من المثير للدهشة أن فلاسفة من طراز ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، ومعهم دائرتهم الفكرية الواسعة، لم يتركوا وراءهم نظرية سياسية متكاملة رغم أن السياسة بأبشع تجلياتها قلبت حياتهم رأسًا على عقب. فحين استولى النازيون على السلطة في ألمانيا مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، اضطر معهد البحث الاجتماعي في فرانكفورت، الذي كان هوركهايمر يقوده منذ عام 1930، إلى الفرار نحو المنفى، متنقلًا بين جنيف وباريس قبل أن يستقر أخيرًا في الولايات المتحدة الأميركية.
ربما كان ذلك فائضًا من السياسة لا يُحتمل بالنسبة لهؤلاء المفكرين، فآثروا أن يضعوا الكارثة في صميم تأملاتهم الفلسفية بدلًا من الانخراط في التنظير السياسي المباشر. كانت تلك تجربتهم الحياتية الجوهرية التي صاغت رؤيتهم للعالم، ولم يكونوا يؤمنون حقًا بالتقدم الاجتماعي الذي لا تقوم من دونه أي سياسة ذات معنى.
غير أن الفيلسوف الألماني موريتس رودولف، المحرر في مجلة Philosophie Magazin ومؤلف كتاب “روح العالم كسمكة سلمون” الذي صدر عام 2021 ولاقى استحسانًا نقديًا واسعًا، قدّم في كتابه الجديد “الوحدة والانهيار: السياسة الدولية في النظرية النقدية المبكرة” الصادر في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 عن دار Matthes & Seitz في برلين، محاولة طموحة لاستخلاص ما يشبه نظرية في السياسة الدولية من جمل متناثرة ونصوص متفرقة تركها هوركهايمر وأدورنو، إلى جانب عالم السياسة فرانز نويمان والفيلسوف هربرت ماركوزه. يمتد الكتاب على أكثر من 600 صفحة، ووصفته صحيفة Frankfurter Allgemeine Zeitung بأنه صياغة جديدة لمادة تاريخية سلبية تتفوق فكريًا ولغويًا على أي أطروحة أكاديمية عادية.
ما يستخرجه رودولف من هذا الأرشيف الفكري المبعثر يتبلور في أربعة مفاهيم أساسية متباينة. أولها إيمان هوركهايمر التشاؤمي بما يمكن تسميته “نظرية الكبح”، تلك الرؤية التي لا تتصور الفعل السياسي إلا بوصفه محاولة لمنع الأسوأ من الحدوث، لا السعي نحو تحقيق الأفضل. كان هوركهايمر قد وصف فلسفته في مرحلة ما بعد الحرب بأنها عودة من “التفاؤل الثوري” إلى “التشاؤم الثوري”، وفي محادثات خاصة مع أدورنو سُجلت عام 1956 ونُشرت لاحقًا، صرّح بأن على المرء أن يعلن نفسه انهزاميًا، وأنه لا يوجد شيء يمكن فعله، وأن الأوضاع في الواقع أسوأ مما كانت عليه في أي وقت مضى. الطبقة العاملة في نظره قد اندمجت في النظام الرأسمالي ولم تعد قادرة على أداء دور الذات الثورية.
أما المفهوم الثاني فهو فكرة أدورنو القائلة بأن الثورة قد أخفقت بالفعل، لكن الأمل يظل قائمًا رغم كل شيء. في كتابه “الحد الأدنى من الأخلاق” الصادر عام 1951، صاغ أدورنو واحدة من أشهر العبارات في تاريخ النظرية النقدية حين كتب أنه لا توجد حياة صحيحة في ظل حياة زائفة. كان يرى أن العيش الأخلاقي الحقيقي قد غدا مستحيلًا في ظل مجتمع متضرر في جوهره. وحين احتل طلاب يساريون مبنى معهد البحث الاجتماعي عام 1969، لم يتردد أدورنو في استدعاء الشرطة، وهو ما أثار قطيعة بينه وبين الحركة الطلابية. لكنه مع ذلك حافظ على أفق يوتوبي، إذ اختتم كتابه بعبارة مستعارة من فالتر بنيامين تقول إن الأمل لا يُمنح إلا من أجل أولئك الذين لا أمل لهم.
المفهوم الثالث يتمثل في واقعية فرانز نويمان المتشككة، وهو أحد أكثر الشخصيات المنسية في تاريخ مدرسة فرانكفورت رغم أهميته الاستثنائية. وُلد نويمان عام 1900 وتوفي في حادث سيارة عام 1954، ما حرمه من العودة إلى فرانكفورت مع زملائه حين أعيد افتتاح المعهد. كان قد وضع دراسة رائدة عن بنية الحكم النازي بعنوان “بهيموث: بنية الاشتراكية القومية وممارستها”، صدرت طبعتها الأولى عام 1942 ثم وُسّعت عام 1944، وتُعدّ من أوائل الأعمال المنهجية التي حللت آليات عمل الأنظمة الشمولية. قدّم نويمان في هذا الكتاب أطروحة جريئة مفادها أن ألمانيا النازية لم تكن دولة شمولية منظمة بالمعنى التقليدي، بل كانت “لا-دولة” فوضوية تتنازعها أربع كتل متصارعة على السلطة: الصناعة الاحتكارية، وجهاز الحزب النازي، والجيش الألماني، والبيروقراطية الحكومية. وصف المؤرخ البريطاني إيان كيرشو هذا العمل بأنه “أحد أكثر التحليلات المعاصرة تألقًا للظاهرة النازية”.
خلال الحرب العالمية الثانية، جنّدت أجهزة الاستخبارات الأميركية نويمان للعمل معها، فأصبح نائبًا لرئيس قسم أوروبا الوسطى في مكتب الخدمات الاستراتيجية اعتبارًا من عام 1943. وقد جلب معه زميليه هربرت ماركوزه وأوتو كيرشهايمر للعمل في التحليل الاستخباراتي. أنتج هؤلاء المفكرون الماركسيون الألمان تقارير سرية عن ألمانيا النازية رُفعت عنها السرية في سبعينيات القرن الماضي ونُشرت لاحقًا، وقد أسهمت في محاكمات نورمبرغ حيث أعدّ نويمان شخصيًا تحليلات عن المتهمين الاثنين والعشرين. إن فكرة ماركسيين ألمان يعملون لصالح الاستخبارات الأميركية لكشف أسرار قوة هتلر تبدو غريبة، لكنها حدثت فعلًا.
أما المفهوم الرابع فهو إيمان ماركوزه الراسخ بأن الثورة لا تزال ممكنة. على خلاف زملائه، لم يفقد ماركوزه نظرته الثورية قط. في كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد” الصادر عام 1964، والذي بيعت منه أكثر من 300 ألف نسخة وتُرجم إلى العربية بقلم جورج طرابيشي عام 1988، حلّل كيف يخلق المجتمع الصناعي المتقدم “حاجات زائفة” تدمج الأفراد في الأنظمة القائمة وتقضي على المعارضة النقدية. رأى ماركوزه أن الإمكانية الثورية قد تنبثق من “الغرباء”، أي الأقليات والطلاب والمثقفين الراديكاليين. لُقّب بـ”أب اليسار الجديد” وتتلمذت على يديه الناشطة أنجيلا ديفيس التي علّقت لاحقًا بأن موقف أدورنو كان في جوهره أن الثورة التي أرادوها كان يجب أن تحدث في الماضي، بينما كان ماركوزه يفعل ذلك عمليًا، يشتغل في عالم الأفكار ويشارك في الحركات الراديكالية في آن واحد.
يتتبع رودولف هؤلاء الأربعة عبر صروحهم الفكرية، وكتابه في هذا السياق يقدم مدخلًا ممتازًا لفهم فكر مدرسة فرانكفورت، قبل أن يصل إلى الحاضر. فالسؤال الكبير الذي يدور حوله النقاش هو: هل يوجد تقدم فعلًا؟ على مدى العقود الماضية، بدا الأمر كذلك. يورغن هابرماس، تلميذ أدورنو الأبرز الذي وُلد عام 1929 والتحق بالمعهد عام 1956 مساعدًا لأستاذه، بنى نظريته السياسية الكبرى على فكرة العولمة التي تتجه على المدى البعيد نحو مجتمع عالمي واحد. وحدة بلا انهيار. طوّر هابرماس مقاربة مختلفة جذريًا عن أساتذته، إذ ميّز بين العقلانية الأداتية التي شخّصها هوركهايمر وأدورنو بوصفها هيمنة شاملة، وبين ما سمّاه “العقلانية التواصلية”، أي القدرة الكامنة في اللغة على الوصول إلى تفاهم من خلال حوار حر من الإكراه. في كتابه “نظرية الفعل التواصلي” الصادر عام 1981، أعاد بناء مفهوم العقل لا بمصطلحات أداتية بل تحررية تواصلية. اتهم هابرماس أسلافه بأنهم ساروا في طريق مسدود بتشخيصهم الشامل، إذ إن نقدهم الجذري للعقل يقوّض إمكانية التفكير النقدي ذاته.
لكن ماذا لو كان كل ذلك وهمًا؟ ماذا لو كان تأخير الانهيار هو أفضل ما يمكن للبشرية أن تحصل عليه؟ في عام 2022، وقد بلغ الخامسة والتسعين من عمره، نشر هابرماس كتابًا جديدًا يعيد فيه زيارة عمله الكلاسيكي عن التحول البنيوي للمجال العام في ضوء الثورة الرقمية، محذرًا من أن منصات التواصل الاجتماعي الموجهة بالخوارزميات تعزز “غرف الصدى” وستؤدي دون تنظيم مناسب إلى تفريغ المؤسسات الديمقراطية من محتواها.
إن فكرة أن التقدم يحمل في طياته الدمار حتمًا هي واحدة من أعمق الرؤى التي صاغتها النظرية النقدية. ربما ظلت هذه الفكرة مطمورة لفترة، لكنها في اللحظة الراهنة أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالتوتر بين تشاؤم أدورنو السياسي والتزام ماركوزه الثوري يظل دون حسم، وهو توتر خلاق يواصل تحديد النقاشات حول ما إذا كان الفكر النقدي قادرًا على توجيه الفعل السياسي، أم أن عليه الاكتفاء بالحفاظ على ذاكرة ما قد يعنيه التحرر.
تأسس معهد البحث الاجتماعي رسميًا عام 1923 وافتُتح في فرانكفورت في 22 حزيران/ يونيو 1924، ليكون أول مركز بحثي ذا توجه ماركسي مرتبط بجامعة ألمانية كبرى. قدّم فيليكس فايل، الاقتصادي الماركسي الألماني- الأرجنتيني، الوقف التأسيسي من ميراثه، فيما ساهم والده هيرمان فايل بتمويل سنوي قدره 120 ألف مارك. أُغلق المعهد على يد الغستابو في تموز/ يوليو 1933 بتهمة “الأنشطة التخريبية”، وصودرت مكتبته التي ضمت أكثر من 45 ألف مجلد. انتقل المعهد إلى جامعة كولومبيا الأميركية عام 1934، وهناك في كاليفورنيا كتب هوركهايمر وأدورنو عملهما التأسيسي “جدل التنوير” الذي صدر عام 1944 ونُشر عام 1947، متسائلين فيه لماذا تغرق البشرية في بربرية جديدة بدلًا من أن تدخل حالة إنسانية حقيقية؟ أُعيد افتتاح المعهد في فرانكفورت رسميًا في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1951.
حظيت مدرسة فرانكفورت باهتمام واسع في العالم العربي، فتُرجمت أعمالها الرئيسية إلى العربية، ونُشرت دراسات عربية أصيلة حولها. كما أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة الترجمة العربية للتاريخ المرجعي الذي وضعه رولف فيغرسهاوس عن المدرسة في أكثر من 900 صفحة. غير أن كتاب نويمان “بهيموث” لم يُترجم بعد إلى العربية رغم أهميته، كما لا توجد حتى الآن أي ترجمات أو نقاشات عربية حول عمل موريتس رودولف الجديد، وهو ما يفتح الباب أمام اشتغال بحثي عربي على هذا الإرث الفكري الذي يتحدث مباشرة إلى قلق عصرنا بشأن عالم مترابط ومتشظٍ في آن واحد.