عصام حوج
ما نعيشه اليوم في سوريا قاسٍ ومؤلم، لكنه ليس خارج الزمن، ولا فوق قوانينه. رفض اليأس ليس رومانسية، بل موقف عقلاني – علمي، وإيمان بأن الدفاع عن القيم لا يُقاس بنتائجه الآنية، بل بتراكم أثره. فاللحظة عابرة، أما ما نزرعه فيها، فقد يكون هو ما سيحمله التاريخ عنا.
السؤال ينبغي أن يكون: هل هناك قوى قادرة على تفسير الواقع، وتسعى الى تغييره، وتعمل على تأمين أدوات التغيير وتمتلك الشجاعة والإرادة أم لا ؟
اليأس ليس توصيفًا للواقع بقدر ما هو استسلام له. هو افتراض مضمر بأن اللحظة الراهنة قدر نهائي، وأن ما نعيشه اليوم هو سقف التاريخ وحدوده القصوى. غير أن التاريخ، إذا كان ثمة درس واحد يقدمه، فهو أنه لا يتوقف عند لحظة، ولا يعترف بالانسداد الدائم. كل لحظة، مهما بدت خانقة، هي بالضرورة عابرة، ما لم نحولها نحن إلى نهاية بإرادتنا.
– لو أن غاليليو انطلق من لحظة محاكمته ووقوف الكنيسة والسلطة السياسية ضده، لما تجرأ على الدفاع عن فكرة دوران الأرض. في زمنه، كان العالم كله تقريبًا ضده، وكان الاعتراف بالخطأ شرط النجاة. لكنه اختار الحقيقة على السلامة، فانهزم في اللحظة، وانتصر في التاريخ.
– لو أن سبينوزا توقّف عند لحظة النبذ والطرد من جماعته، والتحريض عليه اجتماعيًا وأخلاقيًا، لما أصبح أحد الآباء المؤسسين للفلسفة الحديثة. لحظة الإقصاء لم تُلغِ الفكرة، بل جعلتها أكثر جذرية وعمقًا.
– كارل ماركس، المطارد والمنفي، الذي عاش فقرًا مدقعًا وفقد أبناءه واحدًا تلو الآخر. لو قاس الأمور بميزان لحظته الشخصية والسياسية، لما أصبح أحد أكثر المفكرين تأثيرًا في الألفية الماضية.
– خلال فترة المكارثية في الولايات المتحدة، بدا وكأن العقل النقدي هُزم نهائيًا: مفكرون وفنانون طُردوا من أعمالهم، سُجنوا، أو نُفوا معنويًا، وأُعدم روزنبرغ بتهمة الشيوعية. في تلك اللحظة، انتصرت السلطة، لكن بعد سنوات قليلة تحولت المكارثية نفسها إلى وصمة عار، وأصبح ضحاياها رموزًا للحرية.
– في العراق، أُعدم فهد (يوسف سلمان يوسف) عام 1949 بعد تعذيب قاسٍ. اعتقدت السلطة أنها أنهت “الخطر” إلى الأبد، لكنها في الواقع صنعت رمزًا. الفكرة التي أُريد لها أن تُدفن، تحولت إلى جزء من الوعي الشعبي لعقود طويلة.
– في إندونيسيا، بعد انقلاب 1965، قُتل مئات الآلاف من الشيوعيين وأنصارهم، وسُجن مئات الآلاف، وحُظر الحزب بالكامل. بدا اليسار الإندونيسي وكأنه أُبيد، لكن الذاكرة لم تُبَد، والأسئلة الكبرى حول العدالة والعنف والسلطة ما زالت حية حتى اليوم.
– نيلسون مانديلا، فقد قضى 27 عامًا في السجن، وكان يُقدَّم للعالم بوصفه “إرهابيًا”. لو استسلم لمنطق اللحظة، لما خرج ليقود واحدة من أهم عمليات الانتقال السياسي في القرن العشرين، وينهي نظام الفصل العنصري.
– الشاعر الكردي جكرخوين تعرض الى النبذ من رجال الدين، والملاحقة من قبل السلطات بسبب دوره التنويري و لغته وشعره وهويته. أُريد لصوته أن يُخنق، لكنه تحول إلى أحد أعمدة الذاكرة الثقافية الكردية.
في سوريا، لسنا خارج هذا السياق.
– لو إن يوسف العظمة انطلق من اذعان الملك فيصل لانذار غورو، لما أصبح ايقونة في التاريخ السوري.
– لو ان سلطان باشا الأطرش انطلق من لحظة حصار الجبل والمجازر لما تحول الى احد اهم الرموز في سوريا الحديثة.
– تحدى فرج الله الحلو ديكتاتورية الوحدة، وذوب جسده بالاسيد ولكن انهارت الوحدة بعد سنتين، وبقي موقفه المشرف والشجاع دليلاً على علاقة الديمقراطية بالوطنية.
– عبد العزيز الخير الملاحق والمعتقل السابق على يد السلطة، والمتهم من قبل تفهاء المعارضة أيضاً، والمختطف منذ عام 2012 ولا يُعرف مصيره حتى اليوم. وكذلك رجاء الناصر انتهت السلطة وتلك المعارضة الى مزبلة التاريخ، لكنهم فشلوا في محو المعنى.
الدرس واضح: قد تنتصرا لسلطات والظُلّام في اللحظة، لكن الأفكار تنتصر في التاريخ. الموقف السياسي الصحيح لا يسير في خط مستقيم ولكنه في محصلته ارتقااااااااائي.