرائيلية: دروز إسرائيل، وحكومتها اليمينية المتطرّف صاحبة المصلحة، ليس بأصوات الدروز بمقدار ما بإضعاف سوريا، أو المساعدة على تفتيتها، أو تقسيمها لو أمكن ذلك.
كما أن مسألة العلويين، الذين ذهبت روح الانتقام والثأر- والتطرّف الديني- حد تنفيذ مجزرة أيضاً بحقهم، من قبل أطراف وأفراد محسوبين أو قريبين من السلطة بغضّ النظر عن تحليل المسؤولية من كونها مباشرة أو غير مباشرة. ولطالما كانت تلك الشريحة غير القليلة من الشعب السوري فريسة للقلق الأقلّوي حتى عندما كان منها – طائفياً ونظرياً على الأقل- حاكم البلاد وسلطانها، فكيف وقد أصبحت مكشوفة أمام الغضب والروح الانتقامية من أولياء دم ضحايا الأسد ذوي الأعداد الهائلة، وقسم منهم تداخله نوازع تكفيرية أيضاً، وبالتكفير يستوي العلويون مع الدروز أيضاً. وتبقى القضية الكردية يتراوح وجودها بين الطاولة والميدان، من دون تقدّم واضح منذ توقيع اتفاق العاشر من مارس، رغم عدة محادثات واعدة تحوّلت إلى حالة صمت وانتظار لتغيير ما في الظروف المحيطة وعواملها الخارجية على الأقل. في حين لا يبدو على الحكومة الانتقالية أنّها نظرت في الرسالة الواضحة بين سطور الفقرة (ب ـ 5) عند النصّ على إعطاء تفسير لجدول أعمال التفاوض على نَسَق يربط الاندماج الأمني والتمثيل السياسي بصفة التناسب، ولكن بلفظ محدد يقول إن هذا التناسب يتعلّق بالحجم والمستوى، وهو تعبير يدعم الطرفين، لكنه أقرب إلى التفسير الكردي للاتفاق.
ذلك كلّه جزء من مشكلة لا تبدو السلطة على استعدادٍ كافٍ لمواجهتها، وهي ما زالت للأسف بعيدة عن مشاركة الآخرين بتحمّل المسؤوليات، وتتحمّل وحدها إرثاً متراكماً من الخلل والفوضى، مع آنّها تحقّق نجاحاً خارجياً لافتاً، وبعض الخطى الأوّلية باتّجاه حلحلة الوضع الاقتصادي والمعيشي، خصوصاً الآن مع إلغاء قانون قيصر، وهو من أسباب حالة الضغط والضيق الواضحة. رغم ذلك يبقى جوهر الخلل موضوعيّاً وبنيوياً، ويحتاج إلى جهود جبّارة.
ربّما تحتاج تطبيقات الإلغاء إلى ثلاثة أشهر حتّى تبدأ مفاعيلها بالظهور، تُضاف أيضاً إلى الوقت المتاح لإعادة النظر وتصحيح السياسات، ضمن إطار ما تتيحه القوى الخارجية من تحديد للبرامج، كما ورد في جسم الفقرة (ب) من قرار الإلغاء، وكان بين توجّهات القوى الإقليمية والدولية، ويحتاجه الشعب السوري المُنهك.
كاتب سوري
القدس العربي