اكتسب مفهوم «الثورة» أبعاداً ملحمية منذ مطلع الحداثة، خاصة منذ الثورتين الأمريكية والفرنسية، ليصبح دلالة على «فجر عالم جديد»، يُنهي عالماً قديماً، مليئاً بالفساد، ويأتي بقيم أسمى، أقرب للحرية والحقيقة والعدالة؛ أو يصحح مسار التاريخ، بعد فسادٍ اعتراه، ويعيد الأمور إلى «طبيعتها»، أو إلى عصر ذهبي ضائع. بالطبع، لهذا الفجر الملحمي أبطاله وشهداؤه وقادته الأسطوريون، ونصوصه التأسيسية، ورموزه البصرية، وأناشيده العالقة بالذاكرة، ما يجعله أكثر من مجرد ادعاء أيديولوجي، وإنما رواية مؤسِّسِة للذات الجماعية والفردية، وطريقة للنظر إلى الكون والتاريخ، قد تصل إلى تقسيم الزمن إلى ما قبلها وما بعدها، وكأنها ميلاد أو تجسّد للروح في العالم.
وقد ازدادت ملحميّة المفهوم مع الحركة الرومانتيكية في القرن التاسع عشر، التي رمسنت «الثورة» بشدة، وأعطتها شحنة غير مسبوقة من العاطفة والشغف. فكان لكل رومانتيكي ثورته الخاصة، حتى لو كان رجعياً، أو قومياً متطرفاً، أو رافضاً للتحديث، أو مغرقاً في الفردانية ورافضاً للجماعة، إضافة لهذا ظهرت في ذلك القرن فئة من «الثوريين المحترفين»، وهم مثقفون، وأدباء، ومحامون، وقادة عمّاليون، وأرستقراطيون متمردون على التقاليد، ورجال دين متنورون، ونساء تجاوزن قيود عصرهن، وكلهم نذروا حياتهم لذلك الفجر الجديد، والتنظير له، والدعوة إليه.
هؤلاء لم يكونوا ظواهر هامشية، أو «منفصلة عن الواقع»، أو حتى شخصيات تراجيدية بمصير مأساوي، بسبب عيب تراجيدي ملازم لها، بل كانوا مؤسِّسين في العقل والذات والمخيّلة الحديثة. ركزت كثير من الدراسات المعاصرة على دور هؤلاء، في تكوين الصور الأساسية للعالم الاجتماعي والسياسي الحديث، بما في ذلك مفاهيم الطبقة والأمة والفرد الحر. فمثلاً يتحدث الباحث الألماني باتريك أيدن-أوف، في كتابه عن نشأة مفهوم الطبقة العاملة، المعنون «شِعر الطبقة»، عن دور الكتّاب الرومانتيكيين المناهضين للرأسمالية باختراع مفهوم «البروليتاريا». قبلهم كان العمّال جموعاً من الدهماء المثيرين للريبة، فقراء معدمين، حرفيين بلا أدوات، ريفيين متنقّلين في ضواحي المدن، يتناحرون على فرص العمل، وتسود بينهم «ظواهر أخلاقية فاسدة»؛ أما بعد «الثورة» التي قام بها الرومانتيكيون في الأدب والفن والصحافة، باتت لأولئك الدهماء وجوه، وشخصيات، وأحلام، ومطالب، بل و»أخلاق مضادة» لأخلاق الطبقات العليا، الزائفة والمنافقة في العمق. هكذا ساعدوا العمال على أن يصيروا «طبقة»، وليس مجرّد جموع. أي ساعدوهم في اكتشاف، أو ابتكار أنفسهم، واكتساب الذات الجمعية، والوعي الذاتي. ومنحوهم اسماً رومانياً، له رنين تاريخي جذّاب، وهو «البروليتاريا»، حتى قبل نشوء النقابات المنظّمة، والأحزاب العمّالية. أكمل محترفو الثورة الماركسيون عمل الرومانتيكيين والطوباويين والقادة العماليين الأوائل، ودعوا إلى جعل البروليتاريا «طبقة لذاتها»، وليس فقط «طبقة في ذاتها»، أي أن تتجسّد كذات واعية في التاريخ، ومحرّكة له، عبر النظرية والممارسة والتنظيم، بل أن تصبح «ذات التاريخ» نفسه، كما لدى المفكر الماركسي جورج لوكاش. يمكن مدّ هذا المثال إلى ظواهر تاريخية أخرى كثيرة، مثل التحرر الوطني، النسوية، مناهضة العنصرية، إلخ.
منذ القرن العشرين، مع صعود ما عُرف بـ»الثورة المحافظة»، أي الفلسفة المضادة، الناقدة لتيارات التنوير بعمق شديد، بات مفهوم «الثورة» يُنتقد بوصفه نوعاً من اللاهوت المُعلمن، نشأ في العالم المسيحي، وقام على بنية الإسكاتولوجيا المسيحية نفسها (علم الآخرويات ولاهوت الخلاص)، أو «إحلال الإسكاتولوجيا في التاريخ»، حسب تعبير الفيلسوف الألماني إيريك فوغلين، أي محاولة تحقيق ما كان يفترض أن يحدث خارج زمن البشر، وبتدخّل روح علوية، في التاريخ البشري، عبر الوعي الذاتي، خاصة وعي الحريّة. مع كثير من العناصر الغنوصية، التي تنفي العالم المادي الفاسد القائم، وتسعى إلى نقضه، وصولاً إلى تجسّد خلاصي أخير، ينتهي فيه التاريخ، وتصل عبره التناقضات إلى تركيبها الأعلى والأشمل. وذلك بالاستعانة بما يشبه «التعليم السري» الغنوصي، الذي صار «نظرية ثورية» في العصر الحديث.
هنا يجب الانتباه إلى ملاحظتين شديدتي الأهمية: الأولى أن الفلاسفة المحافظين الوازنين، لم يستطيعوا نقد مفهوم «الثورة» إلا عبر قيامهم بـ»ثورة مضادة»، كانت لها جوانبها الأيديولوجية والمؤسساتية والتنظيمية، وهذا يدلّ على شمولية المفهوم، وعدم إمكانية إلغائه أو «الخلاص» منه، فكل ثورة ضد التنوير والتحديث هي تنوير وتحديث مضاد؛ والثانية تتعلّق بمنطقتنا، وهي أن الإسلام السياسي، ذا النزعة الراديكالية الثورية، يحمل عناصر خلاصية وفلسفة تاريخ قريبة، مما هو موصوف أعلاه، تجعله أقرب إلى عوالم اللاهوت المسيحي المعلمن، منه إلى المفاهيم الإسلامية التراثية عن الزمن البشري والإلهي، والقيامة والحشر والدينونة.
في كل الأحوال، لا يمكن اعتبار كل تلك المفاهيم، الأيديولوجية والسردية والملحمية والرومانسية واللاهوتية، عن «الثورة»، توصيفاً سيسيولوجياً صحيحاً لها، فالثورة في أبسط تعريفاتها، والأقرب لـ»العلميّة»، هي تغيير جذري في العلاقات الاجتماعية، نتيجة عجز الأنظمة الاجتماعية القائمة عن إعادة إنتاج نفسها، والتعامل مع تعقيد بيئتها، أي العالم الاجتماعي والطبيعي الذي توجد ضمنه، وقواه الجديدة الناشئة؛ وكذلك عدم قدرتها على ترميزه في أنساقها، وضمن آليات اشتغالها الداخلية، ما يجعلها تنحلّ وتضمحل، وتتبدد في بيئتها، ويفسح المجال لاضطرابات اجتماعية شديدة، تصل في حالات كثيرة إلى درجات عالية من العنف والدموية، وصولاً إلى إنتاج أنظمة جديدة.
ومن «الانتفاضة الهولندية» (حرب الثمانين عاماً 1568-1648)، مروراً بالثورات الفرنسية والبلشفية والصينية، وصولاً إلى ما يُعرف بـ»الربيع العربي»، لم تكن الثورات يوماً بالرومانسية التي وصفها الأدباء والمفكرون، بل كانت غالباً سلسلة من المآسي، والحروب الدموية، والممارسات العنيفة. بالطبع، تتطلّب «الثورة»، كي تستحق اسمها، نمو قوة اجتماعية جديدة، في رحم العالم القديم، تطالب بتغيير العلاقات الاجتماعية، التي لم تعد تتسع لها، بما يتفق مع منظوراتها ومصالحها؛ وتمتلك مفاهيم ومخيّلة عن ذلك التغيير، تقطع مع القديم، سواء طبّقها بأمانة، أو «حرّفتها» لدى الممارسة العملية. إن لم توجد تلك القوة والمنظور والمخيّلة، فنحن لسنا أمام ثورة، بل انهيار العالم القديم على نفسه، دون أي أفق لبديل، ما يهدد بانهيار شامل لمؤسسات التحضّر، والانحدار إلى الهمجيّة. ولكن، ماذا عن «ثورات» لا تتمتع بإتقان سردي ولا بقدرة على التغيير السوسيولوجي؟ يشير هذا السؤال بالتأكيد إلى مصير مفهوم «الثورة» في قرننا الحالي، خاصة «الربيع العربي»، الأكثر بروزاً فيه. لقد فقدت «الثورة» معه كثيراً من بريقها فعلاً، وباتت أقرب لسردٍ ضعيف، ونزعٍ للتحضّر. عندما نسأل «متى تنتهي الثورة؟» فلا ننطلق من موقف «ثورة محافظة» مضاد، بل نسائل المرويات الأساسية، التي تتوازى وترافق وتبرر ممارسات حالية، ليس من الافتراء وصفها بالهمجية، والعجز عن التغيير والتأسيس، بل تبدو معرقلة لاستمرار الحياة نفسها. مجدداً: متى تنتهي تلك الرواية الركيكة، الذي يسميها البعض عندنا «ثورة»؟
محاكاة ساخرة
لا يوجد سرد شفاف، أو ناسخ للوقائع والحقائق بشكل كربوني، وإلا فلن يكون سرداً أصلاً. السرد بالأصل منظومة لإنتاج المعنى (وأحياناً تفكيكه) عبر تقنيات وأساليب خاصة، تتضمن أنماطاً من الانتقاء، والتشديد، والتكثيف، والتضخيم والتهوين، والكشف والإخفاء، والتبسيط والتعقيد، والترميز والأسطرة، والتعاطي مع الزمن، وتحديد المنظور، وبناء الشخصيات والذوات. لا يُحاسب السرد عادةً على أساس واقعيته وموضوعيته أولاً، بقدر ما يُحاسب على براعته وإقناعه، دون أن يعني هذا أن لدى السارد رخصة بالكذب والتلفيق والتضليل. أحياناً كثيرة يُقبل من السارد أن يعيد صياغة وترتيب وترميز وتخيّل الوقائع، كي يقول الحقيقة، من منظوره طبعاً، وضمن إطاره التاريخي والثقافي. هذا يعني أن الرواية أو الأسطورة المؤسِّسة، ليست خرافة، وليست كذبة، ولكنها أيضاً ليست أرشيفاً وتسجيلاً محايداً، وإنما سرد تأسيسي، يصبح معيارياً مع الزمن، ويستبطن منظور الذات الجماعية التي يودُّ تشكيلها. وهذا يتطلّب كثيراً من البراعة، والقدرة على بناء نظام رمزي وتخيّلي متكامل. يتعامل البشر مع أساطيرهم المؤسسة، حتى المعاصرة منها، بنوع من التقديس. وهي قادرة على ترك أثر مادي في أجسادهم، وليس فقط أيديولوجي، إذ تستطيع تحريكها، وجعلها تنقبض وتنبسط وترتعش؛ وتدفعهم لسلوكيات وقرارات معيّنة. إنها تبني الذات ليس فقط على المستوى المعنوي، بل في ميدان الجسد أيضاً.
من أين تأتي كل تلك البراعة السردية؟ يمكننا أن نتحدّث كثيراً عن موهبة الساردين، ولكنها وحدها لا تكفي لتفسير وجود نمط لغوي/ثقافي معقد مثل السرد المؤسِّس. إذا تتبعنا كل سرد مؤثّر في التاريخ، منذ المدونات الأسطورية الأولى في بلاد النهرين، حتى يومنا هذا، مروراً بالمدونات الروائية الأهم في الحداثة، فسنجد أنها خلاصة لمؤسسات التحضّر في زمانها ومكانها. السرد البارع يحتاج نمطاً خاصاً من التحضّر، أو على الأقل بقاء أساسياته لدى من ينعون سقوط الحضارات القائمة. والروايات المؤسِّسة عن الثورات كان علامة على تقدّم مشروع الحداثة، ونمط تحضرها، والذي لم يأت من فراغ طبعاً، حتى لو حقق قطيعة مع ما سبقه، أو ادعى ذلك، بل أعاد ترتيب وترميز عناصر فكرية واجتماعية سابقة، ضمن بنية وأنساق جديدة، بما أنتج التغيير، ومهّد لعالم جديد.
يمكننا هنا تفسير السرد الضعيف، الذي رافق ثورات «الربيع العربي»، بالضعف والانحطاط المديد لمؤسسات التحضر، المرتبطة بدول ما بعد الاستقلال في المنطقة، والتي لم تعد قادرة على إنتاج وتأهيل أفراد قادرين على التدوين الفعلي، أو التفكير بمنطق التدوين، ما يجعل تفكيرهم أقرب لمنطق السرد الشفوي، و»جمع والتقاط» العناصر الأيديولوجية والسردية المتوافرة في البيئات التي عرفوها، ثم إعادة لصقها دون أي تقنية أو منهجيّة يعتد بها. يمكن الحديث عن نوع من «أميّة المتعلمين»، والتي تجعل أي سرد أو كتابة مليئة بالتناقضات، والإنشائيات، واللغة التي لا تقول شيئاً. وفي بلدان انهارت أكاديمياتها وصحافتها وأحزابها السياسية، على رثاثتها، لم يبق أمام جيل كامل من المتداخلين في الشأن العام إلا شبكات من المصالح والولاء والتبعيّة، نموذجها الأساسي «المنظمّة غير الحكومية»، بشبكاتها التمويلية، وأيديولوجيتها الناشطية، التي جعلت حتى الأكاديمية والصحيفة والحزب تعمل بمنطقها. ربما يمكن تشبيه «المنظمة» من ذلك النوع بالميليشيا، ولكن دون سلاح، من جهة كونها علامة على انهيار المؤسسات الاجتماعية، التي تنتج التحضّر، وتؤدي وظائفه الأساسية.
ولذلك تبدو الرواية عن الثورات العربية محاكاة ساخرة عن نفسها، وكأنها تهكّم متعمّد، يؤدّيه خصم. فهي حافلة بالتلفيق، والنقاط العمياء، وتزوير الوقائع المعلومة، والترقيع الفج، والمحاباة والتزلّف، والابتزاز، وعدم الاتساق، والأخطاء الواضحة. ربما كانت أحداث اجتماعية من ذلك النوع تستحق هذا النمط من السرد. ولكن هل يمكن لهذه الركاكة أن تؤسّس شيئاً؟ هذا سؤال استنكاري، وليس استفهامياً.
الدفاع عن الأساطير
رأينا سابقاً أن نقّاد الثورات الأعمق لم يستطيعوا مواجهتها عبر الخروج من نمط السرد الحديث، وذلك جعلهم «ثواراً» حتى لو كانوا محافظين، وجلّ ما فعلوه هو بيان حدود ذلك السرد، ونقد افتراضاته الأساسية، والحفر عميقاً في مفاهيمه المتراكمة، والتنبيه إلى كلفته الاجتماعية والإنسانية. لا يمكننا بالتأكيد تجاوز السرد نفسه، ولكن في حالتنا لا نحتاج معرفة كبيرة باللاهوت والفلسفة، لنقد الخطاب الركيك عن «الثورة»، فهو لا يتطلب أكثر من الإشارة إليه، بوصفه مهزلة سردية، بالمعنى السيئ لـ»مهزلة». وربما بعض الضحك السوداوي. الأهم من الضحك والتهكّم هو الوعي بأن ذلك السرد الركيك ليس مؤسِّساً، بل مدمّر، وأحياناً قاتل، لأنه أولاً يبرر ويشرعن كثيراً من الممارسات الهمجيّة، بوصفها «رد فعل»، أو «مظلومية»، أو «تهميشاً»، ويبرّئ كثيراً من المجرمين والممارسات الإجرامية؛ ولأنه ثانياً يقدّم توصيفاً زائفاً للواقع، ولغة خالية من المعنى والحجج وأدوات التفكير، ما يحرم الناس من فهم عالمهم، وتقدير المخاطر التي يتعرّضون لها، ومن ثم الفعل في مواجهتها.
لا يمتلك ذاك السرد المقدرة إلا بسبب وجود منابر احتكارية، تقدّمه وتسوقه وتدمجه في حملات علاقات عامة فائقة التمويل، فيما يشعر كثيرون بالصدمة والغربة لدى اطلاعهم عليه، ولكنهم يدركون ربما أن أصواتهم لا مكان لها، ويشعرون بعبثية رفعها. كما أن للتكرار المكثّف مفعول السحر في كثير من الأحيان. هكذا تصبح للتعاويذ اللغوية، التي يمتلئ بها ذلك السرد، القدرة على تعطيل أبسط بديهيات التفكير والحس السليم.
ربما يجب مواجهة كل هذه الرداءة بإعادة الاعتبار لقيم التحضّر، ومنها القدرة على السرد البارع، وصناعة الأساطير، ومن ثم تفكيكها وتجاوزها. إذا كانت «الثورة» قد باتت مهزلة سردية، تهدد استمرار الحياة، فقد يكون الأجدى التضامن مع البشر الذين يحاولون استعادة قدرتهم على صياغة حكاياتهم، وهي خطوة أولى لإعادة بناء ذواتهم، والسيطرة على عالمهم الاجتماعي، بما يمكّنهم من ضمان استمرار وجودهم. وقد يكسر هذا من الاحتكار الهائل الموصوف أعلاه، فأمام التهديد الوجودي، الذي تطرحه الهمجيّة، لن يستطيع كثيرون الخضوع، حتى لو أرادوا، ولذلك سيتكلمون ويفعلون. وقد يكون فعلهم مُنتجاً، أو مؤدياً لمزيد من الدمار، ولذلك فلا بد من دفعه لكيلا ينحدر بدوره إلى الهمجيّة. إنه رهان صعب، وقد يكون بدوره تصوراً خلاصياً، أقرب لروح ثورات القرنين الماضيين، ولكنه في العمق لا يثق بأي وعود لـ»التاريخ»، ولا يسعى لأكثر من ضمان استمرار الحياة، بالحد الأدنى من التحضّر.
كاتب سوري