محمود عبد الغني…ضفة ثالثة
قبل سنوات قرأت للروائي العراقي علي بدر رواية “الركض وراء الذئاب” (2007)، ولا شكّ في أن كل قارئ أنهى رواية من هذا القبيل يصوغ أسئلة صغيرة، ومعتادة، حول الأسلوب الفني والموضوعة المركزية. إنها رواية متوسطة الحجم (172 صفحة)، لكنها أكبر من ذلك بكثير، لأن دلالاتها تفيض عن صفحاتها وفصولها، لأن أسلوبها وتشويقها جعلها تُصاغ على شكل رواية قصيرة بشِعرية تؤطّر أسئلة نوعية.
لماذا أذكر “الركض وراء الذئاب” وأنا بصدد الكتابة عن كتاب “ما لا يعرفه ماركيز عن السيد غابو: أخبار تذاع لأول مرة” (دار ألكا، سلسلة قصص دار تيفولي)؟ إن الكتابين يرتبطان ويتشابكان على أكثر من صعيد. ففي هذه الرواية البديعة بدأ علي بدر تجريب حظه مع أسلوب/ أساليب الكتابة التوثيقية (لا علاقة لذلك بالكتابة التقريرية كما هي معروفة في البلاغة، التي من أبرز خصائصها:
1- الكتابة بأسلوب مباشر يهدف إلى إيصال معلومة بوضوح تام.
2- الاعتماد على الجمل الخبرية التي تحتمل الصدق والكذب (وإن كانت تهدف للصواب).
3- توظيف الحجاج، الذي هو استخدام للبراهين والأدلة لإقناع المتلقي).
إن علي بدر في روايته يصرّح على لسان السارد بأن وكالة الصحافة الأجنبية “إم بي سي” هي التي أوفدته بمهمة سريعة إلى أديس أبابا من أجل كتابة تقرير صحافي مفصّل، مزودًا بالصور والوثائق، عن مجموعة من الثوار العراقيين الماركسيين، كانوا قد غادروا بغداد للالتحاق بالثورة العالمية ضدّ المصالح الغربية والشركات الكُبرى التي اجتاحت ذلك الوقت آسيا وأفريقيا. هكذا، من هذه الجمل الأولى القصيرة والدقيقة، انطلقت الرواية، كما تنطلق جلّ روايات غابرييل غ. ماركيز من جمل بصرية أولى نحو أفق روائي مغاير ومدهش.
“كان يسمي زوجته التمساح المقدّس، ويقول عنها حاميته، فهو يسير مطمئنًّا ‘طالما الأسد إلى جواري‘ و‘لو لم تكن إلى جواري لضعتُ‘” (Getty)
لننتقل الآن إلى كتابنا “ما لا يعرفه ماركيز عن السيد غابو”، لكن من دون أن تغفل ذاكرتنا ولو لحظة واحدة عن المشاهد الافتتاحية التي نقلها غ. غ. ماركيز في استهلالات رواياته، شريطة أن نكون من قرائه المدمنين والمعجبين بأسلوبه الروائي (لكن، للأسف، يبدو أن الكل يتحدث ويسمع عنه ولا أحد قرأه كما يجب). لنقرأ الجمل الاستهلالية في الكتاب: “كنت في هافانا حين اتخذت قراري في الذهاب إلى مكسيكو سيتي حيث كان ماركيز يعيش منذ عام 1970. ليس لديّ سوى طريق واحد، رحلة عبر البحر تستغرق أحد عشر يومًا، من هافانا إلى مكسيكو سيتي” (ما لا يعرفه ماركيز عن السيد غابو، ص. 9). وهنا يثبت مرة أخرى علي بدر عن مرجعية ماركيز في الكتابة، والتي صرّح بها في روايته “مذكرات عاهراتي الحزينات” حيث يقول: “اكتشفت أن هوسي بوجود كل شيء في المكان المناسب، وكل موضوع في الوقت المناسب، وكل كلمة بالأسلوب الصحيح، لم يكن المكافأة المستحقة لعقل منظّم ولكن العكس تمامًا”. علي بدر، مثل كاتبه المفضّل غ. غ. ماركيز، يجد المكافأة المناسبة لعقله هو خرق النظام، واختراق المكان والزمان. طارد الموضوع حيث ارتحل وتوارى، وستجده ويصبح ملكك وحدك. ولعل المؤلف العاقل لا يؤلف إلا ضمن هذه الخطة. لكن لنضع الاسمين المستعملين في العنوان كل في مكانه ومجاله. مجال غابرييل هو الإبداع الأدبي، ومجال غابو هو الحياة. غابرييل غارسيا ماركيز هو رواياته وقصصه القصيرة ومحاضراته الجامعية وحواراته التي فاقت التصور ولو أردنا تعدادها لأصيب العادّ بالحيرة. هو صورته وأثره في أذهان قرائه، ومنهم الكتاب والروائيون، يذكر منهم علي بدر في كتابه توني موريسون، جون إيرفينغ، جونو دياز، سلمان رشدي. ومن رجال السياسة العاملين وردت أسماء عديدة أهمها: كاسترو، أوباما وبيل كلينتون. غير أنه لا يعتقد القارئ أن اقتفاء الأثر هذا هو من أجل معرفة أيضًا الأسباب الأدبية والسياسية والتاريخية التي جعلت من غابرييل غارسيا ماركيز كاتبًا بهذه الشهرة الفريدة، وكيف أحرزت رواياته، في مقدمتها “مائة عام من العزلة”، هذه الشهرة المنقطعة النظير؟ وهنا يستخدم علي بدر حسه التاريخي مقرونًا بحسه الأدبي: لا نعرف الأسباب التي ترفع رواية ما إلى القمم دون أعمال أخرى. وهو هنا يتفق مع الروائي الإسباني ميغيل ديليبيس.
“مجال غابو هو زوجته مرسيدس ومجمل أفراد عائلته، إسبانيا، المقاهي التي كان يجلس فيها غابو، فيديل كاسترو، الكُتّاب والصحافيون المتملقون الذين جعلوا ماركيز الطيب ذلك الكاتب النرجسي”
أما مجال غابو فهو زوجته مرسيدس ومجمل أفراد عائلته، إسبانيا، المقاهي التي كان يجلس فيها غابو، فيديل كاسترو، الكُتّاب والصحافيون المتملقون الذين جعلوا من غ. غارسيا ماركيز الطيب ذلك الكاتب النرجسي (الرأي لميغيل ديليبيس، في حواره مع علي بدر). مجال غابو هو تلك التناقضات النفسية التي تحيط به وبعالمه الروائي. صداقاته، على رأسها تلك التي ربطته بماريو فارغاس يوسا، قبل أن ينفرط عقدها الثمين. لماذا كل هذا الكمّ من المعلومات؟ في ماذا ستفيد محبي غابرييل ماركيز وغابو على حدّ سواء؟ علي بدر على وعي بعمله هذا، فهو يريد أن يحيط علمًا القراء في العالم العربي بهذه المعلومات التي سافر وارتحل من أجل العثور عليها. كما أنه عاقد العزم على كتابتها وتوثيقها، فلربما قد “تهمّ النقاد لمعرفة السرّ الذي ينطوي عليه العمل الأدبي الفخم من ناحية الصنعة ومن ناحية الأسلوب”، خصوصًا كل ما يتعلّق بتأليف رائعته “مائة عام من العزلة”. كما أن هذه المعلومات قد تهمّ الأدباء الشباب، ففي الكتاب إجابات عن دوافع الكتابة. وسنعثر أيضًا على خطاب يهمّ الشهرة: كيف يكون الكاتب قبل الشهرة وكيف يصبح بعدها؟
وهكذا استمر صاحب “الركض وراء الذئاب” في البحث والقيام بحفريات تاريخية وأدبية لتبرير شهرة غابرييل غ. ماركيز، وعلى لسان م. ديليبيس نقرأ هذا الاعتراف: “نعم، أنا سألته (ماركيز) عن ذلك، فقال لي إن نجاحه لم يكن شيئًا حقّقه، بل شيئًا حدث له” (ما لا يعرفه، ص. 89).
وكما هو النص القصير لجون دون الذي وضعه الروائي في صدر الرواية: “يا أميركتي. يا أرضي المكتشَفَة الجديدة. يا مملكتي الأكثر أمانًا عندما تكونين محصّنة برجل واحد”. فإن كولومبيا اليوم، ومنذ أن ظهر فيها غابرييل غارسيا ماركيز، هي أرض محصّنة برجل واحد هو غابو، وبكاتب كبير هو غابرييل غارسيا ماركيز. غير أننا بعد قراءة كتاب “ما لا يعرفه ماركيز عن السيد غابو” نغيّر من قولنا هذا، ونقول إن كولومبيا محصّنة بامرأة واحدة هي مرسيدس زوجة غابرييل. غ. ماركيز، التي حقّقت كل هذه الشهرة والمجد، وذلك على لسانه هو، وبالصيغة التي جاءت عليه في كتاب علي بدر: “كان يسميها التمساح المقدّس، ويقول عنها حاميته، فهو يسير مطمئنًّا ‘طالما الأسد إلى جواري‘ و‘لو لم تكن إلى جواري لضعتُ‘”.
يحتوي كتاب علي بدر، هذه السيرة المختلفة، على عدّة طبقات. فهو تحقيق أدبي، وتوثيق لسيرة غيرية لكاتب بلغ من الشهرة ما لم يبلغها كاتب من أميركا اللاتينية قبله. لقد نقل المترجمون العرب عدة كتب عن ماركيز، وأثارت إعجاب القراء العرب، وغذّت عقولهم وخيالهم عن كاتب عظيم، نذكر منها: “رائحة الجوافة”، وهو حوار أجراه مع ماركيز الصحافي والأديب الكولومبي بيلينيو أبوليو مندوزا (ترجمه فكري بكر محمود، دار أزمنة، 2013)، حينها كان أدب أميركا اللاتينية قد بدأ يشكل ظاهرة متميزة على الساحة الأدبية العالمية. وهو الكتاب الأكثر قربًا من أسلوب ومنهجية علي بدر في التأليف. ويمكن، من جهة أخرى، اعتبار وجود قواسم تشابه واختلاف بين الكتابين. إذ إن كلّا من بيلينيو مندوزا وعلي بدر يجدان نفسيهما داخل اضطرارية البحث عن أسرار مهنة الكتابة والشهرة والتحولات التي تطرأ على الروايات والروائي على مرّ السنين، ومع اختلاف العناوين. إن تلك التحولات مصنوعة أساسًا من قوة أحداث الحياة والقراءات. وكيف أن عملًا واحدًا يقوم بكل شيء، ويؤسّس ما لم تستطع تأسيسه الأعمال الكثيرة. وما هو أثر الجوائز الكبرى على الكاتب؟ وكيف يتلقّى خبر الفوز وهو في مكان ما؟ وكيف يستعد لاستقبالها؟ وما هو لون أفكاره وهو يحرّر خطاب الجائزة؟
أيها القارئ الخالي البال، تأكد أن كتاب علي بدر سيعيدك إلى نقطة البداية، إلى شهوة قراءة كل أعمال ماركيز، وإلى متاهة كل ما كُتب عنه. وإن كنت أيها الروائي بصدد تحرير روايتك الجديدة فإن هذا الكتاب ربما يدفعك إلى التصرّف بشكل مختلف مع اللغة، الشخصيات، البناء، أوقات الكتابة، الموضوعات… إلخ.
شارك هذا المقال