مكاني الأول … شهادة عبد الكريم كاصد ضفة ثالثة ـ خاص 10 سبتمبر 2020 أمكنة ضفة ثالثة

img
أدب وفن 0 editor Hossein
مكاني الأول ... شهادة عبد الكريم كاصد

كاصد: كل مكان أقمتُ فيه ترك أثرًا فيّ وبنصوصي
الفكرة الأساسية لهذه الزاوية هي ربط تجربة الكاتب أو الشاعر بمكانه الأول أو أمكنته الأولى. ولا يبحث هذا الربط عن المكان كبديهية أو مصادفة جغرافية، بل عن أثر المكان على تجربة الكاتب وهويته.

في كل حلقة نستضيف كاتبًا يستعيد مكانه الأول في شهادة مسترسلة أو على شكل إجابات عن الأسئلة والمفاتيح التالية، من دون التقيّد بها حرفيًا:
كيف تتذكر مكانك الأول أو أمكنتك الأولى؟
هل لعب المكان دورًا في كونك أصبحت كاتبًا؟
ماذا ظهر في نصوصك من مكانك الأول.. بأية طرق وأساليب؟
هل هناك أمكنة أخرى تركت أثرًا في تجربتك؟

هنا شهادة الشاعر العراقي عبد الكريم كاصد.

(حسين بن حمزة)

***

عبد الكريم كاصد: كأنني أنتمي إلى الزمن لا المكان

كلما تذكرت بيئتي استحضرت كثافتها. كلّ شيء حولي كان من الثقل ما يجعله حاضرًا أبدًا. البيوت متلاصقة لا يفصل بعضها عن بعض إلا أزقة معتمة في النهار، ومسكونة بالأشباح في الليل؛ مع أننا لا نتوقف عن ألعابنا وضجيجنا في نهار أو ليل. وهي لتداخلها تحسبها بيتًا واحدًا، تحدّه من جهات ثلاث غاباتُ نخيلٍ كثيفة؛ نجتازها عبر دروب ضيقة معتمة إلى المدينة، أو إلى دروب متداخلة أخرى من النادر أن نطرقها حتى في ضوء الشمس، وقد تعترضنا مقابر صغيرة في الطريق. الجهة الرابعة تحدّها جادة مرتفعة يليها سدّ طويل ضخم، خلفه صحراء تمتدّ لتلتقي مع السماء في البعيد، يحلّ بها، عادةً، عسكر عابر بخيامه وعتاده وفوضاه؛ أو فيضان هائل قادم من الغرب يُحيل الصحراء بحرًا تتلاطم أمواجه عند السدّ. أما البشر فكانوا جزءًا من هذه البيئة التي امتدت إلى أرواحهم فصلّبتها حتى وإن بدوا خفيفين طائفين في كلّ مكان: في المآتم والأعراس، في الأزقة والمقاهي، في المجالس والأسمار، لا يقرّ لهم قرار ضاحكين نادبين ساخطين، وفي المساء تراهم يتوجهون جماعات صوب الجادة العالية، وكأنهم على موعد، فكان الصغار والكبار يخوضون في الأحاديث ذاتها؛ أما الزوايا فكانت مكانهم المفضل للعب القمار الذي استحال فوضى، ذات مرةٍ، حين اختلطت الأوراق والنقود عند هجوم الزنابير من قفيرها المختبئ في الحائط الذي يحجب اللاعبين. كنا نقف، نحن الأطفال، فوق رؤوسهم المحنية الشبيهة بثقل المكان. بينهم أخوة لنا، نحن عيونهم الراصدة خشية الآباء، ولكن سرعان ما استحال هذا الثقل إلى فوضى باعثة على الهرج حين تطايروا لنراهم أو يرونا بوجوه منتفخة في اليوم التالي من لسع الزنابير. كانت البيئة هي الكل الراسخ الثقيل الذي يجمعنا ويُؤوينا ونحن جزؤها المتحرك الخفيف الذي أحال حتى مآتمها إلى أعياد ما زلنا نستعيدها قصصًا وحكايات، وعزاءات باعثة على الضحك، ومفاجآت فلتات لسان في أشدّ المواقف حزنًا، ولقاءات أحبة وسط سواد النادبين والمعزين (ما أصدق أبا نواس حين قال قصيدته: يا قمرًا أبرزه مأتمٌ..) لندخل الأبدية الضاجّة بسحرها وأطيافها وآلهتها وأسحارها؛ أما القراءات اللاهية فهي لم تكن سوى عتبة صغيرة إلى قراءات جادة ثقيلة، فرضها المعترك السياسيّ الذي انشغلنا به مبكرين، ودراستي الجامعية، في قسم الفلسفة في سن مبكرة، وتغرّبي الدائم الذي أحالني ريشةً في مهبّ الريح، بين أقوام ولغات شتّى هجرتُها وهجرتني ولا أزال أتكلم بعضها بتعثر مع أهلها، وأنا أتذكر مفرداتها الشحيحة القادمة كخيول تتدافع.

***
بلا شك كان للمكان دور كبير ويرجع ذلك، ربما، إلى افتقادي المكان الذي انقطعت صلتي به مبكرًا.بعد انقلاب 1963 قطعت دراستي الجامعية ببغداد (كنت في السنة الأولى في قسم اللغة الفرنسية في معهد اللغات) واضطررت إلى الاختفاء أشهرًا، (يقول لي ابني: إذن عزلة الكورونا ليست غريبةً عليك..)، لألتحق بجامعة دمشق في ما بعد، وحين أنهيت الدراسة وعدت إلى العراق لم أمكث فيه طويلا، إذ هاجرت إلى الجزائر، ثم عدت إليه لأجد نفسي أخيرًا مضطرًا إلى الاختفاء، والهرب ثانية، في أواخر السبعينيات، على جمل عبر الصحراء إلى الكويت، ثم اليمن، ثم دمشق ثانية والمنافي العديدة الأخرى شرقا وغربًا.
كان لكلّ هذه الأماكن ميسمها، وكثافتها، وثقلها، وأنا لا أعرف هل أزداد خفة أم ثقلا، وبين جناحيّ عائلة أطوف بها في المطارات معرَّضين للفرجة، لأدنى خطأ في جوازاتنا المزورة وفيزها المختومة المزورة أيضًا. كنا نرى العائلات العراقية تفترش أرضية المطارات بنسائها وأطفالها، وما تناثر من متاعها أمام أنظار المسافرين القادمين من بقاع شتى في العالم؛ فيصيبنا الأسى والإشفاق على ما آلت إليه مصائر العراقيين، عندئذ لا أبدو ذاتًا، بل مجموعة أحاسيس مبعثرة تتوحد لتفترق، وتفترق لتتوحد، وتتناثر لينتهي المنفيّ أخيرًا في اللامكان.. منفاه الواسع بما يمنحه من اتساع لا يعرف أين حدوده؛ فيصيبه الدوار وقد لا ينفع عندئذٍ تساؤله عن هويته الملتبسة، ربّما، حتى في مكانه الأول. وإن أسعفه الحظ في العثور على زاوية في مكان ما، لم يرد في خاطره يومًا أنّ هذه الزاوية ستكون زنزانة سجنه، وسط ملايين السجناء على الأرض. تصحّ عليه التسمية: سجين الكورونا.
لعل طوافنا هذا بين الأماكن كان يشي بما نحن عليه الآن وما كتبناه لم يكن تداعيًا لغويًا عارضًا وليد مزاج لحظةٍ، بل الحقيقة المرّة التي اختبرناها طويلًا.

***
لقد حضر المكان في نصوصي بأشكال شتى: حضر في مجموعتي “النقر على أبواب الطفولة” مسرحًا للطفولة: طفولة الشاعر والمكان معًا، كما حضر زمنًا في مجموعتي “الفصول ليست أربعةً”. كان ثقله لا يفارقني ولكي أتخفف منه كتبت مجموعة أولى، وثانية، وثالثة، وفصولًا متفرقة، شعرية ونثرية، توزّعتها كتبي التي تبلغ الآن أكثر من خمسين كتابًا، ولا تزال هناك مساحات أخرى للقاء به في أشكاله البارزة أو المتخفية تحت أقنعته الكثيرة الخادعة.
في مجموعتي “الفصول ليست أربعة” أرقتُ كثيرًا: كيف أدخل هذه الغابة الكثيفة من الأحداث والبشر والمشاهد؟ من أين أبدأ؟ وفجأة قفز إلى ذهني نقيضه: الزمن. كنا أنا وابني زياد نصغي كثيرًا إلى “فيفالدي” في “فصوله الأربعة” بأداء فرق موسيقية مختلفة. كان زياد يتدرّب على عزف بعض آلاتها. فكرتُ: لماذا لا أبدأ حديثي عن المكان – وأعني به محلتي “صبخة العرب”- لأروي سيرتها وليست سيرتي، مستحضرًا الزمن بفصوله التي ينقصها فصل رابع هو الربيع. وهذا ما فعلته بالفعل.
كان المكان هو القاطرة، وقودها الزمن، مخترقة البراري والمدن، والفراغ أيضًا.. وحين أستعيد تجربتي معه أجد أنّ ذلك كان طبيعيًا، فالمكان الذي أستدعيه حتى لو خلا من التفاصيل لن يكون مكانًا محضًا أبدًا، لأنّ أشباح الشاعر قادرة على الحضور حتى في الأماكن المحضة، كما أنّ للمكان تحولاته التي تفاجئنا ونفاجئها، وهو لابتعاده أو اندثاره استحال أساطير وأحلامًا، كأنَّ في استعادة المكان انبثاقًا جديدًا.. فينيقًا آخر.
في مجموعة جديدة لم تنشر بعد يحضر المكان بشخوصه التي تستأثر بالمكان ويستأثر بها، عبر السرد، لتبدأ لعبتهما المتبادلة، حيث لا ربح ولا خسارة، لأنها، أي اللعبة، هي الاثنان معًا. لم تعد اللعبة تنتظر ما تسفر عنه من قناع ووجه، لأنها القناع والوجه، الجوهر والعرض، البداية والنهاية في آن واحد، كأنما هي لعبة الحياة ذاتها تضللنا وتظللنا بسواد أفراحها وبياض أتراحها. لا أعتقد أنّ المكان الأول سيغادرني حتى لو غادرني أو غادرته يومًا، أو كاد يختفي تحت أماكن أخرى أشدّ ثقلًا.

***
ما من مكان أقمتُ فيه ولم يترك أثرًا فيّ وفي نصوصي: الجزائر، اليمن، الكويت، دمشق، مصر، المغرب، موسكو، لندن، طوكيو، ديترويت…إلخ وبعض هذه الأماكن كتبتُ عنها أكثر من كتاب، فالمغرب كتبت عنه ديوانًا كاملا هو “الديوان المغربيّ”، وكتابًا نثريًا بعنوان “صورة مراكش” الذي يعاد طبعه الآن في دار نشرٍ أخرى، بالإضافة إلى الأعمال المشتركة مع بعض الأصدقاء من الكتاب المغاربة الأعزاء كالشاعر والمترجم القدير عبد القادر الجموسي، والشاعر سامح درويش. كذلك اليمن التي شغلتْ مكانًا واسعًا في كتاباتي.
بعض هذه الأمكنة أستدعيها الآن، مثلما أستدعي مكاني الأول الذي اندثر ولم أعد أتبين فيه حتى آثاره، في زياراتي المتكررة إلى العراق، ولعلّ بعض الأماكن الأخرى اندثرت أيضًا ولكنها لن تندثر بتلك العجالة والسهولة التي اندثر فيها مكاني الأول الذي أستحضره الآن بأشكالٍ شتى. مع ذلك فإنّ هذه الأماكن لم تعدْ بعيدة.. منفصلة عن بعضها البعض في امتداداتها، أو تشوشها عبر المخيلة والأحلام، فهي في حركة دائبة حتى يكاد الشاعر يختفي، لحركتها السريعة، المفاجئة. شيءٌ شبيه، ربما، بما يسمى: موت المؤلف.

***
كلّ أمكنتي مفتقدة، حتى مكاني الحاضر لست فيه أنا إلا عابرًا، كأني أنتمي إلى الزمن وليس إلى المكان. يخيل لي أحيانًا أن جذوري ليست ممتدة فيه، وإنما هي جذور طافية في الهواء.. وها هو ينغلق عليّ ثانية ويستحيل زمنًا محضًا دقائقه تراقبني وأراقبها، بحذرٍ في انتظار شيءٍ ما: ما هو؟ بعيدًا عن المعزين والمهنئين من البشر الآخرين الذين ينتظرون أدوارهم أيضًا في مسرحٍ لم يعد مسرحًا، ونظّارة لم يعودوا حاضرين؛ لأن لكل واحد منهم مسرحه الخاص.

مقالات اخ

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة