إسطنبول- مع تراجع النفوذ الإقليمي لإيران، باتت تركيا لاعبًا محوريًا في قطاع غزة، وهو تحول استراتيجي انعكس بوضوح في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في المنطقة.
واختارت الإدارة الأميركية تركيا كواحدة من الدول الضامنة لوقف إطلاق النار إلى جانب مصر وقطر والولايات المتحدة، بالإضافة إلى إشراكها في القوة الدولية للاستقرار المقترحة، وهو ما يعكس التقدير الأميركي لقدرات أنقرة على التأثير في غزة واستثمار الفراغ الذي تركه ضعف الدور الإيراني.
وفي السنوات السابقة، كانت إيران تسيطر عمليًا على الجناح العسكري لحركة حماس عبر التمويل وإمداد الأسلحة والتوجيه الاستراتيجي، مما منحها نفوذًا قويًا على قرارات الحركة في القطاع.
وأما تركيا، فكان دورها يقتصر على تقديم دعم خطابي واستضافة قادة منفيين، دون القدرة على التأثير الفعلي في السياسات الاستراتيجية.
ومع تصاعد الحرب الإسرائيلية على غزة بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، وضعف محور المقاومة الإيراني نتيجة الضربات المباشرة، إضافة إلى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا وتراجع حزب الله، أصبح حماس في موقف أضعف واضطر للبحث عن مصادر دعم خارجية بديلة، فتقدمت تركيا لتصبح الراعي السياسي الأكثر موثوقية للحركة، مقدمة الدعم الدبلوماسي، والمساعدة في إعادة الإعمار، والمشورة في الحوكمة، فضلاً عن تعزيز شرعية الحركة سياسيًا على المستوى الإقليمي والدولي.
استمرار الدور التركي يعتمد ليس فقط على المعطيات الميدانية في غزة، بل أيضًا على قدرة تركيا في إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا
وعزز هذا التحول الاستراتيجي أهمية تركيا بالنسبة للإدارة الأميركية، التي رأت فيها شريكًا قادرًا على تحمل المخاطر المرتبطة بمهمة معقدة في بيئة شديدة التقلب، بما في ذلك نشر قوات تركية في غزة كجزء من القوة الدولية للاستقرار، وهو ما وفره الإطار القانوني الذي أنشأه قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في نوفمبر 2025.
وتتميز تركيا بعلاقاتها الوثيقة مع حماس، وخبرتها في العمليات الإنسانية، وقدراتها العسكرية واللوجستية، ما يجعلها الخيار الأمثل لتولي هذه المهمة، وهو ما لم تكن أي دولة إقليمية أخرى قادرة على القيام به.
واستغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا الوضع لتعزيز مكانته السياسية داخليًا وخارجيًا، مستفيدًا من ضعف النفوذ الإيراني وغياب منافسين إقليميين قادرين على تولي هذا الدور، ليقدم نفسه كمدافع عن الفلسطينيين وراعي لاستقرار غزة. كما ساعده الدعم الأميركي على تعزيز صورته الدولية، بعد سنوات من التهميش خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، حيث أتاحت له زيارة البيت الأبيض في سبتمبر 2025 فرصة لاستعراض نفوذ تركيا وفاعليتها في استقرار المنطقة.
ولا يمكن فهم الدور التركي في غزة بمعزل عن العلاقة الاستراتيجية بين أنقرة وواشنطن، خاصة خلال فترة ترامب الثانية، حيث سعت تركيا إلى تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية في أكثر من ملف إقليمي، أبرزها سوريا، بما يشمل دعم حكومة موالية لها وإعادة توحيد الدولة السورية تحت إدارة مركزية قوية.
ويربط أردوغان بين التزامه بمهمة الاستقرار في غزة وبين الحصول على دعم أميركي لتحقيق أهدافه في سوريا، ما يعكس التكامل بين الاستراتيجيات التركية في مسارين متوازيين.
ومع ذلك، يواجه الدور التركي تحديات كبيرة، أبرزها المعارضة الإسرائيلية لأي وجود عسكري أو إداري في غزة.
وترى إسرائيل أن دعم أنقرة لحماس يجعلها شريكًا غير موثوق، وأن أي وجود تركي قد يقيد حرية عملياتها العسكرية ويزيد من مخاطر التصعيد في القطاع.
ورغم ذلك، فإن هذه المعارضة الإسرائيلية تخدم أردوغان داخليًا، حيث يمكنه تقديم نفسه كمدافع عن الفلسطينيين وحقوقهم أمام الرأي العام المحلي والدولي، مستفيدًا من التوتر السياسي لتعزيز شعبيته ومصداقيته كقائد إقليمي فاعل.
تركيا قادرة على التأثير في قرارات حماس، ما يزيد من أهميتها بالنسبة إلى واشنطن ويعزز موقف أردوغان محليا ودوليا
ويعكس الدور التركي في غزة كيف يمكن للفراغ الاستراتيجي الناتج عن ضعف النفوذ الإيراني أن يمنح دولًا أخرى، مثل تركيا، فرصًا لتعزيز نفوذها السياسي والدبلوماسي. فقد أصبحت تركيا اللاعب الرئيسي في القطاع، وقادرة على التأثير في قرارات حماس، مما يزيد من أهميتها بالنسبة للإدارة الأميركية ويعطي أردوغان أدوات ضغط جديدة لتعزيز موقفه المحلي والدولي.
ومع ذلك، لا يخلو هذا الدور من المخاطر. إذ يعتمد استمرار مشاركة أنقرة على قدرة ترامب على الضغط على إسرائيل لقبول القوات التركية، وتحقيق نتائج ملموسة للفلسطينيين، إضافة إلى قدرة أردوغان على استخراج مكاسب في سوريا وتعزيز العلاقات الأميركية التركية. كما أن أي إخفاق في إعادة الإعمار أو استقرار غزة يمكن أن يقوض مصداقية الدور التركي داخليًا، ويؤثر على الشرعية السياسية لأردوغان، ما يجعل استدامة الدور التركي رهينة بقدرة أنقرة على إدارة توازن دقيق بين الفرص والتحديات الإقليمية.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن ضعف النفوذ الإيراني فتح المجال أمام تركيا لتصبح لاعبًا أساسيًا في غزة، واستغلال الفراغ الاستراتيجي لتعزيز نفوذها السياسي والدبلوماسي، وتقديم نفسها كشريك ضروري للإدارة الأميركية ولحماس على حد سواء.
وتمكنت تركيا من الاستفادة من هذا التحول لتعزيز مكانة أردوغان داخليًا، وعرضه كمدافع عن الفلسطينيين وحقوقهم، مع تحقيق مكاسب سياسية ملموسة على الصعيد المحلي والدولي.
ويبقى أن الدور التركي في غزة مرهون بعدة عوامل: نجاح ترامب في الضغط على إسرائيل لقبول القوات التركية، قدرة أنقرة على تحقيق نتائج إيجابية للفلسطينيين في القطاع، وتأمين مكاسب أردوغان في سوريا والعلاقات الأميركية التركية.
كما أن أي إخفاق في تحقيق هذه المعادلة يمكن أن يقلل من فعالية الدور التركي ويؤثر على استمراريته، ما يجعل هذا الدور حساسًا ويتطلب إدارة دقيقة لموازين القوى في المنطقة.
وفي النهاية، يعكس الدور التركي في غزة نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل الفراغ الاستراتيجي الناتج عن تراجع قوة أحد اللاعبين الإقليميين، هنا إيران، إلى فرصة لتعزيز النفوذ السياسي والدبلوماسي لدولة أخرى.
ويعتمد استمرار الدور التركي ليس فقط على المعطيات الميدانية في غزة، بل أيضًا على قدرة تركيا في إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، وهو ما يجعل مستقبل الدور التركي في القطاع رهينًا بموازنة معقدة بين الفرص والتحديات الاستراتيجية في المنطقة.
العرب اللندنية